صفحات الحوار

خليل النعيمي: الكتابة مثل الجراحة لا تنازل فيها

null
القاهرة – سيد رزق
جمع الكاتب السوري المغترب خليل النعيمي بين الحياة في الغرب والأصل الشرقي، بين الحداثة والموروث العربي والسوري خصوصا وبين حنين الكاتب المغترب والارتباط الدائم بالوطن. وساعده عمله كطبيب جراح على تبني مفهوم للكتابة يسميه «الكتابة التشريحية» تلك التي تتوجه إلى جسد المجتمع بحثا عن العطب الكائن فيه. كذلك يرى أن الكتابة مثل الجراحة لا تنازل فيها لأن أي تنازل يؤدي إلى عواقب وخيمة.
حول بدايته وتركه الشعر الى الرواية معه هذا الحوار.
متى تشكل وعيك الإبداعي وكيف؟
يعود تعلقي بالكتابة وبشكل خاص بالشعر منذ الطفولة، عندما كنت تلميذا في ثانوية الجزيرة السورية.
عشت سنوات طويلة في بادية الشام كبدوي مع عائلتي، في هذا المناخ كنت مثل أطفال القبيلة الآخرين، أستمع إلى حكايات الكبار. في المرحلة الثانوية بدأت أكتب الشعر حتى دخولي كلية الطب في جامعة دمشق في منتصف الستينيات. صدر لي ديوان شعر اسمه «صور من ردود الفعل» نشر في دمشق 1968 وتمت مصادرته وحوكمت عليه وفجأة توقفت عن كتابة الشعر. بعد كل هذه السنوات أتذكر هذا الديوان الذي كنت فخوراً به في مطلع حياتي. ولم يمر وقت طويل حتى بدأت أكتب الرواية، وكانت روايتي الأولى في بداية السبعينات «الرجل الذي يأكل نفسه»، صدرت عن دار العودة، التي كانت احدى كبريات دور النشر في بيروت في ذلك الوقت ومنعت أيضا في حينها، لكن أعيد طبعها أكثر من مرة بعد ذلك.
هل جاء الانتقال إلى الرواية بسبب ما يحمله الشعر من مواجهة قد لا تحتمل التأويل؟
ربما يكون ذلك أحد الدوافع، لكن من جهة أخرى كنت بدأت في الجامعة قراءة الأدب العالمي وجذبتني الرواية بعد قراءة دوستويفسكي ومكسيم غوركي وفيكتور هوغو وغيرهم من كبار الكتاب. شخصيا لم يعد يفي الشعر بمتطلباتي أو بالأحرى بنوازعي الأدبية، وربما أيضا لأنني أصبحت عاجزا عن أن اتقدم في هذا الفن. أيضا كانت المصادرة دافعا في ما بعد إلى كتابة كتيب نقدي بعنوان «موت الشعر» طبقته على احدى قصائد أدونيس باعتباره واحداً من كبار الشعراء العرب، قلت فيه أن الشعر كفن، حتى في أعلى مستوياته العربية هو ميت، بمعنى ارتباطه بالسلطة الفكرية السائدة من جهة، وخضوعه لمشاعر الجماهير. الى الآن لا أحد يقول ان الشاعر الفلاني استطاع أن يكسر القيود أو استباح محظورا ما، وان كان كثير من الشعراء حاولوا ذلك وبالطبع على رأسهم أدونيس، الذي بذل جهدا كبيرا في هذا الاتجاه، لكن يبقى التعلق العاطفي بالجمهور عند الشاعر تعلقا أساسيا مما شكل أحد العوائق الإنسانية في تطور النسق الفكري والأخلاقي حتى لا أقول الثوري عند الشاعر.
الى أي مدى منحك وجودك في الخارج فرصة لتأمل الواقع العربي أكثر ككاتب؟
بالتأكيد لو لم أكن خارج العالم العربي طوال هذه الاعوام لما كتبت ما كتبت، لأنني اكتشفت أن علاقة المكان بالكتابة أمر مهم، وأؤكد ان كتابة المكان بعيدا عنه هي أصدق الكتابات، ربما يسمح هذا البعد لك بالتحرر من سلطة المكان، أقصد التاريخ، بمعنى أن التاريخ الثقافي هو المكان الذي نشأ فيه هذا التاريخ، وتحررنا حتى الموقت من هذا المكان يجعلنا نحبه أكثر، وعندما نحبه أكثر نبحث عن المزايا لا العيوب. أكيد هذا البعد عن المكان أعطاني كثيرا من الحرية في إعادة النظر إلى ذلك المكان.
وفي ما يخص الرواية الحداثية كيف كانت الاستفادة؟
يكفي للناقد قراءة رواية يعيش كاتبها في الغرب سنوات طويلة، ورواية كاتبها يعيش في العالم العربي لاكتشاف الفرق الأساسي. صارت هناك سمات محصورة في النص العربي تشير إلى أن هذا الكاتب يعيش في الغرب أو يعيش في العالم العربي ولا أقصد ذلك من حيث القيمة أو الامتياز، ولا التقييم التعسفي، لكن الكاتب العربي الذي يعيش في الغرب لأسباب كثيرة منها ماهو سياسي ومعرفي وأخلاقي، ولأنه بالضرورة صار يملك ثقافتين، ثقافته العربية وثقافة الغرب، كل هذا جعله يكتب بطريقة مغايرة، هذا لو اكتفينا بالحد الابداعي، لكن إضافة إلى ذلك العيش في الغرب يجعلنا بعيدين عن السلطة السياسية المباشرة، وعن قبضة الأخلاق السائدة، محميين بشكل أو بآخر من التعنت والقهر والقمع وسلطة الغاب، والكاتب العربي إذا كان مسكونا بهواجس الحرية والإبداع تراه يكتب نصا مختلفا عما لو كان يكتب وهو في العالم العربي.
يغازل البعض الغرب بالكتابة عن الجسد والأقليات أو الصحراء، هل تعتقد أن مثل هذه القضايا تشغلهم كثيرا؟
لا يهتم الغرب، من خلال معرفتي الطويلة به، بهذه المسائل اطلاقا إلا من حيث ما يمكن تسميته تفتيت بنية الكتابة العربية، ونحن في الغرب نعرف أن الترجمات العربية كلها غير متوافرة بما فيها كتابات نجيب محفوظ حائز نوبل نفسه.
لا يهتم الغرب الا بأمر واحد وهو جعل الحكام العرب ومن بعدهم المثقفين عند أريحته. وللأسف يتهافت كبار كتابنا على الترجمة. هذا لا يعني أننا يجب أن نرفض الترجمة. لا، لكن علينا ألا نركض خلفها وبأي ثمن. هناك كتاب عرب مترجمون قبل أن تصدر أعمالهم باللغة العربية. في الواقع القضية أخطر من مسألة الترجمة لأن الكاتب العربي ولكي نكون منصفين مهضوم الحقوق، ولا أحد يدفع له، وهذا أحد جوانب البحث عن الترجمة، فهو يعرف أن الناشر العربي والمكتبات العربية حتى الاعلام لا يدفعون له، وبالتالي على الأقل قد يحصل بالترجمة على بعض التعويض، وهو أمر مشروع طبعا، لكن المؤسف أن يضطر الكاتب الى الركض وراء الترجمة لأن كثيراً من الترجمات العربية يترجمها عرب يقيمون في الغرب لا يتقنون اللغتين، العربية أو اللغة الأجنبية، ومع ذلك يترجمون؟! وينشرون في دور نشر من الدرجة الثالثة باستثناء القلة التى ترجمت أعمالهم كبرى دور النشر العالمية، وهؤلاء معدودون على أصابع اليد، وغير ذلك من الترجمات لا قيمة لها ولا وجود أصلا.
ألم تشعر بالاغتراب وأنت خارج وطنك؟
أقاوم هذا المفهوم، وأحيانا أضطر الى القول إنني احتقره واستعمل كلمة الاحتقار بشكل استفزازي لمفهوم المنفى، وكثيرا ما حدثت مشادات بيني وبين أصدقائي في باريس حول مفهوم المنفى، لأننى لست منفيا، ودائما أقول إن الوطن هو موطىء القدم وليس مسقط الرأس! بمعنى أن المكان الذي تتحقق فيه كينونتك هو الذي يستحق العيش فيه لا أن يكون وطنا، المشكلة في الاقامة اذن لكائن واع يبحث عن تطور ذاته وأدواته وابداعاته، طبعا هذه ليست دعوة الى الهجرة بل أقصد أن المنفى هو مفهوم متخلف، منفي أي منفي من الجنة، لأن مصلحتي في أن أكون منفيا. طبعا المهم في الموضوع هو انك بعيد عن بلدك أو البؤرة الأساسية التي نشأت فيها، هذا البعد كيف تستخدمه كي تستعيد المكان وتكسر الحاجز الفاصل بينك وبينه كي لا تكون منفيا.
صودر أول دواوين خليل النعيمي «صور من ردود الفعل» في نهاية الستينات، وحوكم بسببه وصودرت أول رواية له في بداية السبعينات «الرجل الذي يأكل نفسه» ووجد نفسه مثل كثر يغادر الوطن الى منفى اختياري في باريس حيث يعيش هناك حتى الآن دون مصادرة.
قدم روايات كثيرة منها: « القطيعة «، «الرجل الذي يأكل نفسه»، «الخلعاء»، «الشيء»، «تفريغ الكائن»، «دمشق 67»، «مديح الهرب» وغيرها .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى