صفحات سورية

الشراكة الأميركية – الإيرانية في النظام الإقليمي الجديد

null


نيويورك – راغدة درغام

ما يمكن استنتاجه من مواقف الجمهورية الإسلامية في إيران حيال الاتفاقية الأمنية بين الولايات المتحدة والعراق أن طهران باشرت في استخدام العراق كورقة مقايضة في المناورات الاستراتيجية لصوغ نظام أمني اقليمي يضعها في مقعد القيادة الاقليمية، بإقرار من وبشراكة مع الولايات المتحدة.

الأمر عائد الآن إلى كل من الرئيس الحالي جورج دبليو بوش والمرشح الجمهوري للرئاسة جون ماكين والمرشح الديموقراطي باراك أوباما، ليقرروا ما إذا كانت مصلحة الولايات المتحدة البعيدة المدى في منطقة الشرق الأوسط تتطلب تلبية الدعوة الإيرانية إلى النظام الأمني الذي تريده طهران، أو إذا كانت هذه المصلحة تتطلب نظاماً اقليمياً، أمنياً وسياسياً واقتصادياً، مبنياً على شراكات متداخلة ومتوازية، تضم إيران إنما لا تضعها وحدها في مقعد القيادة. وهذا يتطلب ابلاغ طهران بحزم تام وبالأفعال، أن النظام الاقليمي الذي تريده وتخطط له لن يكون معقولاً. فقد حان الوقت للمرشحيْن للرئاسة الأميركية أن يصوغا أكثر من بيانات استهلاكية حول من أخطأ ومن أصاب في مواقفه من حرب العراق عند بدايتها أو في منتصفها.

باراك أوباما بدأ يتملص من القفص الذي نصبه حول نفسه بتصريحاته عن كيفية اخراج القوات الأميركية من العراق والتي اتسمت بكثير من الغوغائية والتبسيط. وجون ماكين بدأ يستدرك آثار هفواته وأقواله حول البقاء في العراق لمئة سنة والتي أخافت الناس، لا سيما عند ربطها بنزعة فقدان الأعصاب التي يعاني منها بالذات عند المّس بمواضيع الأمن القومي. ولكن، إذا كان باراك أوباما متمسكاً بالخروج من العراق ضمن برنامج زمني ضيق، لأنه استنتج أن البقاء سيكلف أكثر وأكثر، وأن الهروب أرخص في هذا المنعطف، عليه أن يتقدم بـ «استراتيجية للخروج» متكاملة تتضمن شرح الدور الأميركي الاقليمي والعالمي بعد الانسحاب، وتتضمن أيضاً تصوره لدور إيران في النظام الاقليمي في المنطقة بعد الانسحاب الأميركي. وإذا كان جون ماكين عازماً على البقاء في العراق حتى «النصر» مهما كلف ذلك على أساس أن التقهقر في وسط المعركة يضرب الصدقية الأميركية ويقدم النصر للتطرف كمنظمات وكدول، من واجبه أن يتقدم بـ «استراتيجية البقاء» بشرح فوائدها وادوار الأطراف الاقليمية الفاعلة، بما في ذلك دور إيران.

إذا كان لدى إيران وسورية رغبة واندفاع وولع ومساهمات في ايصال باراك أوباما إلى منصب الرئاسة الأميركية، فإن في العراق الكثير من القلق والخوف من وصوله إلى السلطة. والسبب ليس عدم محبة الشاب ذي الشعبية العالمية الذي كسر المحرمات وأصبح ظاهرة فيها الكثير من الايحاء والقيادة. السبب أن أوباما يبدو غير واعٍ لتعقيدات الوضع العراقي بما في ذلك حيرة الحكومة العراقية وورطتها وهي تقع بين ولائها الضروري للقوات الأميركية التي أتت بها إلى السلطة ولا تزال تتكل عليها، وبين ولائها الضروري والطبيعي لطهران، علماً أن لإيران نفوذاً ضخماً في حاضر العراق وعلى كثير من حكام بغداد دين لها تتوقع طهران أن يسددوه مستقبلاً.

مهمة باراك أوباما وجون ماكين، ومعهما أيضاً جورج دبليو بوش، هي التفكير ملياً في هذه الحيرة – الورطة ليس بمهاترات لغوية ومزايدات ملطخة بسبب السياسات المتقطعة باللاثقة، والانصباب الأميركي على المصالح الضيقة على حساب الآخرين. المطلوب من صنّاع الاستراتيجية الأميركية البعيدة المدى أن يدققوا في معنى الشراكة الأميركية – الإيرانية في نظام اقليمي أمني جديد تريده طهران ينقل العلاقة من العداء إلى الشراكة، كما سبق وحدث بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، إنما باختلاف جذري هو: بقاء النظام الإيراني وتمكينه من النفوذ الاقليمي بعكس ما حدث من انحسار ثم انهيار للاتحاد السوفياتي.

فإذا كان مثل هذه الشراكة في النظام الأمني هو الخيار الأميركي، على صنّاع القرار أن يفكروا في كيفية صوغ العلاقة الأميركية – العربية في ضوء هذه الشراكة، وفي معنى تصدير ايديولوجية الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى بقية دول المنطقة وما بعد. وبعد كل ذلك، ربما من المفيد أن تتوضح هذه الآفاق عند القيادة العراقية كي تبتسم بارتياح وتمحو آثار الحيرة والارتباك عن ملامحها وهي توفّق و/أو تختار بين حليفين عدوين يختلفان عقائدياً وسياسياً واستراتيجياً كل الاختلاف. إنما قبل كل هذا، ربما يستطلع أحد ما معنى تنصيب القادة الايرانيين لزعامات في المنطقة بأدوات نفوذ ايرانية، على نسق «حزب الله» في لبنان أو مختلف الميليشيات في العراق، لا سيما عندما يأتي ذلك بصيغة الإقرار بالضعف في أعقاب عجرفة القوة.

الحل ليس في المواجهة بين الغطرسة الأميركية الفاضحة والغطرسة الإيرانية الهادئة التي تكشفها أنماط التهكم والتعالي المحنكة، إنما الحل ليس – كذلك – في التهرب من التدقيق في الاستحقاقات والافرازات لمواقف كل من باراك أوباما وجون ماكين من العراق وإيران.

الاتفاقية الأمنية التي استفاق عليها أعضاء في الكونغرس والإعلام هذا الأسبوع تشكل نقطة انطلاق مهمة للتدقيق، ليس فقط بسبب أهميتها بحد ذاتها، وإنما أيضاً بسبب المواقف الإيرانية الرافضة لها علناً، والساعية إلى التأثير فيها واستخدامها كورقة سراً.

إدارة جورج دبليو بوش حاولت الحصول على اتفاقية تدجّن العراق أميركياً في أعقاب اخراجه من التدجين الدولي، وسعت وراء هيمنة فاضحة على العراق بقواعد دائمة ومتحركة، وبحصانات من ملاحقات قضائية، وبهيمنة على الموارد النفطية وبسيطرة تُفقد العراق حس ومعنى السيادة التي يريد استعادتها بعد خروجه من تحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ثم استدركت بعد الضغوط، فقدمت مسودة أفضل.

بالأساس، كان الهدف من الحديث العراقي – الأميركي التوصل إلى «شراكة أمنية» ثنائية تطمئن الداخل العراقي وتبعث رسالة إلى دول الجوار، بالذات سورية وإيران. هذه الشراكة الأمنية سعت وراء تنظيم العلاقة الأميركية – العراقية على اساس حاجات العلاقة الثنائية بدلاً من ترك تنظيم علاقة العراق مع الدول المشاركة في القوة المتعددة الجنسية في أيدي مجلس الأمن الدولي ليقرر صلاحية هذه القوة ومدة ولايتها. أي أن الهدف الاساسي كان رفع العراق من تحت البند السابع وصوغ اتفاقية أمنية طويلة الأمد ترفع ضغوط الجدول الزمني للانسحاب الأميركي حتى وإن كان بصورة تدريجية. فالفكرة الاساسية كانت تنطوي على شراكة أمنية تنظم العلاقة بإعادة انتشار الوجود العسكري الأميركي، سواء في معسكرات أو قواعد في كامل انحاء العراق، بانسحابات من المدن العراقية، يرافقها بناء المؤسسة العسكرية العراقية، الجوية والبرية، على السواء.

الأخطاء الأميركية – مجدداً – حرّكت الشكوك والاعتراضات، وشكلت ذخيرة ضد المعاهدة، وأدت إلى احتمال تأجيل توقيعها في الشهر المقبل وإلى إمكان عودة الحكومة العراقية عن إعلانها أنها لن تكون في حاجة إلى تمديد ولاية القوة المتعددة الجنسية في مجلس الأمن عندما تنتهي ولايتها نهاية هذه السنة.

إنما ليس في الأخطاء الأميركية ما يبرر ردود الفعل الإيرانية، وعلى أعلى المستويات، وكأن العراق سلعة في أيدي القيادة الإيرانية. من حق إيران أن تتعرف على نوعية علاقة جارها العراق مع الولايات المتحدة، إنما لا يحق لإيران أن تقزّم السيادة العراقية وتعطي نفسها صلاحية الاملاء، لكنها فعلت وتفعل. وهذا ما يجب على صنّاع القرارات والسياسات الأميركية أن يدرسوه ليفهموا حدود و «صلاحيات» النفوذ الإيراني في العراق وليتعرفوا إلى ما في ذهن حكام إيران لجهة صوغ العلاقة الثنائية الأميركية – العراقية.

الحكومة العراقية تحاول أن تكون عرّاب الشراكة الأميركية – الإيرانية وترغب في أن تتوصل واشنطن وطهران إلى تفاهم على نظام أمني اقليمي يعفيها من مهمة الاختيار بينهما. نائب رئيس الوزراء العراقي برهم صالح يرى أن استعادة العراق السيادة الكاملة واخراجه من البند السابع الذي يصنفه بأنه يشكل تهديداً للأمن والسلم الدوليين، يخولانه أن يصبح «جزءاً من نظام دولي واقليمي آمن للكل». إنما القيادة في طهران تغرد في غير سرب نظام اقليمي تكون مجرد طرف فيه. إنها تريد القيادة الاقليمية في النظام الأمني الجديد بصلاحية كاملة لـ «فيلق القدس» التابع لـ «الحرس الثوري» ويقدم قائده التقارير المباشرة إلى مرشد الجمهورية الإسلامية علي خامنئي. وهو «فيلق القدس» نفسه الذي يحكم في العراق عبر الميليشيات هناك، ويحاول التحكم في لبنان عبر «حزب الله».

عندما تمكن رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي من تحدي ميليشيا مقتدى الصدر في البصرة، فعل ذلك بتمكين طهران له. فلو لم توافق ضمناً لما استطاع – ولربما لما حاول – نوري المالكي المواجهة الحازمة مع أمثال «جيش المهدي» وقائده (الذي يقود حالياً حملة ضد الاتفاقية الأمنية).

السؤال هو: لماذا قررت إيران ذلك وماذا تريد؟ يكاد يكون مؤكداً أن عهد الميليشيات الذي هو أساس في الاستراتيجية الإيرانية لم يولّ ولن، أقله في السنوات القليلة المقبلة. فكما استثمرت الولايات المتحدة بكلفة عالية في حرب العراق، استثمرت إيران بأموال ضخمة لتنظيم وتجهيز وتمويل وتقديم السلاح للميليشيات في العراق وفي لبنان.

إذن، ماذا وراء تكتيك مساعدة المالكي على دحر «جيش المهدي» الحليف لطهران؟ يوجد بالتأكيد هدف غايته «الاستثمار» في الانتخابات الرئاسية الأميركية، رهاناً على باراك أوباما لاستدراجه إلى «اللطف» الذي في وسع الإيرانيين أن يمارسوه، أو انذاراً إلى ماكين لإفهامه أن وسائل النفوذ الإيراني داخل العراق ضخمة وقابلة للاستخدام ايجاباً أو سلباً. إنما هناك ايضاً بعد استراتيجي له علاقة بما في ذهن القيادة الايرانية نحو جنوب العراق على المدى البعيد صلحاً كان أو حرباً.

القيادة الإيرانية لا تحتج فحسب على نواح تعتبرها استخداماً للعراق كقاعدة انطلاق لأعمال أميركية عسكرية ضدها في المعاهدة الأمنية. إنها تحتج على «ثنائية» المعاهدة الأمنية كمبدأ. فهي ترى أنه ليس من حق العراق أن يبرم معاهدة ثنائية مع الولايات المتحدة، لأن الحكم في العراق، من وجهة نظر طهران، تابع لها. إنها تريد تقاسم العراق بينها وبين الولايات المتحدة، بالحسنى أو بالتهديد، حسبما تقتضيه الحاجة. فالعراق ورقة في الجيب الايراني، حسب تفكير طهران، وهي لن تفرط به في مساوماتها مع الولايات المتحدة والتي تفضل أن تجريها مع باراك أوباما وليس مع جون ماكين.

العبء الآن هو على المرشحين للرئاسة الاميركية ليصوغ كل منهما استراتيجية ورسالة إلى طهران. فإذا كان في ذهن أحدهما، أو كليهما، تلك الصفقة الكبرى، من المفيد أن يأخذا في الحساب أن الاستراتيجية الإيرانية مبنية على شراء الوقت ريثما يتم إعداد فرض أمر واقع، نووي أو ميليشياواتي، في العراق أو لبنان.

المعركة الحقيقية بين معسكري ماكين وأوباما هي في اعتقاد ماكين أن الانتصار في حرب العراق مسألة رئيسية للمصلحة والعظمة والكبرياء والهيبة والصدقية الأميركية، وفي اعتقاد أوباما أن هذه الأمور تُكتسب عبر الاعتراف بخطأ حرب العراق والتراجع الآن.

إنه لفارق ضخم بين استراتيجية البقاء واستراتيجية الجلاء. الضائع بين الاستراتيجيتين هو الدراسة المعمقة في معنى كليهما في النظام الأمني الاقليمي الجديد في أعقاب هدية حرب العراق لإسرائيل وإيران.

الحياة – 13/06/08


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى