صفحات مختارة

التحدي الأكبر: البقاء على قيد الحياة.

null
نعوم تشومسكي
إن التحدّي الأكبر الذي يواجه شعوب العالم اليوم هو البقاء على قيد الحياة، بكل ما لهذه الكلمة من معنى. أتت هذه الجملة على لسان الجنرال “لي بوتلر”، القائد السابق للقيادة الاستراتيجيّة للولايات المتحدة في العقد الماضي. كان “بوتلر” خلال مسيرته العسكريّة الطويلة “من بين الأشخاص الأكثر تمسّكاً بإيمانهم بالأسلحة النووية”، كما كتبه. غير أنه بات من الصعب جداً عليه الإقرار بكل ما يملكه من قناعة بأن هذه الأسلحة أضرّت برأيه بالولايات المتحدة إلى أقصى الحدود.
أثار “بوتلر” سؤالاً هاجسياً ألا وهو:”بأي سلطة تستعين الأجيال المتعاقبة من قادة الدول التي تمتلك الأسلحة النووية للتفرّد بإملاء إمكانيّة استمرار الحياة على الأرض؟ أما السؤال الأكثر إلحاحاً، فهو لماذا تستمرّ هذه الجرأة المُدهشة في وقت يتوجّب علينا فيه الوقوف مرتجفين أمام جنوننا ومتّحدين أمام التزامنا بإلغاء المظاهر المميتة لهذا الجنون؟”.
ومن الذل والعار علينا أننا أخفقنا في الردّ على هذا السؤال، بل أخذناه إلى مستوى حيث باتت الإجابة عليه أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
على الأرجح أن ما قاله “بوتلر” أتى كردّ فعل على أكثر الوثائق التخطيطيّة إدهاشاً على الإطلاق، ألا وهو تقرير القيادة الاستراتيجيّة للعام 1995 المعنون “أهميّة الردع في فترة ما بعد الحرب الباردة”.
أوصى التقرير بالإبقاء على الموارد العسكريّة الموجّهة ضدّ الاتحاد السوفييتي، لكن مع ضرورة توسيع نطاق المهمّة العسكريّة. كما نصح بتوجيه هذه الأسلحة ضدّ “الدول الشريرة” في العالم الثالث، تماشياً مع وجهة نظر البنتاجون القائلة إن “البيئة الدوليّة تحوّلت اليوم من “بيئة غنية بالأسلحة” (أي الاتحاد السوفييتي) إلى “بيئة غنية بالأهداف” (أي العالم الثالث)”. ولحظت القيادة الاستراتيجيّة أن “الأسلحة النووية تلقي دائماً بظلالها على أي أزمة أو نزاع”، على الرغم من عدم استخدامها، وهو ما يمكّننا من تحقيق غاياتنا باللجوء إلى الترهيب.
ويبدو أن الأسلحة النووية “محتّمة لتكون محور برنامج الردع الاستراتيجي للولايات المتحدة في المستقبل القريب”. فعلينا التخلّي عن “سياسة الامتناع عن استخدام الأسلحة النووية”، والتوضيح لخصومنا أن “ردّنا” قد يأتي “من باب الردّ على الفعل أو من باب الوقاية”.
كذلك،”إنه من المؤلم أن نصور أنفسنا كدولة تفرط في عقلانيتها أو هدوء مزاجها”. أما “صورة القوميين التي نريدها لأنفسنا”، فيجب أن توضّح للآخرين “أن الولايات المتحدة قد تخرج عن عقلانيتها وتتبنى أسلوباً ثأريّاً في حال تعرّضت مصالحها الحيّة للهجوم”وأن “بعض العناصر قد تبدو وكأنها “خارجة عن نطاق السيطرة”.
قبل أربعين سنة، حذّر “برتراند راسل” و”ألبرت آينشتاين” من أننا نواجه خياراً “صارماً ومميتاً لا مفرّ منه” يتمثّل في السؤال التالي: هل يجب علينا القضاء على البشريّة أم على البشريّة التخلي عن الحروب؟” ولم يكن أي منهما في صدد المبالغة.
إن الكارثة البيئيّة التي ستهدد فعلياً بقائنا على قيد الحياة في المستقبل غير البعيد لا تقلّ عن الأسلحة النووية خطورةً. ولا شكّ أن أي مقاربة جديّة في هذا الإطار تتطلب تغييرات اجتماعيّة-اقتصاديّة ملموسة، إلى جانب تكريس مصادرنا للابتكارات التكنولوجيّة، لاسيما تعزيز الطاقة الشمسيّة.
ومن المخاطر المرتبطة بهذا الواقع البيئي، الإمكانيّة المحدودة للولوج إلى الموارد الأساسيّة لحياة الإنسان كالمياه والقدر الكافي من الطعام. وتشمل الحلول القصيرة الأمد لهذه المشكلة على سبيل المثال تحلية المياه، وهو مجال سجّلت فيه المملكة العربية السعودية تقدماً على صعيد وسع نطاق هذه النشاطات، وحققت فيه إسرائيل تقدماً على الصعيد التكنولوجي. وتُعد عمليّات تحلية المياه واحداً من الأسس الكثيرة الكفيلة بتحقيق تعاون مثمر بين الدول، ذلك في حال سمحت الولايات المتحدة وإسرائيل بالتوصل إلى تسوية للنزاع الفلسطيني- الإسرائيلي بموجب التوافق الدولي المبني على حلّ الدولتين الذي يهمّشه الطرفان منذ 30 سنة، باستثناء بعض المساومات النادرة والوجيزة، مع الإشارة إلى أن هذا النزاع يمثّل هو أيضاً تحدّياً مهماً ذا انعكاسات واسعة النطاق.
هناك العديد من التساؤلات حول كيفية معالجة هذه المسائل. لكن من المؤكّد أنه كلما تأخرنا في معالجتها، كلما ازداد الثمن التي ستضطر الأجيال المقبلة إلى دفعه. لكن على الأقل، إن كيفيّة التصدّي لخطر الأسلحة النووية واضحة كلّ الوضوح، إذ أقرّت محكمة العدل الدولية قبل عقد بأن إزالة الأسلحة النووية بشكل تام واجب قانوني يلزم جميع الدول التي تملك الأسلحة النووية.
وعلى صعيد أشمل، توجد خطط ملموسة لتوكيل عملية إنتاج المواد القابلة للانشطار المُستخدمة في الأسلحة لوكالة دوليّة، كما أُعطيت الدول إمكانيّة تقديم طلب لاستخدام هذه المواد لأغراض غير عسكريّة. وسبق للجنة نزع السلاح والأمن الدولي التابعة للأمم المتحدة أن صوّتت في شهر نوفمبر 2004 لمعاهدة قابلة للتحقق تضمّنت هذه البنود بالذات. وحصدت هذه المعاهدة 147 صوتاً مقابل صوت واحد (الولايات المتحدة)، في حين امتنعت دولتان عن التصويت (إسرائيل وبريطانيا).
من الممكن اليوم اتّخاذ خطوة مؤقتة مهمة في هذا الصدد، ألا وهي إنشاء مناطق خالية من الأسلحة النووية. وقد أُنشئ عدد من هذه المناطق حتى تاريخه، لاسيما في أفريقيا والمحيط الهادئ الجنوبي وجنوب شرق آسيا. لكن كما تجري العادة، فإن أهميّة هذه المناطق مرتبطة باستعداد القوى العظمى على احترام القانون.
ما من منطقة في العالم يمكن أن يتخّذ فيها إنشاء المناطق الخالية من الأسلحة النووية أهميّته كالشرق الأوسط. وفي شهر أبريل سنة 1991، أكّد مجلس الأمن على “هدف إنشاء منطقة في الشرق الأوسط خالية من أسلحة التدمير الشامل وجميع قذائف إيصالها، وهدف فرض حظر عالمي على الأسلحة الكيميائيّة” (القرار 687، المادة 14).
يمثّل هذا التعهّد أهميّةً خاصة بالنسبة إلى الولايات المتّحدة وبريطانيا كونهما استندتا إلى هذا القرار بالذات بحثاً عن تبرير قانوني ولو ضئيل للاجتياح الذي شنتاه على العراق.
أقرّت إيران بهدف إنشاء المناطق الخالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط، كما حصل هذا الهدف على دعم أغلبية كبيرة من الأميركيين والإيرانيين. إلا أن الحكومة الأميركيّة والحزبين “الجمهوري” و”الديمقراطي” صرفوا النظر عنه، وبات من شبه المستحيل الإتيان على ذكره في الأحاديث السياسيّة.
كذلك، وافقت أغلبية كبيرة من الأميركيين والإيرانيين، إلى جانب الدول النامية (مجموعة الـ77 التي تضمّ اليوم 130 دولة) على أن إيران تتمتّع بـ”الحقوق غير القابلة للتصرف، التي تتمتّع بها أي دولة موقّعة على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية لتطوير الأبحاث حول الطاقة النووية وإنتاجها واستخدامها لأغراض سلمية من دون تمييز”، وهي حقوق قد تُمنح لإسرائيل وباكستان والهند في حال وافقت على التوقيع على المعاهدة.
قدّم “زيف ماوز”، أحد أبرز المحللين الاستراتيجيين في إسرائيل تبريرات متينة تؤكّد أن البرنامج النووي الإسرائيلي يضرّ بأمن الدولة اليهوديّة وحضّ إسرائيل على “إعادة النظر جدياً في سياستها النووية والبحث في كيفيّة استخدام نفوذها النووي للتوصل إلى اتفاقية إقليميّة لإنشاء منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط”.
لكن نظراً للقوّة الهائلة التي تتمتّع بها واشنطن، فإن موقف الولايات المتحدة حاسم في هذا الإطار. وأشاد الغرب بالتغيّر الجليّ في سياسة إدارة بوش التي فضّلت مؤخراً الدبلوماسيّة على اللجوء للقوة العسكريّة. غير أن الإدارة الأميركيّة لا يمكنها فرض سياستها على دول العالم كافة.
نعوم شومسكي
أستاذ في الفلسفة واللغويات بمعهد ماساشوسيتس للتكنولوجيا-ماساشوستس.
جريدة الاتحاد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى