التفاوض السوري الإسرائيلي

استعادة الجولان مطلب وطني… ولكن

null

زهير سالم

سنظل نلح على أننا نعتبر قضايا سورية (الدولة) هماً وطنياً مشتركاً، ينبغي أن ينأى الجميع بها عن التجاذبات البينية التي تترقب وتترصد

لنؤكد أيضاً أن المعركة (السياسية) لاستعادة الجولان السوري المحتل هي معركة كل السوريين، مهما كان موقعهم، وأنها تتطلب موقفاً واعياً ومسؤولاً ينأى بها عن أي شكل من أشكال التوظيف في معركة الصراع البيني الدائر بين (النظام) وقوى (المعارضة).

جميل أن ننهي إلى العالم أجمع رغم ظروف المحنة القاسية التي نعيش، أن السوريين أمام قضاياهم الكبرى القومية والوطنية متحدون متضامنون…وأن استعادة الجولان مطلب وطني إجماعي لا تهاون فيه ولا تنازل عنه. نريد للجولان أن يتحرر في أقرب وقت، وبأيسر السبل، أو أصعبها إذ اقتضى الأمر ذلك.

لن نلجأ في الحديث عما جرى في تركية أو ما سيجري بعدُ هناك بلغة المتربص الذي يبحث عن الثغرة ليقرن موقفاً بموقف أو قولا بفعل، أو ماضياً بحاضر…. بل نردد ونؤكد نريد للجولان أن يتحرر بأيسر السبل أو بأصعبها إذا اقتضى الأمر ذلك. ونعتقد أن الطريق إلى تحرير الجولان أو استعادته محفوف بالمكاره والمزالق.. والمخاوف كذلك مخاوف تنبعث من الحب للأرض والإشفاق على مستقبل الأجيال، ومن الدروس الصعبة التي تابعناها في تاريخ هذا الصراع.

سؤالنا الأول الذي نطرحه في هذا السياق هل هذه هي اللحظة التاريخية (الأفضل) لاستعادة الحق إقليميا ودولياً…؟!

هل حكومة أولمرت مؤهلة إسرائيلياً لإدارة مثل هذا النوع من المفاوضات…هل الذهاب إلى استنبول يهدف حقاً إلى محاولة جادة لاستعادة الجولان؟ أم أنه مضيعة للوقت؟ أو محاولة لإحداث التفاف هنا أو اختراق هناك؟! إننا وكما رفضنا أن يكون السعي لاستعادة الجولان مادة للتجاذبات البينية، نرفض من المنطلق نفسه أن يكون الجولان أو أي ارض سورية ورقة بيد كائن من كان لعقد الصفقات وإمضاء التسويات. نرفض مثلا حتى أن يفكر أحد أن يربط بين طيف المحكمة الدولية وبين تنازل يحدث هنا أو هناك. نرفض أن يوظف مشروع استعادة الجولان في إطار أي مشروع آخر لكسر جدار عزلة صنعتها السياسات.ونظرتنا الإيجابية إلى الدور التركي الوسيط لا تعفينا من التأمل في خلفيات المشهد وتداعياته وارتباطاته بما يجري في فلسطين ولبنان والعراق وإيران

ثم ومن حقنا ثانيا أن نزيد: هل يمكن أن يكون ثمن استعادة السيادة (الظاهرة) على بعض الأرض الوطنية، تنازلاً عن السيادة الحقيقية على كل هذه الأرض؟!

هذا كلام يستوعبه جيداً الذين تابعوا ملفات معاهدة كامب ديفيد وملحقاتها. ويستوعبه الذين تابعوا ملفات الملحقات الإضافية، ومواقع محطات الإنذار المبكر واشتراطات تمركز القوات السورية وعددها وعتادها وربما، وهذا الأخطر يستوعبه الذين يعرفون مغازي ما يجري في ديمونة وما تخفي بين يديها أو خلفها

ويستوعبه الذين يدركون أن أي اتفاق سيعقد بصدد الجولان لن يكون اتفاقا على إعادة أرض مغتصبة بقوة السلاح منذ أربعين عاما… وإنما سيكون اتفاق تسوية، سيطلقون عليه اسم السلام!! فما يدور الآن ليس سعيا إلى اتفاق على ارض تقاس بالأمتار ولا على مياه تكال بالمكيال إنه اتفاق على أمور كثيرة ستطال حاضر سورية ومستقبل أجيالها وقد تمتد إلى هويتها وطبيعة انتمائها!!

ثم ومن حقنا ثالثاً أن نقول.. نحن مع استعادة الجولان.. شريطة ألا ندفع ثمنه، إذا تمت استعادته، من حساب امتنا في فلسطين أو في لبنان أو في العراق أو في أي مكان من فضاء أمتنا الواسع، في أي مكان!! إن المتابع للاشتراطات التي تتردد على ألسنة الإسرائيليين يدرك بوضوح كبير أن المطلوب من سورية تنازلات تتعلق بسيادتها، وبحرية قرارها، وبطبيعة انتمائها، وبأفق علاقاتها

كل أولئك الأمور تدفعنا لنؤكد أخيراً على حقيقتين الأولى إننا مع أي جهد إيجابي وطني يبذل لاستعادة الجولان، ولكننا كأصحاب حق أولي في هذا الوطن، لا ينازعنا فيه أحد، نطالب بالشفافية المطلقة في كشف الحقائق وتوضيح الخفايا والإفصاح الكامل عن أصل أي اتفاقية وتوابعها ولواحقها من غير مواربة ولا تدليس.

نطالب أولاً بحقنا وحق شعبنا أجمع بمعرفة ما يجري بشأن قضية مصيرية كبرى تتعلق بأمننا ومستقبلنا ومستقبل أجيالنا

والحقيقة الثانية.. وهي أنه لا أحد يملك حق التوقيع عن الشعوب، إلا ممثلوها الشرعيون الحقيقيون الذين يصلون إلى مواقعهم عبر انتخاب حر ونزيه..

إن أي اتفاقية يمضيها حزب أو طائفة أو شخص، عدا عن مسئوليتهم التاريخية عنها، تذهب بذهاب الذين وقعوها لتبقى للشعب بمؤسساته الدستورية الشرعية كلمته الباقية إلى يوم الدين.


مدير مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية
أخبار الشرق – 29 أيار/ مايو 2008

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى