الأزمة المالية العالمية

أزمة في الرأسمالية وليست أزمة الرأسمالية

حسام عيتاني
يشبه الحديث عن »أزمة الرأسمالية« من بعض الجوانب ذلك الذي دار حول »الحرب الباردة الجديدة« أثناء الصراع الروسي الجورجي في آب الماضي: القفز الى نتائج عامة من مقدمات غير كافية.
الاعاصير او الزلازل التي تجتاح الاسواق العالمية تخلق ما يبرر الاعتقاد بحصول أمر لا سابق له على مستوى الاقتصاد العالمي، واستطرادا على علاقة الدولة بالعملية الاقتصادية ككل، غير انه من المبكر الوصول الى خلاصات وافية تعلن موت الرأسمالية او الانتقال الى مرحلة تاريخية جديدة منها، تماما مثلما كانت التكهنات بعودة الحرب الباردة بعد أحداث جورجيا، في غير مكانها.
فلا روسيا ولا الصين ولا غيرهما في وارد إحياء صراع يعم الكوكب مع الولايات المتحدة والغرب، من دون ان يكون له أي مضمون يتجاوز التنافس على النفوذ التقليدي الاقرب الى منافسات الدول الكبرى في القرن التاسع عشر منه، الى الصراع الايديولوجي والوجودي الذي ميز حرب المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي بين الاربعينيات والتسعينيات من القرن العشرين. ولا الرأسمالية كنظام عالمي (يضم تنويعات شديدة الاختلاف والتباين) قد وصل الى نهاياته، بحسب ما تظهر المعالجات المقترحة للأزمة الراهنة. بل إن أيا من الدول الصاعدة لا تمتلك تصورا لمستقبل اقتصادها خارج النطاق الرأسمالي، اقترب او ابتعد بهذه الدرجة او تلك من النموذج الليبرالي الغربي.
النظر في الجهات التي تسعى الولايات المتحدة الى الاقتراض الكثيف منها لاتمام خطة الانقاذ المالي التي اقرها الكونغرس، يقضي تماما على مقولتي »اشتراكية الصين« و»نهاية الرأسمالية«. فالصين تؤمِّن، بالشراكة مع غيرها من دول شرق آسيا والخليج العربي (ودور هذه الاخيرة يستحق بحثا مستقلا)، أجزاء مهمة من السيولة الضرورية للخطة الانقاذية الاميركية. وهذه تضع الدولة في قلب الاسواق المالية بفعل شرائها لعدد كبير من الاصول والديون المتعثرة، وهو موقع يتعين التشديد على انه جديد كليا عليها، ولم تخسره اثناء الفترة الريغانية ـ الثاتشرية التي اخرجت الدولة من حيز المؤسسات الانتاجية وشبه الانتاجية (المواصلات والنقل والمناجم وسواها)، استنادا الى اجتهادات ميلتون فريدمان وفرديريك فون هايك المحبذة لترك الاسواق تصل الى توازنها في منأى عن التدخلات الخارجية، أي تحديدا تدخلات الدولة.
إذن، السمة الابرز التي يمكن الحديث عنها في ظل المعطيات الحالية والقابلة للتغيير السريع، هي دخول الدولة بقوة الى الاسواق المالية. ونعني في المقام الاول هنا الدولة الاميركية التي اكتفت طوال عقود ثلاثة بالحد الادنى من المراقبة والتنظيم للاسواق وكان الحاكم السابق للاحتياط الفدرالي الاميركي آلان غرينسبان رائد هذا الدور.
المفارقة في الانعطافة هذه انها تعيد تسليط الاضواء على اسم ارتبط بالمساعي للخروج من ازمة الركود الكبير في اواخر العشرينيات من القرن الماضي: جون ماينرد كينيز، عالم الاقتصاد البريطاني الذي نادى بتوسيع دور الدول في الاقتصاد. واذا كانت بعض افكار كينيز قد طبق بنجاح، فإن للرجل آراء في السيطرة على الأزمات المالية تبيح استخدام التضخم النقدي للحفاظ على الاستقرار السياسي والاجتماعي. بيد ان الكينيزية العائدة اليوم لم تعايش التنوع الهائل في الاسواق المالية الذي يعرفه العالم المعاصر وحيث تتركز الازمة الحالية. فأنواع التعاملات واصناف الاوراق المالية او ما يُسمى المنتجات الفرعية كانت لم تظهر بعد او قل انها كانت في طور جنيني.
بهذا المعنى، تدشن الكينيزية الجديدة دخول الدولة الى اسواق تعج بالمنتجات الفرعية وبالتعاملات شديدة التعقيد بين اسواق متباعدة وبين تأثيرات لم يكن في ذهن كينيز أي منها عندما وضع نظريته العامة في الاستخدام والفائدة والنقد، وهو موقف لا تخفى غربته عن الموقف الذي كان سائدا في الاسواق قبل ثمانين عاما.
وليس سرا ان دور الدولة في الاقتصاد الرأسمالي ليس بالامر الجديد بحسب ما تظهر التجربة الكينيزية والتجارب التي شهدتها الولايات المتحدة مع فرانكلين روزفلت (حيث ساهم كينيز في التأثير على توجهات روزفلت في »الاتفاق الجديد« الذي ادى نجاحه الى اخراج الولايات المتحدة من الركود) وصولا الى البرامج الاجتماعية ـ التنموية لليندون جونسون، هذا ناهيك عن تراث ضخم من علاقة الدولة بالاقتصاد في معاقل الرأسمالية الاوروبية.
وبغض النظر عن تقييم الرأسمالية، الا انها ما زالت قادرة، على ما يبدو، على إيجاد مخارج لأزماتها من خلال تغيير المسارات التي تسلكها، فتنتقل من تهميش دور الدولة اذا تعارض مع المصالح الحيوية القائمة على التمدد، الى استدعاء الدولة لانقاذها. ولعل من المفارقات الغريبة ان يكون قادة الفريق المكلف في الولايات المتحدة بمعالجة الازمة الحالية، وفي مقدمتهم وزير الخزانة هانك بولسن، قد جاءوا الى الادارة من واحدة من قلاع العداء لدور الدولة: مجموعة غولدمان ساكس المالية.
يتجاوز الامر هنا الدفاع التآمري عن المصالح المباشرة من خلال استغلال النفوذ ويبلغ حد الاعلان الصريح عن احتفاظ الرأسمالية التي نشر نعي لها مرات عدة، بمرونة تكفي لايجاد مخارج مناسبة من ازماتها ولو كان الثمن القبول بعودة الدولة الى ممارسة دور الوصاية.
السفير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى