صفحات العالم

سيذهب نداء الشيخ القرضاوي جفاءً

محمد الحاج صالح
بمناسبة احتفالات أعياد الميلاد ناشد شيخ “الوسطية” الإسلامية الشيخ القرضاوي المسلمين مختتماً خطبته في جامع عمر بن الخطاب في الدوحة “أردت أن أنذر قومي وأقول لهم: هذا حرام، وهذا عيب وهذا لا يليق، وهذا يدل على الغباء في معاملة الآخرين، وعلى جهل بما يوجبه علينا الاسلام”. يبني الشيخ نداءه الموجع هذا بعد أن رصد مظاهر وعلامات تنبئ بـ ” أن الأمة تتنازل عن شخصيتها الإسلامية” متسائلاً: “في أي مجتمع نحن.. هل نحن في مجتمع مسلم أم في مجتمع نصراني؟” وقال مستنكراً: “شجرة الميلاد بارتفاع عدة أمتار في الدوحة وبعض العواصم”  وذكر : “أن المبالغة في عرض السلع الخاصة بأعياد الميلاد تُفقد المجتمعات المسلمة هويتها الإسلامية!” وأسف على “أن المسلمين احتفلوا قبل أيام بعيد الأضحى ولم نرَ مظاهر للعيد في محلات المسلمين” وقارن بين هرولة كثير من المسلمين للاحتفال بميلاد المسيح وتجاهلهم الاحتفال بمولد محمد (صلى الله عليه وسلم)، مشيراً إلى أن بعض بلاد المسلمين، ومنها قطر والسعودية، لا تحتفل بمولد محمد (ص) ويعتبرون الاحتفال بدعة.. فكيف يسارع أهلها للاحتفال بالكريسماس.
إشكالية نداء كهذا أنه سيذهب جفاءً، مع احترامنا للشيخ، لا لشيء سوى لأن الواقع عنيدٌ ولا يطابق الرغائب والنوايا، فما بالك بنوايا ورغائب بليت بسبب كرّ السنين دون أن يلحق بها إصلاحٌ. فلا التجار الذين يهمهم الربح سيصغون، ولا الناس الذين يريدون أن يرفهوا عن أن أنفسهم سيطيعون، والأهم أن الناس ملّت التعبئة الحربية ضد الأديان الأخرى عبر الصحوة الإسلامية، لأنهم أي الناس رأو ولمسوا مآلات الخطاب والعمل الصحووي. حروب ذات اليمين وذات الشمال. حروب داخلية وخارجية. أنهار من الدماء. وعداء لكل الأديان. وعداواتٌ متداخلة ضمن الحركات الإسلامية ذاتها. وبحثٌ دؤوبٌ عن أعداء حتى ولو في الصين. فقط في السنوات الأخيرة كسبنا شيئاً من عداء الدولتين الآسويتين الأكبر؛ الهند والصين، فضلاً طبعا عن سابق العهد من عداوة الغرب وأمريكا وروسيا. من لم نعاديـه بعد؟! البحثُ مستمرّ. هذا الكلام لا يعني أن الآخرين بريئون، وإنما يعني أن الفكر الأصولي السلفي وبالأخص في نسخته المتقدمة، بالضبط: الجهادية، كانت في صميم الوصول إلى هذا الوضع.
نتكلم كثيراً عن الأمة، عن كائن غامض يمتد من طنجة إلى جاكرتا. كائن لا انسجام فيه ولا يمكن أن يُعدّ واحداً موحداً، مثلما هي الحال عند الكلام عن المسيحيين ككيان واحد موحد. واقعياً، مسيحيّو البيرو يختلفون عن مسيحي اسكندنافيا، تماما كما يختلف المسلم المغاربي عن المسلم الصيني. ذلك هو الواقع العنيد الذي لا يريد إسلاميونا أن يفهموه. هم في ذهنهم أمة إسلامية موحدة الثقافة، يتمنون توحيدها سياسياً، في مقابل أمة مسيحية يتوهمون أنها موحدة . هذا غير صحيح ولن يصح. فتاريخ تطور الدول والثقافات بريء كل البراءة من هكذا أوهام وتخليط.
نعم للغرب شخصية وهوية ناجزة تتطور، بل شخصيات وهويات. ونعم للبلاد الاسلامية شخصية وهوية غائمة ومتخلفة، بل شخصيات وهويات. ميزة الغرب تلحقه أمم أخرى الآن كالهند والصين واليابان وروسيا أنه يتغير يتطور وينظر إلى الأمام. يخترع ويبدع ويمارس الحريات وبالأخص الحرية الشخصية. طبعاً ليس الأمر وردياً، لكن الاتجاه العام هو هذا الاتجاه. في هذه الدول فُصل الدين عن الدولة وتحررت مفاصل المجتمع، لذلك كانت وستكون مشيته متوازنة. نُخَبُه السياسية،  والثقافية، والمالية، و العلمية، والدينية لا تضع العصي في الدواليب، هي نخبٌ منفتحةٌ في العموم على التجديد والإصلاح. الأمر مقلوب”عندنا”. لدينا نخبتان نافذتان، تتحالفان وتتصارعان. نخبة سياسية ونخبة دينية. النخبة السياسية تسلطية قامعة، والنخبة الدينية مهيمنة ثقافياً ورجعية. الأولى همها تأبيد السلطة في أيديها. والثانية همها تأبيد الخطاب الديني المنتج منذ أكثر من ألف عام وحراسته من أن يعتوره أي تغيير أو إصلاح.
الاحتفال بأعياد الميلاد بهذه الطريقة حديثة في الغرب. وشخصية “بابا نويل” أو سانتا كروس” أو “نيسه” طُورت حديثا وأصلها مختلف عليه. هناك من يقول أنها من الشمال الاسكندنافي، وآخرون ينسبونها لأصل تركي. والمؤكد أن الباس الأحمر والقبعة الحمراء ذات الذيل من أصل صيني.
وفي تاريخ هذه الشخصية هناك من يقول بأنها ولدت على يد الشاعر الأميريكي كلارك موريس الّذي كتب سنة 1823 قصيدة بعنوان “الليلة التي قبل عيد الميلاد” يصف فيها هذا الزائر المحبّب ليلة عيد الميلاد. إلا أن الأمر لم يكتمل ويصبح عرفاً إلا في القرن التاسع عشر، وقتما غمس فنان الكاريكاتير ‘توماس نيست’ ريشته في الألوان ورسم علي الورق ‘سانتا كلوز’ سميناً ذا خد متورد ولحية بيضاء طويلة ونشرتها إحدي المجلات.
الجماعةُ منفتحون ووجدوا ما يسلي ويبعث على السرور في قلوب الصغار والكبار. فإذا كانت الغيرة سلباً تجعلنا نحسد الآخرين على متعهم ولهوهم لمَ لمْ نطور بابا نويلـ”نا”. لم مثلاً لم نطور شخصية جحا لنضحك ونلهو ونعيّد أعيادنا؟ أم أن المسلم الصحيح هو الجهم العبوس الذي لا يضحك إلا “للرغيف السخن” كما يقول المثل السوري. ولمَ لا نغبط الآخرين ونفرح لفرحهم كي يفرحوا لفرحنا؟
المشكلة تقع في أننا تجمدنا عند حدود فقهية عمرها مئات السنين، حدود تكاد تجعل من كل شيء حرام. الأمر الذي يجعل من الصعوبة بمكان أن يبدع الناسُ في أفراحهم ويأتون بشيء جديد ممتع وجاذب، كما يفعل الآخرون. يعلم الجميع أن الغناء والرقص واللباس الاحتفالي والتلفزيون والسينما ومظاهر الاحتفال المهرجانية والطرائق الحديثة في التسلية واللهو …إلخ هي من المكروهات في عرف صحويينا، بل وحرام عند الأكثرية. ليس بعيداُ عن زمننا هذا في خمسنيات وستينيات القرن الماضي وفي شمال سوريا، موطني، كان للعيدين نكهة مختلفة. كان العيد عرساً. تعقد فيه الدبكة. أكرر الدبكة، حيث النساء والرجال. وكانت تجرى سباقات للخيول، وللرمي. وولائم كثيرة. وزيارات وصلح وزيجات. كانت الأعياد حياة زاخرة. إلى أن حلّ بيننا الدعوويون، فإذا الفرح والمتع والبهجة في العيد كلها تتبخر لصالح عبوس رزين وفناجين قهوة وقطع حلو،  وزيارات باهتة، وكثير من الصلاة على النبي كعادة مفتقدة للمعنى. وفي المساء ينتهي المرء إلى حموضة في المعدة وإحساس حزين. وليس أدل على هذه الحال البائسة من القول المنتشر الآن في ذات البقعة: “العيد للصغار” وياليته كان كذلك! إذْ لهم اللهُ أكثرية أطفال المسلمين. لافرح ولا متعة ولا طفولة أصلاً. فهم محاطون بالنواهي والجوازم والحرام والعيب.
كاتب وطبيب ـ النرويج
15/12/2009
خاص – صفحات سورية –

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى