صفحات ثقافية

احتفالية يوم المسرح العالمي في ‘ريف دمشق’: غياب لجمهور وممثلين وكلمة عالمية لصاحب ‘مسرح المضطهدين’

null
أنور بدر
دمشق: ‘القدس العربي’ تحتفي سورية مع الكثير من شعوب الأرض في السابع والعشرين من شهر آذار (مارس) في كل عام بيوم المسرح العالمي، لكنّ مديرية المسارح والموسيقى في وزارة الثقافة ارتأت نقل هذا الحفل الفني من مسرح الحمراء في دمشق على قصر الثقافة احتفاءً بافتتاح أو تأسيس المسرح القومي في ريف دمشق بهذه المناسبة ومقرّه في مديرية ‘دوما’ كمركز لمحافظة ريف دمشق. وهي بادرة قد تبدو جميلة إلى حدٍ ما، لكنها غيّبت الكثير من الفنانين وحتى الجمهور الذي كان يحرص سابقاً على حضور هذه الفعالية الثقافية، وربما كان الطقس الماطر في هذه الليلة مساعداً أو مُشجعاً على غياب البعض.
قدم الاحتفالية المذيع ‘عمر عيبور’ أحد نجوم الإذاعة السورية، وألقى الدكتور الناقد ‘نبيل الحفار’ كلمة المسرحيين السوريين في هذه المناسبة، ثم تقدّمت ثلة من شباب وشابات الفرقة الوليدة بأداء لوحات راقصة في هذه المناسبة كفاصل فني بين الكلمات التي ألقيت، تبع ذلك ظهور المخرجة رغداء الشعراني التي ألقت كلمة يوم المسرح العالمي، والتي كتبها هذا العام المسرحي البرازيلي ‘أوغستو بوال’. لكنها فاجأتنا بقراءة استظهارية غير مسرحية، كما أنها لم تُعرّف بكاتب الكلمة، إذ يُعتبر هذا الحدث تكريماً كبيراً له، فهو أستاذ جامعي ومسرحي وعالم في مجال الكيمياء، بدا في خمسينيات القرن الماضي أعمالاً تجريبية رائعة في المسرح، قبل أن يطوّر في الستينات تقنية التفاعل ما بين الجمهور والممثلين أثناء العرض. لكنّ أهميته في ربط المسرح بالسياسة وقضايا الناس في بلاده حيث تعرّض إلى الاختطاف والسجن قبل أن يُغادر إلى الأرجنتين حيث أصدر في عام 1973 كتابه الأول ‘مسرح المضطهدين’ ومنه تطوّرت فكرة مهرجان لمسرح المضطهدين في باريس عام 1981. وقد نال من الجوائز العالمية ما قصّرت السيدة الشعراني عن إخبارنا به.
الدكتور عجاج سليم مدير المسارح والموسيقى أكدّ انه حتى عام 2006 لم يكن يوجد في سورية إلا ثلاث فرق للمسرح القومي في حمص واللاذقية وحلب، إضافة للمسرح القومي في دمشق والذي تأسس منذ بداية ستينات القرن الماضي.
ومنذ عام 2009 وحتى الآن أسّست فرق للمسرح القومي في محافظات إدلب، حماة، حمص، والحسكة، التي أضيفت إليها فرقة المسرح القومي في ريف دمشق. كما تمّ تجهيز أبنية ومقرات للمسرح القومي في كل من محافظات إدلب وحماة وحمص. ووعد الدكتور سليم أن تتطوّر هذه الحركة باتجاه محافظات الرقة ودير الزور في بداية العام القادم. مستغرباً أن يتم التغاضي عن محافظة ريف دمشق المعطاءة خلال 46 سنة من نشاطات وزارة الثقافة سابقاً.
الدكتور ‘علي القيّم’ ممثل السيد وزير الثقافة الدكتور ‘رياض نعسان آغا’ استغرب الحديث عن أزمة المسرح، طالما أنّ عرض الزعيم لـ ‘عادل إمام’ الذي أحضر العام المنصرم ضمن فعاليات احتفالية دمشق عاصمة الثقافة، وصل سعر البطاقة إلى عشرة آلاف ليرة سورية، أي أنّ هناك من يدفع هذا المبلغ لحضور عرض تجاري حسب وصف القيم له.
وبعد كلمة محافظ ريف دمشق اللواء ‘زاهد حاج موسى’ جرى تكريم تسع فنانات أمهات بهذه المناسبة التي حاولت مديرية الثقافة أن تربط بينها بالتزامن مع عيد الأم. فكانت الفنانات المكرّمات: أميمة الطاهر، انطوانيت نجيب، فدوى محسن، فيلدا سمور، أمانة والي، وفاء موصللي، أنجي اليوسف، كما تغيبت عن التكريم الســـيدتان نبيلة النابلسي وسوزان نجم الدين، دون أن يدرك مقــدم الحفل غيابهما.
وبعد استراحة قصيرة جداً جرى تقديم عرض مستعاد لمديرية المسارح والموسيقى باسم ‘احتفال عائلي’ من تأليف وإخراج عبد الله الكيلاني، والذي لعب فيه كل من الممثلين: رائعة احمد، مأمون الفرخ، مأمون الرفاعي، أميرة حذيفي، سمر كوكش، نهاد عاصي، محمد خير أبو حسون.
لوحظ في هذا الحفل عدم وجود مخرج للحفل وعدم توزيع بروشور بنشاطات الحفل، مما أوقع عبء التنسيق والإدارة بكاملها على كاهل مديرية المسارح والموسيقى، والتي يبدو أنها قد توزعت نشاطاتها في هذه المناسبة على كل فروع المسرح القومي في المحافظات السورية، فقدم المخرج ‘مانويل جيجي’ بهذه المناسبة عرض ‘دون كيشوت’ على خشبة مسرح الحمراء في دمشق، كما شهدت صالة القباني عرضاً للأطفال بعنوان ‘وطن الطائر’ من إخراج محمود عثمان، كذلك قدّم مسرح العرائس عرض ‘توبة الثعلب’ للمخرج مأمون الفرخ.
أمّا المسرح القومي في طرطوس فقدّم في هذه المناسبة احتفالية خاصة بعنوان ‘تحية على المسرح بكل فنونه’ بينما قدّم قومي اللاذقية مهرجان الكوميديا المسرحي مع فعاليات مرافقة.
رسالة أوغستو بوال في يوم المسرح العالمي.
كلمة د. نبيل الحفار باسم المسرحيين السوريين.
كلمة يوم المسرح العالمي 2009
المجتمات الإنسانية ‘عظيمة’ في حياتها اليومية، وفي لحظات معينة تقدم ‘المشهديات’. فهي مجتمعات ‘رائعة’ كإطار للتنظيم الاجتماعي وتقديم المشهديات كتلك التي سترونها.
إنّ العلاقات الاجتماعية هي محاكاة لما يجري في المسرح، حتى إذا لم يدرك البشر هذه الحقيقة: من حيث استخدام المكان، ولغة الجسد، واختيار العبارات والنغمات الصوتية، كما في طرح الأفكار والانفعالات المتضاربة، بل في كل ما نستعرضه على خشبة المسرح، وما نعيشه في أيامنا. لهذا يمكن القول: إنّ عالمنا هو مسرح!
الأعراس ومناسبات الحداد كلها ‘مشهديات’، لكنها مع ذلك تبقى طقوساً أيضاً، ألفناها جداً في حياتنا حتى أصبحنا لا نميّز حقيقتها هذه.
وما الاستعراضات الفخمة والظروف الطارئة، مثلها مثل قهوة الصباح، وتبادل التحية الصباحية، و الحب الجبان، ونوبات الانفعال القوية، كما هي جلسات السادة، واللقاءات الدبلوماسية. هي جميعا من صروف المسرح واجتماعات الساسة، ما هي سوى عوالم مسرحية.
إنّ إحدى مهمات الفن الرئيسية هي إيقاظ إحساس البشر بالجوانب المسرحية في حياتهم اليومية، التي يلعب فيها الممثلون أيضاً دور المشاهدين لأنفسهم، وهي أداءات يلتقي فيها المسرح والحياة على الأرض. فنحن جميعا فنانون، وحين نقدم عروضاً مسرحية فإننا نشاهد ما هو جلي واضح لنا، لكننا فاقدون للقدرة على رؤيته، لأننا اعتدنا الاكتفاء بالنظر إليه فقط. ولهذا، يصبح المألوف لنا غير مرئي: وتقديم المسرح هو ضرب من إنارة مسرح الحياة..
في أيلول (سبتمبر) الماضي، دهشنا جميعاً بانكشاف السر عن احد هذه المشهديات المسرحية: نحن الذين كنا نعتقد أننا نعيش في عالم آمن، بالرغم من كل الحروب والمجازر وصنوف التعذيب التي تحصل بالتأكيد، لكن في أماكن نائية وبعيدة عنا. ثم صعقنا فجأة، نحن الذين كنا نتوهم أننا نعيش آمنين بما لدينا من أموال إما أودعناها في بنك محترم أو كنا نستثمرها في تجارة مؤمنة في سوق البورصة، صعقنا حين قيل لنا إنّ أموالنا تلك قد تبخرت، إنها كانت مُجرّد قيمة افتراضية، مجرّد ابتكار اخترعه دهاقنة الاقتصاد، وهؤلاء هم أشخاص حقيقيون وليسوا افتراضيين، لكنهم غير جديرين بالثقة والاحترام.
كان هذا مسرحاً رديئاً، ومخططاً أسود عاد على البعض بالملايين وعلى الكثيرين بالخسران والحسرة. وإزاء ذلك، تنادى بعض الساسة من الدول الغنية لعقد اجتماعات سرية وخرجوا بحلول سحرية، وبقينا نحن ضحايا تلك القرارات، نراقب المشهد بحسرة من الشرفات الخلفية.
قبل عشرين سنة، أخرجت مسرحية راسين ”فيدرا” في ريو دي جانيرو. كانت موجودات مسرحنا فقيرة جدا، بعض جلود البقر فرشناها على الأرض، ومن حولها أثاث بسيط من الخيزران. وقد اعتدت قبل كل عرض أن أوصي قائلاً: ‘إن الخرافة التي دأبنا يوماً بعد يوم على اختراعها قد انتهت، لن يكون من حق أحدكم أن يستريح. إنّ المسرح هو تلك الحقيقة المخبوءة’.
وعندما نتطلع إلى المظاهر، بإمكاننا أن نشاهد المضطهدين وقامعيهم في كل مجتمعات الأرض، ومن كل الاثنــيات والأقليات والطبقات الاجتماعية، عالماً مليئاً بالظلم والوحشية. ولهذا ينبغي أن نخلق عالماً آخر بديلاً منه؛ لأننا ندرك أننا قادرون على ذلك. ولكن في وسعنا أن نختار بناء هذا العالم بأيدينا ومن خلال عملنا على المسرح وفي دوائر حياتنا الشخصية.
فلنشارك في خلق هذا المشهد الرائع الذي سوف يبدأ، وحالما تعودون إلى منازلكم، اعملوا مع أصدقائكم لإنتاج عروضكم الخاصة، ثم انظروا إلى ما لم تستطيعوا أن تروه: إلى ما هو حقيقة واضحة وضوح الشمس، إنّ المسرح ليس مجرد حدث عابر،إنه أسلوب حياة .
نحن جميعا ممثلون: وإنّ معنى المواطنة ليس أن نعيش في مجتمع بعينه، بل ان نعمل لتغيير هذا المجتمع!
أوغستو بول
كلمة المسرحيين السوريين
بمناسبة يوم المسرح العالمي
منذ ثلاثة عقود تقريباً بتنا نسمع من كثير من المشتغلين في الفن المسرحي والنقد المسرحي في البلدان العربية أنّ المسرح صار من مخلفات الماضي، مؤكدين ذلك بثقة مطلقة تثير الشعور بالأسف، هناك بعض المؤشرات التي تجعلهم يبدون على حق، مثل ضعف الإنتاج المسرحي وتخلف آليات عمله مقابل صناعة السينما والتلفزيون، ومن جانب آخر يُشير هؤلاء إلى تراجع الجمهور عن المسرح وإقباله على السينما والتلفزيون والمباريات الرياضية.
فالأفلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية تحرّض خياله وتحرّك كوامن نفسه وتزعم أنها تلامس قضاياه المعيشية والفكرية، والمباريات الرياضية حتى على شاشة التلفزيون تقدم له مشهد صراع جلي وتشده إلى متابعة الطاقات البشرية وهي في أقصى حالات توترها، في حين أنّ المسرح، بإمكانياته المحدودة، لم يعد يستهويه على ما يبدو، فلا يُثير خياله ولا يُحرّك عقله، وبالتالي لا بُد للمسرح من أن يبدي مقاومة صلبة في مواجهة المنافسة الشديدة، ولا يجوز أن يغيب عنه ذلك على الإطلاق، وعليه أن يعي أنّ مكانته التي لم تتجذر أصلاً في التربة الاجتماعية العربية قد باتت معرضة للاهتزاز أكثر من السابق.
ولكن في هذه الظروف، إذا اثبت المسرح أنه قادر على المقاومة، فهذا دليل على قابليته للاستمرار، وثمّة طريقتان، على ما يبدو، للوقوف في وجه المنافسة:
إمّا أنّ تقلد منافسك، وإمّا أن تفعل عكس ما يفعله تماماً، ومع ذلك هناك إمكانية ثالثة وهي أن تفعل هذا وذاك معاً، وهذا في رأيي هو الموقف الذي يجب أن يتخذه مسرحنا العربي، عليه أن يكون حدثاً يُحقق جاذبية المشهدية المسرحية وأن يُثير بموضوعاته في الوقت نفسه نفس المشاهد وعقله.
والعرض المسرحي بما أنه أولاً وأخيراً فعل محبة يتولد من حميمية العمل الجماعي بهدف تحقيق اثر جمالي فكري أجده قادراً، إن أراد مبدعوه، على استلهام مُنجزات العصر التقانية والفكرية والفنية وصهرها في بوتقة المسرح.
وقد أثبتت بعض العروض مؤخراً أنّ بذور ذلك متوفرة بين بعض فنانينا في جميع مكونات العرض المسرحي.
آمل من فنانينا أنّ يبدوا هذه القدرة على المقاومة، كي يتعافى مسرحنا وينهض مواكباً تطور العصر ومتطلباته.
د. نبيل الحفار
القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى