صفحات مختارة

المقالات اليهودية المدسوسة في الصحف اللبنانية والسورية

محمود دياب
لبنان أولاً… مصر أولاً… سوريا أولاً… منتج صهيوني!

هل كتب الصهاينة في الصحف العربية، وتحديدا في الصحافة اللبنانية والسورية، ولماذا؟ هل كانت صيغة «لبنان أولا» و«سوريا أولا»، و… من إنتاج صهيوني؟ كيف دفعت الصهيونية كتابها الكبار وإعلامييها لتزويد الصحافة العربية، بمقالات وتعليقات وتحقيقات، ودفعت ثمن نشرها؟ هل نجحت في دفع الصحافة العربية، إلى الابتعاد عن المشكلة الفلسطينية، والاهتمام فقط، بمشاكل المواطنين اللبنانيين والسوريين، بعدما قامت، هذه الصحافة بالذات، بمسؤولياتها في إيضاح المخططات الصهيونية الرامية إلى احتلال فلسطين؟
في الإجابة عن ذلك، تجرأ الباحث الفلسطيني محمود دياب على فتح أرشيف الوكالة اليهودية، وتسليط الضوء على المقالات المدسوسة والأخبار، التي فاقت 280 مقالا، نشرت إما باسم هيئة التحرير أو بأسماء عربية مستعارة، وإما على شكل تقارير، كأنها من مراسلي الصحف.
مصادر المقالات المدسوسة: تقارير مسؤولي جهاز الاستخبارات التابع للدائرة السياسية للوكالة اليهودية والمحفوظة في الأرشيف الصهيوني المركزي، وخصوصا تقارير الياهو ساسون، الذي كان يتولى مسؤولية الإشراف على المقالات المدسوسة… وقد كانت هذه الوثائق «سرية للغاية».
عكست المقالات العقيدة الإعلامية التي تبناها الكتاب في الوكالة اليهودية:
1ـ تشويه النضال الفلسطيني.
2ـ طرح أجندات بديلة من القضية الفلسطينية.
3ـ زرع أخبار ملفقة لتأسيس رأي عام عربي ضد الفلسطينيين.
4ـ دفع اللبنانيين والسوريين إلى الاهتمام بشؤونهم وقضاياهم، على أن تكون للقضايا الكيانية الأولوية المطلقة.
يقول كاتب الدراسة إن الوكالة دفعت أموالا، لقاء نشر مقالاتها، واستطاعت تغيير مواقف عدد من الصحف والكتاب العرب. وفي شهادة حاييم كالفارسكي (مسؤول جهاز الاستخبارات في الدائرة السياسية للوكالة اليهودية) تقرير عن تجنيد أربعة يهود في بيروت للتأثير على الصحافة اللبنانية، لقاء مبلغ من المال وضع بتصرفهم. ويشير كالفارسكي إلى أن هذه اللجنة تمكنت من تغيير مواقف صحيفة (الأحوال) وصحيفتي «لوريان» و«لاسيري». وأنه أثناء وجوده في بيروت اجتمع بخير الدين الأحدب، (رئيس وزراء لبنان لاحقا) محرر صحيفة «العهد الجديد»، وأفاض في حديثه عن ضرورة التفاهم بين العرب واليهود، وطلب من الأحدب تقديم المساعدة للوكالة بواسطة نشر مقالات موالية للصهيونية في صحيفته. ثم سأله في نهاية الاجتماع عن المبلغ الذي يريده في مقابل خدمته هذه، فأجابه هذا أنه يريد 400 جنيه فلسطيني في السنة، وهو مبلغ مبالغ فيه، ثم اتفقنا على 200 جنيه فلسطيني تدفع بأقساط كل ثلاثة أشهر».
اكتشف محمود محارب في دراسته أن ناحوم فيلنسكي (منشئ وكالة الشرق التلغرافية) وضع نصب عينيه هدفاً، يقضي بمنع «قيام جبهة عربية موحدة ضد الصهيونية، وذلك عبر إيجاد شرخ واسع بين الحركة الوطنية الفلسطينية والأقطار العربية وبخلق مصاعب أمام الحركة الوطنية الفلسطينية في الشرق كله.
وتنفيذاً لهذه التوجهات «اجتمع كل من الياهو ساسون والياهو ابشتاين بوديع تلحوق، المحرر في صحيفة «الإنشاء» السورية في فندق أمية في دمشق، وبحثا في إمكان أن ينشر مقالات في الصحافة السورية، لشرح المشروع الصهيوني في فلسطين، وتمخض هذا الاجتماع عن موافقة تلحوق على القيام بهذا الدور، شرط أن تزوده الوكالة بمواد معتدلة».
وفي العام 1937 كثف ساسون نشاطه لنشر مقالات في الصحف السورية، بعدما أظهرت التقارير النشاط السياسي الذي يقوم به قادة رأي سوريون للدفاع عن فلسطين. وأثمرت جهود ساسون نشر ثلاثة مقالات، ظهر أحدها في صحيفة «الدستور» في حلب. وظهر كافتتاحية، جاء فيها: «نحن أولى بلجنة دفاع عن سورية من لجنة دفاع عن فلسطين وباقي بلاد العرب»… «ان ينصرف السوريون مثلا، وهم في حالتهم الحاضرة المليئة بالفقر المدقع والاضطراب والاختلافات والتحزبات، الى معالجة المشكلة الفلسطينية وغيرها، وهم على ما هم عليه من تفكك وخور. فذلك فضلا عن انه يؤخرهم عن تدارك أمرهم الذي قد يؤدي إلى الهلاك والدمار، فهو يؤدي أيضا إلى الهزء منهم والاستخفاف بهم من قبل الأجانب الطامعين. فنحن والحالة هذه أولى بلجنة دفاع عن سورية منا عن لجنة دفاع عن أية بقعة من بلاد العرب العزيزة… ولا نظن عاقلا، مهما بلغ التهور والتطرف، يترك باب داره مفتوحا أمام عصابات اللصوص المحدقة به من كل صوب، ويهب لمساعدة جاره المنكوب بدوره بهؤلاء اللصوص».
ونُشرت مقالة في صحيفة «الجهاد»، في سوريا، تهاجم لجنة الدفاع عن فلسطين، «وتطالب الحكومة السورية بمصادرة الأموال التي جمعتها اللجنة لمصلحة فلسطين وتوزيعها على فقراء سورية وعمالها الذين يتضورون جوعا». وانتقدت مقالات في جريدة «الجهاد» الحكومة السورية والشعب السوري لأنهما أهملا مسألة لواء الاسكندرون، «وتدعو إلى إيقاظ الشعب السوري وتأسيس لجان دفاع عن هذا اللواء».
كان الهدف من نشر هذه المقالات إثبات وجهة نظر تقول للبريطانيين، «ليس كل العرب والسوريين مع الفلسطينيين».
وبعد ذلك انهالت المقالات الصهيونية على الصحف السورية واللبنانية، وقد نشرت المقالات في «القبس» و«لسان الحال»، وأبرز ما فيها أن نشرت «لسان الحال»، خبراً مضخماً عن مقتل شرطيين عربيين مسيحيين بالقرب من عكا. بهدف إثارة فتنة بين المسلمين والمسيحيين. ونشرت صحيفة البلاد، تحت اسم مستعار، مقالا يتحدث عن عيوب القيادات الفلسطينية وعدم كفاءتها وعدم توافر الأمن. وعدم تحلي القيادات بالشجاعة والإقدام للتفاوض مع الوكالة اليهودية ووسم الثورة في فلسطين بأنها «حرب عنصرية في فلسطين»، ودعا إلى إقامة علاقات صداقة بين الإسلام واليهودية، وحذر من مخاطر محاولة الفلسطينيين استغلال التناقض بين إيطاليا وألمانيا من ناحية، وفرنسا وبريطانيا من ناحية أخرى. وأشار ساسون في نهاية تقريره، إلى أنه نشر منذ قدومه إلى بيروت حتى الآن ثمانية مقالات، وأنه ما زال هناك عشرون مقالا آخر، يأمل بنشرها خلال أسبوع.
واستمر ساسون في نشر مقالاته المدسوسة بهمة ونشاط، ففي تقريره إلى شرتوك من بيروت في 16 كانون الأول/ديسمبر 1937، ذكر أنه ظهرت في صباح ذلك اليوم، أربعة مقالات له في أربع صحف تصدر في دمشق وبيروت. وقد نُشر المقال الأول في صحيفة «لسان الحال» الصادرة في بيروت، وجاء على شكل تقرير من القدس هاجم بشدة «أعمال العنف» التي يقوم بها الفلسطينيون، معربا عن الدهشة من صمت رجال الدين الإسلامي عن هذه الأعمال، كما تحدث عن إدانة القادة اليهود «لعمليات الانتقام» التي ينفذها «العديد من صغارهم»، وحمّل القادة العرب الفلسطينيين مسؤولية الوضع القائم في فلسطين. ونشر المقال الثاني في صحيفة «فتى العرب» الدمشقية، وكان موضوعه «الاتهامات الخطيرة» التي توجهها الصحف البريطانية إلى المسؤولين السوريين في ما يتعلق بموقفهم من القضية الفلسطينية. وجاء في المقال أن سفر رئيس وزراء سوريا، جميل مردم، إلى الخارج، هدف إلى نفي التهم التي تعرقل مصادقة فرنسا على الاتفاقية الفرنسية ـ السورية، كما حذر المقال الحكومة السورية وأعضاء البرلمان والصحافيين السوريين من مغبة التطرق إلى القضية الفلسطينية في الوقت الراهن. وأشار ساسون في تقريره إلى أن هذا المقال هو أحد المقالات التي كان ساسون قد قرأها على شرتوك في حينه. أما المقال الثالث، فنُشر في صحيفة «الإنشاء» الدمشقية، وقد هاجم «السياسة السلبية» التي اتخذها القادة الفلسطينيون خلال 17 عاما، واتهمهم بإغلاق الطريق أمام «السياسة الإيجابية». ودعا المقال جميع الذين يتبنون «السياسة الإيجابية» في البلاد العربية، إلى الظهور على الملأ والعمل من أجل تحقيق سياستهم. وظهر مقال ساسون الرابع لهذا اليوم في صحيفة «صوت الأحرار» البيروتية، وجاء على شكل تحقيق تناول قرار حكومة فلسطين الانتدابية «الحاسم» إعادة الهدوء والنظام إلى فلسطين بمختلف الوسائل، وأكد تصميمها على تنفيذ تقسيم فلسطين وفق توصية لجنة بيل، إذا ما فشلت بريطانيا في إقناع العرب واليهود بقبول التقسيم. ووصف المقال العرب الذين يقومون «بأعمال عنف» بأنهم أشخاص فقدوا وعيهم وعقولهم، كما فقدوا التمييز بين الصالح والطالح، وشن هجوما على القادة الفلسطينيين، وانتقد الدعاية الأجنبية «التي تستغل الوضع وتصب الزيت على النار»، ودعا حكومة فلسطين الانتدابية إلى السماح «للقادة الفلسطينيين»، الذين لم يبعدوا ولم يسجنوا، باستلام قيادة الشعب العربي الفلسطيني من أجل وضع حد لـ«الإرهاب»، وللوضع غير العادي السائد في فلسطين. ودعا ساسون، في ختام تقريره، شرتوك إلى أن يقرأ المقالات كي يكون صورة كاملة، ويدرك مدى تأثيرها في القارئ، وأخبره أنه نشر منذ وصوله إلى بيروت حتى الآن 15 مقالا، وأنه يأمل «أن يدخل اليوم مقالا في «النهار» وآخر في «الاتحاد» كي يكون الاحتلال كاملا. ونشر ساسون في أثناء مكوثه في بيروت ودمشق أحد عشر يوما، في كانون الأول/ديسمبر 1937، 28 مقالا مدسوسا في إحدى عشرة صحيفة، بثمن معدله 1,75 جنيه فلسطيني للمقال الواحد.
وقدم ساسون، في أواخر كانون الأول/ ديسمبر 1937، برنامج عمل إلى موشيه شرتوك، أوضح في مقدمته أن تأثير هذه المقالات في النخب والرأي العام في سوريا ولبنان لن يظهر على الفور، لكن بعد سنة، أو على الأقل بعد نصف سنة، شرط أن تستمر عملية نشر المقالات بثبات وانتظام. ومن أجل تحقيق ذلك، اقترح ساسون، وبناء على تجربته ومعرفته بأصحاب ومحرري الصحف السورية واللبنانية وعلاقاته بهم، وآخذاً بعين الاعتبار مدى انتشار الصحف، نشر المقالات المدسوسة في سبع صحف، ثلاث سورية هي «فتى العرب» و«الإنشاء» و«الأيام»، وأربع لبنانية هي «صوت الأحرار» و«بيروت» و«لسان الحال» و«النهار». وأشار ساسون إلى أنه عند الحاجة، أو عند عدم القدرة على نشر المقالات في أي من الصحف المذكورة، فإنه سيستعمل صحفاً أخرى. وأضاف أنه من الأفضل نشر مقالات في الصحف السورية أكثر من الصحف اللبنانية، غير أن الصحف السورية، وفقا لمعرفته وتجربته، تدقق جدا في مضمون المقالات واتجاهها، كما أنها في بعض الأحيان ترفض نشرها حتى في مقابل ثمن مرتفع، وسبب ذلك في رأيه، يعود إلى اهتمام الصحف السورية بما أطلق عليه «البرستيجا»، وإلى علاقاتها بالقيادات الفلسطينية الموجودة في سوريا ولبنان، وإلى الدعم المالي الذي كانت تحصل عليه من كل من الحكومة السورية والقيادة الفلسطينية وحكومات أجنبية. لكنه ذكر أن الصحف اللبنانية، ولا سيما الصحف المذكورة أعلاه، هي أكثر انتشارا في فلسطين والبلاد العربية الأخرى من الصحف السورية، وأضاف أن «بعض الصحف اللبنانية معني، لأسباب سياسية واقتصادية، بوقف الإرهاب في فلسطين، وبالحرب ضد الدعاية الأجنبية، وبتطور المشروع الصهيوني». ورأى ساسون، في ما يتعلق ببرنامج عمله، أن تكون وتيرة النشر مقالا واحدا في الأسبوع في كل صحيفة من الصحف السبع، أي 28 مقالا في الشهر، فهذه الوتيرة، في نظره، ليست مرتفعة، وخصوصا في ضوء «نشاطات المفتي الحاج أمين الحسيني والدعاية الأجنبية» في هذا المضمار، كما أنها تمكن الوكالة اليهودية من معالجة مختلف الموضوعات، وتستجيب في الوقت نفسه، لمطالب الصحف المالية، وتبعد الشبهات عن صحيفة أو صحيفتين إذا ما انفردتا بنشر هذه المقالات. علاوة على ذلك، رأى ساسون، وناء على تجربته السابقة، ضرورة رصد 60 جنيها فلسطينيا في الشهر لدفعها إلى الصحف المذكورة في مقابل نشر المقالات، وأنه يجب استغلال هذه المقالات وإعادة نشرها في الصحافة الانكليزية والأوروبية، والإشارة إليها في «وكالة الشرق».
في 22 تموز/يوليو 1938، نشر ساسون مقالين مدسوسين في «الاتحاد» و«الحديث» الصادرتين في بيروت، وذكر في تقريره أن أحد هذين المقالين، الذي كان من نسج خياله، يتحدث عن عزم المسلحين الفلسطينيين إلقاء قنابل على المسجد الأقصى، ثم اتهام اليهود بأنهم هم من قاموا بذلك. أما المقال الثاني فيدعو إلى عدم مشاركة أعضاء البرلمان اللبناني في المؤتمر البرلماني لنواب الدول العربية والإسلامية المزمع عقده في القاهرة. واختتم ساسون تقريره بطلبه من المسؤول في الدائرة السياسة، نشر ملخص هذين المقالين في صحيفة «دافار» العبرية، كي يرى العالم «مؤامرة» المسلحين الفلسطينيين، ولإثبات أن لبنان يقف ضد المشاركة في المؤتمر البرلماني المزمع عقده في القاهرة.
وفي 5 أيلول/ سبتمبر من تلك السنة، اجتمع ساسون بنصوح بابيل صاحب صحيفة «الأيام»، وأحد رموز المعارضة في سوريا آنذاك، ومع أن هذا الاجتماع لم يكن الأول بينهما، إذ ان ساسون اعتاد لقاء بابيل قبل هذا الاجتماع وبعده، لكن يمكن القول ان ما ميز هذا اللقاء هو أنه عمّق تعاون بابيل معه في عدة قضايا. فوفقاً لتقرير ساسون، جاء هذا الاجتماع بمبادرة من ساسون نفسه، وقد استمر ثلاث ساعات تحدث هذا الأخير في مستهله عن ان هناك ضرورة ملحة في أن تقوم الصحافة السورية بعمل مكثف من أجل تهدئة الأوضاع السورية الهائجة والمؤيدة لنضال الشعب العربي الفلسطيني، وذلك «خدمة للمصالح السورية ومصالح اليهود في فلسطين»، وأنه طلب من بابيل المساعدة في تهدئة الأوضاع في سوريا.
وبحسب تقرير ساسون، شكك بابيل في إمكان أن يصغي الصحافيون السوريون إلى الوكالة اليهودية، وذلك لأن المفتي الحاج أمين الحسيني يدفع المال إلى معظمهم. ويضيف ساسون أن بابيل بلّغه في هذا الاجتماع أنه «هو نفسه استلم من المفتي في الأشهر الثلاثة الماضية، من دون أن يطلب، وذلك على حد قوله، مبلغ مئة جنيه فلسطيني، كي يدفع إلى العاملين في الجريدة، العاطلين من العمل، خلال إغلاق الجريدة في الأشهر الثلاثة الماضية». ويقول ساسون إن بابيل بلّغه أن لا فائدة من شراء صحيفة أو صحيفتين، وأن المنفعة لن تكتمل حتى إذا اشترت الوكالة اليهودية الصحف السورية كلها، ما دام «مكتب الدعاية والنشر» التابع لفخري البارودي، ناشطا وفاعلا. واستطرد بابيل قائلا إنه لن يكون في الإمكان إسكات ذلك المكتب بواسطة المال، لأن الحاج أمين الحسيني يدفع إليه شهريا كثيرا من المال، وانه فقط بواسطة الضغط في باريس ولندن يمكن إسكاته ومعالجة هذا الوضع. وفي ختام الاجتماع وافق نصوح بابيل على أن تساهم صحيفة «الأيام» في تهدئة الوضع الهائج في سوريا والمؤيد لنضال الشعب العربي الفلسطيني، وذلك في مقابل مبلغ مالي.
وكثف ساسون، عشية عقد المؤتمر البرلماني لمناصرة الشعب الفلسطيني في القاهرة، نشاطه واتصالاته بالصحافيين، وبمحرري الصحف اللبنانية والسورية وأصحابها، وبجهات لبنانية وسورية عديدة، وذلك بهدف عرقلة المؤتمر، والعمل على أن يقاطعه أكبر عدد ممكن من أعضاء البرلمانين اللبناني والسوري. وفي تقريره إلى موشيه شرتوك، يذكر أنه خلال مكوثه أربعة أيام في بيروت، من أواخر أيلول/سبتمبر حتى بداية تشرين الأول/أكتوبر 1938، التقى كثيرين من الصحافيين ومحرري الصحف وأصحابها في بيروت ودمشق، وقد برز من تلك اللقاءات اجتماعه بالياس حرفوش صاحب صحيفة «الحديث» الذي اجتمع به ثلاث مرات، كما أنه التقى سمعان سيف محرر صحيفة «الأحوال» مرتين، وأسعد عقل محرر صحيفة «البيرق» مرة واحدة، وأنه سافر، في أثناء ذلك، إلى دمشق ثلاث مرات اجتمع خلالها بتوفيق جانا صاحب صحيفة «الاستقلال العربي»، وبشخصيات سورية أخرى. وبحث ساسون مع جميع من التقاهم في كيفية عرقلة مشاركة أعضاء البرلمانين اللبناني والسوري في المؤتمر البرلماني، واتفق مع كثيرين من أصحاب ومحرري الصحف على أن تنشر صحفهم مقالات باسم هيئات التحرير تدعو إلى عدم مشاركة أعضاء هذين البرلمانين في ذلك المؤتمر. ويضيف ساسون في تقريره أنه خلال الأيام الأربعة المذكورة أعلاه، ونتيجة جهوده، نشر ثمانية مقالات في صحف بيروت: «الأحوال» و«الاتحاد» و«لسان الحال» و«صوت الأحرار»، ضد مشاركة أعضاء البرلمان اللبناني في المؤتمر البرلماني المزمع عقده في القاهرة في تشرين الأول/ أكتوبر 1938. وقد شددت المقالات على أن كل من يشارك في المؤتمر البرلماني يذهب إليه باسمه الشخصي، وأن لا حق له في التحدث باسم لبنان، ولا التزام أي أمر كان باسم لبنان أيضا، كما طالبت صحيفة «صوت الأحرار»، في مقال رئيسي طويل، المؤتمر البرلماني باتخاذ قرار بضرورة وقف «أعمال الشغب» في فلسطين، وبإجراء مفاوضات بين الأطراف من أجل التوصل إلى حل مقبول للقضية الفلسطينية. ويضيف ساسون في تقريره أن «الياس حرفوش وعد بأن يقوم اليوم بزيارة كل من إميل إده رئيس الجمهورية اللبنانية، و«كيبر» مدير القسم السياسي في الممثلية (الفرنسية) العليا، لحثهما على الإشارة إلى أعضاء البرلمان الذين يعتزمون المشاركة في المؤتمر، بالانسحاب وعدم الذهاب، وذلك من أجل الحفاظ على حيادية لبنان، وعدم إثارة سخط الانكليز واليهود». ويشير ساسون، في تقريره، إلى أن الياس حرفوش التزم أن ينشر خلال اليومين المقبلين مقالين شديدي اللهجة ضد المؤتمر وأهدافه عامة، وضد أعضاء البرلمان اللبناني الذين يعتزمون المشاركة في المؤتمر خاصة، وسيقول إنهم حصلوا على دعم مالي من نبيه العظمة للمشاركة فيه من أجل إظهار تضامن لبنان مع الثوار الفلسطينيين. علاوة على ذلك، يذكر ساسون أنه تمكن من تجنيد العديد من الشخصيات اللبنانية والسورية للتأثير مباشرة في أعضاء البرلمان بعدم المشاركة في المؤتمر البرلماني، فقد تمكن بمساعدة خير الدين الأحدب، رئيس وزراء لبنان السابق، من التأثير في موسى نمور، الذي كان سيرأس الوفد البرلماني اللبناني، بالامتناع من المشاركة في المؤتمر، كما تمكن بمساعدة الياس حرفوش من التأثير في عضوي البرلمان فريد الخازن وأيوب كنعان بالانسحاب من المشاركة.
الخلاصة
عالجت هذه الدراسة موضوعا مهما لم يتم التطرق إليه من قبل، كما تناولت موضوعات المقالات المدسوسة التي سعت لتحقيق الأهداف السياسية للحركة الصهيونية في إبان الثورة الفلسطينية الكبرى. ان نجاح ناشطي جهاز الدائرة السياسية للوكالة اليهودية في اختراق الصحافة اللبنانية والسورية، في تلك الفترة بهذه السهولة، وشرائهم خمس صحف منها، ونشرهم ما لا يقل عن 280 مقالا مدسوسا في الصحف اللبنانية والسورية الأكثر انتشارا، لم تكن نتيجة تمتعهم بمهارات خارقة، أو امتلاكهم أموالا طائلة، بل كان سببها ضعف المجتمع العربي، وهشاشة نخبه وفساد بعضها، واحتدام الصراعات بينها على أسس عشائرية وطائفية وجهوية. ومن اللافت للانتباه أن أولئك الذين مكنوا الوكالة اليهودية من اختراق الصحافة اللبنانية والسورية، بهذه السهولة، هم أنفسهم الذين كانوا يتحدثون، باحتجاج، عن نفوذ وسطوة اليهود والصهيونية على الصحافة في الدول الغربية.
[ تنشر في مجلة الدراسات الفلسطينية ـ دائرة العلوم السياسية ـ جامعة القدس.
[[ قام بتحرير الدراسة صحافياً نصري الصايغ

السفير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى