صفحات أخرى

نساء بلا هوية!

د. خالد سليمان
على بعض المواقع الإلكترونية العربية، كثيراً ما يستلفت النظر إعلانات عن منضمين جدد لتلك المواقــــع أو دعـــوات للتعرف إلى أصدقاء ينتمون إليها، وبطبيعة الحال، فإن تلك الدعوات والإعلانات تأتي مصحوبة بصور وأسماء يفترض أن تتولى مهمة التعريف بأصحابها.
وبالتدقيق فيها، أي في تلك الصور والأسماء، وبخاصة فيما يتصل بالإناث، يتبين أن معظم الصور المعروضة ليست إلا صوراً منتحلة، تعود لشخصيات ‘فنية’ مشهورة أو مناظر طبيعية أو رموز أو شعارات سياسية أو دينية أو ثقافية، كما يتبين أيضاً أن كثيراً من الأسماء التي اختارتها صاحبات الصور المستعارة هي أسماء مستعارة كذلك؛ ما يعني أننا بصدد نساء يضعن أقنعة لإخفاء شخصياتهن وأسمائهن، أو بعبارة أخرى أشد وقعاً وصدمة وصراحة: إننا أمام نساء بلا هوية!
تنسحب تلك الظاهرة ولا شك على الذكور أيضاً، ولكن بنسب أقل بكثير فيما هو واضح، فالذكور كما يظهر من استعراض ملفاتهم التي يعرضونها بغرض التعريف بأنفسهم على المواقع الإلكترونية يبدون أكثر ميلاً إلى إبراز هوياتهم وإيراد صورهم وأسمائهم الحقيقية مقارنة بالإناث، هؤلاء اللواتي تخشى نسبة كبيرة منهن الظهور في المجال العام الذي تتيحه المواقع الإلكترونية بشخصياتهن الفعلية. فما الذي يمكن أن يعنيه ذلك؟ ولماذا يفضل كثير من النساء العربيات إبقاء هوياتهن مجهولة للآخرين عند إبحارهن في فضاءات التواصل الإلكتروني!؟
بعض الإناث قد يفضلن الإحجام عن إظهار وجوههن لأسباب دينية، وبخاصة إذا كن من المنتقبات، لكن نسبة هؤلاء متواضعة للغاية في مجتمعنا العربي، وظهور صورهن بالنقاب لن تفيد على أية حال شيئاً في التعريف بهوياتهن. وبغض النظر عن الجدالات والسجالات الصاخبة التي تتعلق بموضوع النقاب، التي عادت إلى الاحتدام مؤخراً بعد إقدام شيخ الأزهر على حماقة إجبار إحدى الطالبات على خلع نقابها، إلا أن علينا أن نؤكد بأن القرار في ارتداء النقاب أو عدم ارتدائه ينبغي أن يُترك للفتاة نفسها، فلا يتم إكراهها على لبسه أو وضعه متى ما بلغت الحلم، وبخاصة في ضوء غياب الإثباتات الشرعية القطعية التي تحسم الموقف لصالح التنقب أو ضده.

الحجاب

أما المحجبات، وهن كثيرات، وبصرف النظر عن مدى التزام حجاباتهن بالمعايير الشرعية التي تؤكد وجوب ترفّع الحجاب عن أن يصف أو يشف، فإنهن يبدين وجوههن للغرباء كل الوقت، ومن ثم فإن من غير المنطقي سعيهن إلى إخفائها على الشبكة الإلكترونية لدواعي دينية. لكنني أرجح ذهاب بعض الفتيات، وبينهن المحجبات بالطبع، إلى افتراض وجود فرق جوهري بين كشف الوجه للناس في الشارع العام، كأمر طبيعي غير محرج ولا يمكن تجنبه، وبين إظهاره بصورة مقصودة عبر عرضه على شاشات الكمبيوتر.
وبالرغم من غرابة ذلك الافتراض إلى حد ما، إلا أنني أظن أن هناك أرضية واقعية يمكن أن تدعمه؛ فحسب ما أزعم، هناك من يعتقد في قرارة نفسه بأن مبادرة الفتاة إلى تنزيل صورتها على الشبكة الإلكترونية قد تسهم في النيل من قيمتها والتعريض بسموها الأخلاقي والتشكيك في مدى حرصها على صيانة نفسها، إنطلاقاً مما يمكن فهمه على أنه شكل من أشكال عرض النفس وتبخيسها، وهو ما يمكن أن يفسر تجنب الكثيرات إرفاق صورهن، خشية إساءة الظن بهن وتعرضهن للقيل والقال، وبخاصة إذا كن ينتمين إلى بيئات ‘متزمتة’ كثيراً ما ترى في مجرد التصريح باسم المرأة أمراً محرجاً ينبغي تفاديه؛ إذ تتم الإشارة إليها في العادة بوصفها ‘العيلة’ و’الحرمة’ و’الجماعة’ و’البنت’، و ‘أم العيال’ …الخ، فكيف بانتشار صورتها على الملأ! لا أظننا نملك هنا إلا أن نتفجع بمنتهى الأسى على ما وصلنا إليه من حال، فقد كان رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام نفسه، وهو الذي يُفترض أن يمثّل الأسوة الحسنة لنا، لا يتحرج من مناداة بناته وزوجاته العفيفات أمام الناس، لنأتي نحن بعد قرون طويلة ونخجل لفرط ما وصل إليه مجتمعنا من فساد وانحطاط من مجرد ذكر أسماء قريباتنا، وكأن في ذلك ما يطعن في شرفنا العتيد، الذي اختزلناه ضمن حدود الكيان الأنثوي!
وقد يفضل بعض الإناث عدم إظهار وجوههن لأنهن يعتقدن بأنهن لا يتمتعن بدرجة معتبرة من جمال المظهر، فيرين في الظهور الصريح مخاطرة جريئة غير محمودة العواقب، قد تسلب منهن كثيراً من فرص اجتذاب الأصدقاء، وبخاصة الذكور، في مجتمع سطحي حتى التفاهة، يصر على أن يفرد لمعيار الجمال الشكلي عند النساء قدراً مهماً للغاية من الاعتبار، ويكاد يجعل منه المعيار الأهم الذي يقف خلف سعي الكثيرين للتقرب إلى المرأة أو نأيهم عنها، وكأن المرأة محض جسد فارغ لا يملك إلا جماله المادي المرشح حتماً للأفول ولو بعد حين! وتزداد أهمية ذلك المعيار كثيراً إذا ما تذكرنا أن أغلبية مستخدمي الإنترنت حتى الآن في الوطن العربي هم من فئة الشباب، وقد يمكن الزعم بدرجة عالية من الثقة بأن الشباب عموماً، وبخاصة في أيامنا المبتلاة بهيمنة القيم المادية والاستعراضية والاستهلاكية، يهتمون بالشكل والمظهر أكثر بكثير من اهتمامهم بالمضمون والجوهر.
من زاوية أخرى، قد يأتي إحجام بعض النسوة عن نشر أسمائهن وصورهن على المواقع الإلكترونية لضعف الثقة بالمجتمع وبالآخرين، والواقع أن من الصعب لوم أعضاء تلك الفئة على هشاشة ثقتهن بمجتمعهن، وربما بأنفسهن، فالقصص الفضائحية التي يتم تداولها بكثافة وعلى نطاق واسع حول أساليب التغرير بالفتيات واصطيادهن والإساءة لسمعتهن عن طريق الشبكة الإلكترونية تستدعي من الإناث توخي منتهى الحرص والحذر بشأن إيراد أية معلومات حقيقية عنهن على تلك الشبكة؛ تحسباً من استغلال تلك المعلومات على نحو مسيء. والمجتمع العربي على أية حال ما يزال مجتمعاً شكاّكاً سيىء الظن، وبخاصة تجاه النساء، فقد وضع على كواهلهن وحدهن عبء تمثيل مفهوم الشرف، ومن ثم فإنهن قد يتعرضن ـ دون الرجال الخطاة طبعاً في معظم الأحيان ـ للذبح إذا ما تورطن في الإقدام على سلوك يخدش ذلك المفهوم، أو اشتبه مجرد الاشتباه بتورطهن في ذلك في عديد من الحالات!
ومن بنات حواء من يجدن في التخندق الإلكتروني خلف شخصية مختلقة غبطة عارمة ونعمة غامرة، فذلك يمنحهن الشعور بالخفة والقدرة على التحليق، ويحررهن من ثقل الرزوح تحت وطأة معرفتهن والإشارة إليهن بالبـــنان، كما يعطيهن حيزاً واسعاً من الحرية يفتقدنه في واقعهن المعيش المسور بالحراس والرقباء والمتلصصين، ويجعلهن أقدر على تقمص أدوار قد يفضي تقمصها على أرض الواقع إلى موت شبه محقق! لكن الكارثة أن تلك الأدوار المختلسة كثيراً ما تجد نفسها وقد تلطخت بوحل الرخص والابتذال، لأن المجتمع الذي يلعب في الواقع دور الكاتب والمخرج والمنتج لها قد قادها بنفاقه وإهماله وتواطئه إلى ذلك المصير المؤسف!

استغلال المواقع الالكترونية

بعض النساء لا يمتلكن الجرأة على نشر أسمائهن وصورهن الحقيقية، وينشرن بدلاً منها صوراً وأسماء مثيرة ذات دلالات جنسية واضحة؛ انطلاقاً من انغماسهن في ممارسات ساقطة ومنحرفة، قد تتعلق بالسعي إلى الإيقاع بـ ‘الزبائن’ في حبائلهن عبر طرق مشبوهة ورخيصة، وهذا يستوجب العمل من جانب الهيئات الحكومية المعنية على مراقبة المواقع الإلكترونية المشبوهة؛ سعياً إلى تحجيم إمكانات نجاح بعض العناصر المنحلة في إشاعة الفاحشة وتسهيل وقوعها. ولكن دعونا من السذاجة والإفراط في المثالية، فعن أي هيئات حكومية نتحدث!؟ أليست تلك الهيئات هي نفسها التي تغض الطرف عن آلاف المواخير والحانات والمراقص وعلب الليل المشبوهة التي تشوه طهر مدائننا التعسة، التي نتبجح بأنها تنتمي إلى حياض الإسلام!؟
وفي سياق غير بعيد، فإن بعض البائسات يجدن في التواصل المقنّع عبر المواقع الإلكترونية فرصة ثمينة ومتدنية الكلفة لتفريغ الشحنات الجنسية المقموعة التي لا تسمح لهن أوضاعهن بالتنفيس عنها بصورة مشروعة، وهنا ينبغي أن ننبه إلى وجوب تضافر جهود كل الأطراف المعنية، من الأسر إلى العشائر إلى وسائل الإعلام إلى الهيئات الثقافية والدينية ذات الصلة، من أجل العمل على إيجاد حلول عملية وأخلاقية وشرعية لمواجهة مشكلة انصراف الشباب، ذكورهم وإناثهم، طوعاً أو كرهاً، عن الزواج. وبكل تأكيد، لا نظن أن من الحصافة أو العدل تجاهل احتياجات العزاب من الجنسين وتركهم يكابدون لظى الحرمان العاطفي، بل وتضييق الخناق عليهم بإصدار الفتاوى التي تقضي بتحريم التواصل الإلكتروني فيما بينهم، بذريعة درء المفاسد والحرص على وقايتهم من الوقوع في شـراك الفتنة والغواية، دون أن نوفر لهم الحد الأدنى من البدائل المادية والمعنوية المقنعة والكافية، التي تضمن لهم تحصين أنفسهم وإشباع متطلباتهم الإنسـانية الملحة بما ينسـجم مـع مقتضيـات الشـرع والأخـلاق! فلماذا مثـلاً لا يصدر كبار مشايخنا الكرام الفتاوى التي تحرّم المغالاة في المهور والمتطلبات المادية للزواج، ولماذا لا تبادر عشائرنا المنشغلة بنزاعات جاهلية إلى صياغة مواثيق شرف تصب في الاتجاه نفسه، ما دامت تلك المظاهر تقف دون أدنى شك في مقدمة الأسباب لانحراف ملايين الشباب والشابات وفسادهم؛ نظراً لعجزهم عن ‘إكمال نصف دينهم’ !؟
ولكن دعونا نستدرك فنتوقف قليلاً ونتساءل: ألا يمكن للإنسان، وللمرأة تحديداً، أن تغدو ناشطة وفاعلة في مجال التواصل الإلكتروني، النظيف والنافع، إلا إذا مهدت لذلك بإدراج صورتها واسمها الحقيقيين!؟ بالتأكيد يمكنها ذلك وفق زاوية معينة من النظر، فلطالما عرف العالم على امتداد قرون طويلة كتّاباً مهمّين وكاتبات مهمّات كانوا ينشرون إبداعاتهم بأسماء مستعارة، ودون أن يقيض للكثيرين معرفة هوياتهم الحقيقية، كما أن من حق الإنسان دائماً أن يخفي هويته في بعض الحالات إذا ما ارتأى أن ذلك قد يحميه من خطر ما، فما المشكلة الآن ولماذا التعجب من لجوء النساء اليوم إلى إخفاء هوياتهن وهن يتجولن في مواقع الإنترنت!؟
المشكلة ـ التي قد لا يراها البعض مشكلة، وهذه مشكلة أخرى تتعلق بضحالة مستوى الوعي لدى البعض ـ تكمن في أن اضطرار عدد هائل من الناس، وبخاصة الإناث، إلى طمس معالم هوياتهم الحقيقية رغماً عنهم، لا يمكن إلا أن يؤشر على وجود اختلالات وعلل عميقة في بنية مجتمعنا العربي. فلو كان المجتمع سوياً ومتوازناً لما خاف أو خجل قطاع كبير من مواطنيه من التفاعل مع الآخرين تحت ضوء شمس العلانية، ولما وجدنا من الأصل الكثير من النماذج المقهورة والمقموعة التي تختفي خلف أسماء وملامح زائفة للتمكن من التعبير عن أفكارها وأحاسيسها، هذه التي لا يكاد مجتمعنا يبذل جهداً يذكر كي يحميها من السقوط في براثن الانحراف والزلل!
إن ذلك المظهر الذي يتبدى عبر لجوء ثلة من أبنائه وبناته إلى التقية والتخفي في معرض استخدام واحدة من أهم وسائل التواصل والتعبير الحديثة لَيعني أننا نعيش في مجتمع رجعي متسلط لا يؤمن بمفردات الديمقراطية، ولا يشجع أعضاءه على استيعابها واستدخالها وتطبيقها، بل يضيق بها وبما يمكن أن يتمخض عنها من نقد ومعارضة لمراكز القوى المستبدة فيه. أما المجتمع الديمقراطي بحق، فهو يربي أولاده على احترام بعضهم البعض وتوقير قيمه الدينية والأخلاقية والثقافية، ويضمن لهم حقهم المشروع في التعبير عن أفكارهم بمنتهى الحرية والانفتاح، دون أن يتعرضوا للزجر أو القمع، ما دام ذلك لا يتعارض مع ما هو مقبول قانونياً وأخلاقياً.
وهو يفضح أيضاً، وبوضوح معيب، ظلم المجتمع وذكوريته وعدم مراعاته موازين العدالة بين الذكور والإناث، فهن يمثلن ـ كما سلفت الإشارة ـ أغلبية الذين يضطرون إلى التعمية على شخصياتهم الفعلية؛ خوفاً مما قد يصيبهن من سهام الشك والاتهام والإيذاء إذا ما تجاسرن وكشفن عن وجوههن الحقيقية، في بيئة جاهلية بلا بصر أو بصيرة، قد تفضي كلمة واحدة متجنية فيها إلى وضع حد دموي لحياة امرأة!
مؤلم ومفجع حقاً أن يجبر المجتمع أعضاءه، وبخاصة الإناث منهم، بعقده وتحيزاته ووساوسه ومخاوفه المريضة، إلى التحول إلى كائنات مشوهة وجبانة بلا هوية، تشــــبه خفافيــــش الظلام، وتغدو عاجزة مع الوقت عن العيــــش والتفكير والسلوك إلا بمنطق التلثم والنفاق والزيف، ولا تمـــلك وقد أصبحت تلك الآفات سمات متجذرة في أعماقها إلا توريثها لأبنائها جيلاً بعد جيل! فمتى يشفى مجتمعنا العربي من أمراضه المزمنة، ومتى يغدو مؤهلاً كي يربي ويشجع الجانب الأجمل فيه على الظهور الواثق تحت نور الشمس، بلا تنكر أو أقنعة، بل بهويات محتشمة واضحة لا تتردد في التعبير عن نقاء نفوسها وسمو أفكارها بكل اعتزاز وفخر!؟

‘ باحث اردني
القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى