صفحات سورية

إعلان دمشق- عجزان بنيويان أم قراءة خبيثة

null

خلف الزرزور

أعود كما وعدت لمناقشة جزء من البيان الذي أصدره ثلاثة من نشطاء حقوق الإنسان “في الخارج” تحت عنوان – الوطن في المواطن،والمواطن في الوطن- بتوقيع منـّاع -غزالي- حبو- يعلنون فيه تجميد عضويتهم في إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي .
ليس لثنيهم عن قرارهم “فهذا شأنهم” وإنما لمناقشة ما ساقوه من أسباب وذرائع وما أطلقوه من تهم ملفقة باطلة وافتراءات لا أساس لها فيما صدرعن المجلس من وثائق ونتائج (لكن في نفوسهم) مما أوقعهم في مغالطات نظرية وفكرية وسياسية لا تليق بتاريخ وألقاب مدعيّها، أقل ما يقال فيها أنها مسبقة الصنع ومتعجلة تفصح دون مواربة عن نيّات عدائية يراد منها تمهيد الطريق أمام المترددين – إن وجدوا– .

أحزن الشعب السوري وقوى المعارضة الوطنية كافة – بما فيها من هو خارج الإعلان حتى الآن – وأحزن أعضاء المجلس الوطني جميعاً ، الموقف المفاجئ وغير المبرر-حقيقة- لحزب الإتحاد الاشتراكي الديمقراطي العربي وحزب العمل الشيوعي بتجميد عضويتهما في المجلس الوطني للأسباب “السطحية المعلنة” والتي تعبر عن روح لا ديمقراطية وعقلية – دوغماتية متشنجة- وعن تمترس لا معنى له عند تابوهات مغلقة تشي بمعارضة صريحة لمبادئ العمل السياسي الديمقراطي المنطوي على القبول بقواعد اللعبة الديمقراطية ونتائجها بل تتعارض مع أصول العمل الائتلافي والجبهوي والروح الرياضية .

فبعد مساهمة الحزبين الفعّالة طوال سنتين في الإعداد والتحضير المسبق للمجلس ومناقشة مشاريعه كافة والإجماع عليها قبل 1/12/2007 وما أبدياه من محاولات أثناء الجلسة الموسعة للمجلس لفرض تعديلات ومواقف نجحا في الكثير منها خاصة ما يتعلق بهيكلة الإعلان وآليات عمل الهيئات واللجان المنبثقة تمّ على أثرها إقرار البيان الختامي تصويتاً وبالإجماع مرورا بانتخاب هيئة المكتب ورئاسته وصولاً لانتخاب الأمانة العامة حيث شهدت أحداث دراماتيكية مفتعلة (من بعضهم) أفسدت حظوظ مرشحيهم لكنها حققت صيغة جديدة لعمل مكتب الأمانة وتمً انتخاب الأمانة بشفافية عالية واختتم المجلس أعماله بنجاح تام .

النجاح أغضب السلطة الأمنية التي راهنت على اختلافات أيدلوجية وفكرية وسياسة، تاريخية وظرفية ستؤدي حسب توقعاتها إلى فشل محقق يشظي المعارضة ويوهنها… لكن النتائج خيّبت آمالها وأفقدتها صوابها وجعلتها تعود لمنطقها الذي لم تتخل عنه أبداً.آلا وهو القمع الصريح والعاري. فاستدعت من استدعت وأبقت من اعتقدت أنهم قادة المجلس ورموزه البارزة وأضافت فيما بعد الكثير من الرموز النضالية العريقة في الإعلان .

إن تجميد العضوية- والذي جاء بعد حملة السلطة للأسف – في المجلس الوطني للإعلان خسارة للوطن ولو جاء على المستوى الفردي فكيف بحزبين عريقين من أصل ستة عشر حزباً في الإعلان .

لكن… المجلس الوطني لم يكن حدثاً عاديا ولا انجازاً بسيطاً أو عملاً سهلا ً بل ثمرة تضافر جهود مكثفة وجبارة على مستوى الإعلان، ساهم فيها ليس الأحزاب وحدها وإنما العديد من المنضمات والهيئات المدنية والحقوقية والرموز الوطنية المستقلة الكثيرة، بجدية عالية وشراكة وطنية حقيقية منذ إعلان الإعلان حتى تحقق هذا الإنجاز التاريخي الذي لم تشهده سوريا منذ أكثر من نصف قرن .. ولأنه جسدّ آمال الشعب السوري العظيم ممثلا ً بقواه الوطنية وأطيافه السياسية ومكوناته (القومية-والدينية-والطائفية-والطبقية-والسياسية) كافة لا يمكن للتاريخ أن يرجع للوراء وإننا لعلى ثقة أنه بعد القراءة الهادئة المتأنية ومراجعة الذات والنقد البناء… سيعود الخارجون (كل الخارجين) إلى حيث يجب أن يكونوا جانب شعبهم وحلفائهم لتحقيق الهدف الجامع الموحد وهو التغيير الوطني الديمقراطي السلمي والتدرجي. وسيذوب جليد التجميد بحرارة الإيمان بالوطن والمواطن وبمستقبل التغيير .

إذا كان انعقاد المجلس، حدث لاقى الترحيب من جميع القوى الوطنية المعارضة داخلياً وخارجياً ومن قوى الديمقراطية في الوطن العربي والعالم، مجمعين أنه شرّع نافذة للأمل في جدار اليأس . وطبيعياً أن تهب السلطة بقضّها وقضّيضها للإجهاز عليه بشتى الطرق بعد فشل مراهناتها السابقة . جندّت بعد (حملة الاعتقالات) أجهزتها الإعلامية والحزبية وأبواقها الديماغوجية ورعيل كبير من مؤدلجيها وما يعرف زوراً وبهتاناً بمدراء مراكز البحوث والمحللين الإستراتيجيين الذين يزدادون كالفطر للنيل من إعلان دمشق ومهاجمته وإلصاق التهم المستهلكة والممجوجة (والتي لا تليق إلا بها) بشرفاء ورموز الوطن والإعلان… لكن الملاحظة المخجلة أن السلطة لم تقدم على خطواتها اللاحقة إلا بعد تجميد الحزبين لنشاطهما وصدور بيان “ترويكا” الممانعة الذي سيكون جزء منه محور حديثنا كما أشرنا .

فهم يقولون :

الديمقراطية هي ما يجمعنا باللبراليين القدامى منهم والجدد باعتبارهم طرفاً في نسيج المعارضة، ليس بالمعنى العدمي إنما بالمعنى الوطني، ليس بالانفتاح العشوائي على السوق، وإنما ضمن برنامج اجتماعي يضمن الحد الأدنى من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية …ولان الديمقراطية وليس اللبرالية صلب برنامج التغيير ولأننا قرأنا في اجتماع أول سبتمبر انتصار الخطاب اللبرالي

فالإعلان يعاني من عجزين بنيويين . حسب بيانهم .

أولا ً :عجزه الأول يتعارض مع القيم الديمقراطية الأساسية والضرورية للمشروع الوطني الديمقراطي في سوريا .

الجواب يطرح مجموعة من الأسئلة لم يتم الإجابة عليها في النقد والتقييم 1-ما هي القيم الديمقراطية الأساسية ؟ 2-هل وثائق وبيانات الإعلان منذ16/10/2005 وحتى البيان الختامي يتعارض مع القيم الديمقراطية أم الليبرالية ..؟ 3-هل أصبح الإعلان ليبرالياً بين عشية وضحاها بعد 1/12/2007 ..؟4-هل قرأت نتائج انتخابات المؤتمر أم وثائقه قراءة نقدية موضوعية ..؟

وكي أخفف على القارئ الإطالة والتكرار فالملل ، وعلى نفسي سقم الاجترار والتوسع وتهم الاستخفاف بالقارئ والسادة الأفاضل ..أجيب زاعما أن البيان الختامي شكل بامتياز ورقة عمل كثفت برنامجاً سياسياً واجتماعياً واقتصادياً برؤية ديمقراطية دقيقة للواقع الملموس الذي يعيشه ويتحسسه المواطن الذي يعيش الواقع السوري وليس المواطن (في الخارج) الذي يقاربه من خلال المحطات الفضائية ووسائل الإعلام من باريس وواشنطن وكندا.

فخلال نضالنا الطويل في مواجهة الاستبداد ،تعودنا كتابة الكثير من البرامج السياسية التي استهلكت الحبر والورق الكثير وهذه العادة شملت جميع الأحزاب والتنظيمات التي صعدت وبقيت أو اختفت كبيرة كانت أم صغيرة حيث الصراع بالبرامج والمطولات النظرية من أجل كسب أو استمالة رفيق أو صديق من هذا الطرف أو ذاك . بينما السلطة القمعية تغذي وتعمق وتضرب الجميع متى تشاء والواقع في وادٍ آخر ..

أردت القول إن عقليتنا الشمولية السابقة ومفاهيمنا الإيديولوجية الاقصائية كانت وراء فشلنا وتخلفنا عن السلطة التي نواجه ..بينما واقع حال اليوم مختلف جداً لأننا نقبل الآخر ونحترم رأيه ونؤمن بالقواسم المشتركة الدنيا نسعى للتقليل من الكلام المحكي والمكتوب وتكثير العمل والحوار الجاد . والبيان نفسه سيجيب على التساؤلات من خلال الرد .

1-“يتوجه بيان المجلس إلى عموم الشعب السوري بجميع مكوناته القومية والدينية والطائفية والطبقية والسياسية ،يدعوهم للقاء والحوار والعمل معاً من أجل هدف جامع موحد هو الانتقال من حال الاستبداد إلى حال الديمقراطية .. ترى هل في هذه الدعوة انتصار للخطاب الليبرالي أم القومي .أم الديني .أم الأممي . أم (الديمقراطي الجامع ) أي انتصار الشعب السوري .

2-“التغير الديمقراطي عملية سليمة متدرجة من أجل تعزيز اللحمة الوطنية ونبذ العنف و الاستئصال وتشكيل شبكة أمان سياسية واجتماعية تساعد على تجنيب البلاد المرور بآلام مرت وتمر بها بلدان شقيقة مجاورة لنا-العراق-فلسطين-لبنان” فهل في هذا التشخيص ما يعبـّر عن عدم معرفة للواقع بشكل دقيق أم تتخفى فيه سذاجة وتبسيطاً وتبطيناً أيدلوجياً لبرالياً متوحشاً…؟ أم إننا نقرأ صراحةً تجلي أبهى قيم الديمقراطية العليا وهي التأكيد على سلمية التغيير وتدرجه منعاً للآلام والحروب الأهلية والطائفية التي تدمر المجتمع . منذا يقرأ اللهم إلا من يقرأ(من نفسه) رائحة دعوة لتدخل أجنيي أو احتلال ..؟ أم تراه يلمس ويحس التحذير والنبذ لأي تدخل خارجي من أي نوع…؟ وكذلك تبديد الهواجس التي يغذيها النظام ويضخمها كأدوات تفرقة بين فئات الشعب

3-“يقوم التحول الهام على أعادة بناء الدولة المدنية الحديثة المؤسسة على عقد اجتماعي يجسده دستور جديد كأساس لنظام برلماني يضمن الحقوق المتساوية للمواطنين ويحدد واجباتهم ويكفل التعددية وتداول السلطة واستقلال القضاء وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان المواطن والالتزام بجمع الشرائع الدولية المتعلقة بها”… ألا تلخص هذه القفزة الإنسانية العميقة للبرنامج الديمقراطي واللبرالي معا…؟ ألم تصبح جزءاً من البرنامج اللبرالي بسبب نضالات الطبقات الاجتماعية المسحوقة وفي طليعتها الطبقة العاملة منذ القرن التاسع عشر .

4-“هدف التغيير إقامة نظام وطني ديمقراطي عبر النضال السلمي، يكون كفيلا ً بالحفاظ على السيادة الوطنية وحامي للوطن وسلامته. ويستعيد الجولان المحتل من إسرائيل… وإذ يهدف التغيير إلى حماية الاستقلال الوطني وتحصيّن البلاد من خطط العدوان الصهيوني المدعوم من الإدارات الأمريكية ومن التدخل العسكري الخارجي وتقف حاجزا مانعا أمام مشاريع الهيمنة والاحتلال وسياسات الحصار الاقتصادي ” هل يريد السادة الأفاضل تأكيد أفضل على هذه المبادئ التي شكلت العمود الفقري للبرنامج الوطني و القومي الديمقراطي وهل تتعارض هذه المبادئ مع الدعوة للانفتاح على العالم وإدراك التداخل في مصالحه والدعوة للإفادة من دعم القوى الديمقراطية والهيئات الدولية – وعلى رأسها الأمم المتحدة ومنظماتها المختلفة – من أجل قضية الحرية والديمقراطية خصوصا ما يتعلق منها بحقوق الإنسان ومستقبله…؟ إن كان عند السادة من “فيتو” فليقولوا لنا..لم هم يعملون في المنظمات الدولية الإنسانية ويفاخرون في ذلك. أم يريدوننا جزءا من المنظمات المناهضة للإمبريالية والعولمة والتجارة الدولية..؟ نستميح السادة عذرا هنا لأننا غادرنا منذ وقت طويل معسكر الثورة العالمية لإسقاط الإمبريالية إلى تحالف قوى الديمقراطية والسلام العالميين، والازدواج التنظيمي المتناقض يحاسب عليه الضمير والناس .

5-“الديمقراطية بمفهومها المعاصر هي جوهر النظام الأوفر عدلا ً المستند إلى سيادة الشعب عن طريق الانتخاب الحر وتداول السلطة إلى حرية الرأي والتعبير وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية واستقلال السلطات وسيادة القانون” ألا تشكل هذه مبادئ الحد الأدنى للبرنامج الديمقراطي الاجتماعي والاقتصادي والحقوقي فإن كان زعمنا خاطئا فليصححوا لنا .

6-“تتعلق قضية الديمقراطية بشكل وثيق بقضية التنمية… إن مركزها وغايتها الإنسان وتنميته من جميع النواحي الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والعلمية والفكرية…” هل من شك بعد هذا بأن البرنامج شكل بكليته وبتفاصيله نجاحا للشعب السوري بجميع طبقاته وقواه الوطنية الديمقراطية بعيدا عن مكاسب الإيدلوجيا من أي صنف أو نوع .

7- وأخيرا يقول البيان ويدعو الشعب السوري إلى نضال سلمي وديمقراطي متعدد الأشكال يؤدي إلى تحسين أوضاع البلاد وقدرتها على استعادة قوتها ومنعتها . ويدعو للحوار المتكافئ والشامل للبحث في آليات وبرامج الانتقال إلى الديمقراطية الطريق الأسلم إلى إنقاذ البلاد والعباد ودحر الاستبداد .

فهل بعد إجماع المجتمعين جميعا بكل تلاوينهم ومرجعياتهم السياسية والأيدلوجية على هذا البيان يؤيد ما ذهب إليه بيان “ترويكا” الممانعة بأنه انتصار للخطاب اللبرالي…؟؟!!

ثانيا ً: العجز الثاني هو :

لا يملك (أي الإعلان) حمالة اجتماعية تشكل وزنا ً يذكر في صفوف المجتمع

مما يجعله بحاجة لقوة خارجية تحوله لطرف حقيقي لا مجرد قوة افتراضية في المعادلة الداخلية .

أ‌- في البداية أشير وأشيد ببراعة السادة في تقديم هذا النقد “الاعتباطي” بصيغة المعادل الصوري من حيث السبب والنتيجة ضمن معادلة محسومة الحل تهيأ للقارئ الذي لا يملك حيالها إلا التسليم . السبب والنتيجة معا هكذا معادلات المنطق الصوري تجيء بصيغة قدرية لا يجوز اجتزاؤها

يقولون: ليس للإعلان حمالة اجتماعية ذات وزن في المجتمع..! بضمير مرتاح ودون عناء يحكم السادة على الإعلان ليس في 30/11/2007 ولكن في01/12/2007 حيث بات بحمالة فأصبح دونها..؟ متى..؟ بعد أن جمّد حزبان في الداخل وثلاثة أفراد في “الخارج” عضويتهم وهم من يتحدثون عن الحمالة الاجتماعية..!

ولان الأفاضل يعرفون “ولا أشك بمعرفتهم” بطبيعة السلطة التسلطية في دمشق..” وبالتالي حكما ً يعرفون تحولات هذه السلطة خلال أربعة عقود ونصف وعلاقتها بالمجتمع ودورها في إقصائه عن السياسة والعكس صحيح، وعن جميع مظاهر التعبير عن الرأي والشكوى وأظنهم لا يجهلون مدى القمع والبطش والاعتقال والنفي الذي وجه للأحزاب والأفراد لمجرد تعاطيهم بالشأن العام والعمل السياسي… وكذلك يعرفون الإعلام والثقافة التي سادت طيلة تلك السنوات… لكن الصمت عند الشعب السوري وحده لا يفسر بالرضا والقبول. فكم كانت دلالات اللامبالاة بالانتخابات المهرجانية الزائفة من مختار الحي مرورا ً بالبلديات ومجالس المحافظات ومجلس الشعب انتهاءً بالاستفتاء الرئاسي .. إنه ذاته الشعب الصامت الرافض للاستبداد والاستئثار الراغب بالتغير الوطني الديمقراطي.. ذاته من راح يتململ وأخذ يتفتح مع ربيع دمشق وتصاعد التفافه حول قوى التغيير وتناوله لثقافتها وهذا ما أخاف السلطة الديكتاتورية وجعلها تستنفر طاقاتها لتوأدها في مهدها وتعود القبضة الأمية أشد من السابق: ولا أظن أحد ينسي انتفاضاته السياسية والمطلبية الواسعة التي شملت القطر كله حين أوهمته القوى الأصولية والإرهابية بتوازن الرعب مع السلطة الأمنية الغاشمة.. يتذكرون القمع الميليشوي السلطوي (الحرس القومي)إبان المظاهرات والتحركات الشعبية رداً على فرض الأحكام العرفية وأنظمة الطوارئ والمحاكم الاستثنائية وتعطيل الدستور والاستئثار بالحكم في بداية نظام البعث .. من باب التذكير ليس إلا… بالسياسة المنهجية والمجربة في عزل المجتمع عن السياسة لقتل الروح الوطنية والمعنوية للناس تدعيماً للتوجه العسكريتاري للنظام . هل يمكن نسيان قوافل الشهداء وعشرات الألوف من المعتقلين ومئات الألوف من المنفيين والمهجّرين . هذا هو المجتمع الصامت المبعد قسراً عن محيطه الحيوي هو الحامل الاجتماعي للتغير الذي صدعت به قوى المعارضة الوطنية المؤتلفة من أقصى يمينها إلى أقصى يسارها في إعلان دمشق ..إن بعث الحياة في هذه الكتلة العظيمة لتلعب دور الفاعل قطع شوطاً ليس قليلا ً . لكنه جنيني وغير كاف يلزمه المزيد من الجهود والخطوات والشروط الموضوعية والذاتية للأخذ بيدها إلى دائرة الفعل ووضع التغيير برسم التنفيذ.

يرى المجلس أن الوقت الذي يفصلنا عن التغيير الوطني الديمقراطي سواء كان قصيراً أم طويلاً ينبغي أن يملأه العمل الدؤوب والقادر وحده على تخفيف آلام الانتقال أو تجاوزها من أجل تعزيز حالة الائتلاف وتحويله إلى حالة شعبية قادرة على فرض التحول وشروطه الداخلية إضافة إلى تطوير التربية الديمقراطية واحترام الرأي الآخر عبر الحوار وإذ يدرك المجلس أنه لا يحتكر العمل المعارض في البلاد وأن صيغاً وأشكالاً مختلفة للتعبير عن إرادة الشعب موجودة وسوف تظهر دائماً في أي موقع أو زمان .. فإن المجلس يدعو الشعب السوري إلى نضال سلمي ديمقراطي متعدد الأشكال” وإذ نرد هذا الرأي إلى أصحابه.. يشكل الإعلان بقواه السياسية والوطنية وأطرافه المتعددة والمنظمات المدنية والحقوقية ورموزه الوطنية المناضلة طليعةًً لهذا المجتمع يمده ويستمد منه نسغ المعرفة والحياة والأمل .الذي عاد حقيقياً لأول مرة .

ب- مما يجعله (الإعلان ) بحاجة لقوة خارجية تحوله لطرف حقيقي لا مجرد قوة افتراضية في المعادلة الداخلية .

هذه النتيجة الخاطئة والخبيثة بنيت على سبب أكثر خطأ .. لا يتفق الحزبان اللذان جمدّا نشاطهما في المجلس .. لا معها (النتيجة) ولا مع سببها .. فهم اشتركوا في إعداد وصياغة كل كلمة في وثائق الإعلان منذ 16/10/2005 ولغاية آخر كلمة في البيان الختامي الذي شهد حواراً مكثفاً وتوافقاً عالياً .

ورغم صحة القول: سقوط النتيجة لسقوط السبب .. يجئ موقف البيان الختامي قاطعاً ” هدف إقامة نظام وطني ديمقراطي بشكل سلمي لحماية البلاد وتحصينها ضد خطر العدوان الصهيوني المدعوم من الإدارات الأمريكية وكل أشكال التدخل العسكري الخارجي ويقف حاجزاً مانعاً أمام مشاريع الهيمنة والاحتلال وسياسات الحصار الاقتصادي

وليس من ساذج في الوطن/ ليس في الإعلان وحده / من يعتقد أن احتلالاً مهما كانت جنسيته أوروبية أو أمريكية أو إيرانية أو حتى إفريقية يمكنه أن يجعل من قوة سياسية افتراضية قوة حقيقية في الشارع والمجتمع . فالاحتلال لا يعطي قوة لأحد بل يضعف القوي ويزيد الضعيف ضعفاً إذا لم يلغه تماماً. باختصار ما بني على باطل أكثر منه بطلاً ولا يخفى بطلان السبب والنتيجة على كل ذي نظر .

وأخيراً: كان يمكن لبيان قصير يجمد فيه السادة الأفاضل عضويتهم لعدم اتفاقهم مع ما تمخض عن المجلس من نتائج أن يكون كافياً وأكثر حكمة ونبلاً وأوفر حفظاً لماء الوجه من هذا البيان الطويل الذي كشف الكثير من عوراتهم النظرية والفكرية والسياسية حيث أبحروا في محيط متلاطم دونما بوصلة .

حاشا أن نعطي دروساً للأساتذة في طريقة تناولهم وقراءتهم لكنها أصولاً لا يجهلها الحديثون جداً في فقه النقد السياسي فكيف بأساتذة في هذا المجال.

فمن مبادئ وبديهيات النقد الموضوعي ،القراءة المتأنية المتفحصة لما صدر عن المجلس من وثائق والإطلاع ما أمكن على صيرورته ومجرياته ولأنني سأكمل نقد البيان بمقالات لاحقة أُجمل ملاحظاتي على بيان السادة بما يلي :

1- أول ما يطالع القارئ المطلع على وثائق المجلس وبيان الأصدقاء الثلاثة ..يلحظ أن حيثيات الأخير تتحدث عن شيء آخر .. لاعن المجلس الوطني وما صدر عنه ..فلا أجد كلمة أو عبارة أو فقرة واحدة منقودة عملياً.

2- أعلن السادة براءتهم الأخلاقية عما صدر عن أمانة الإعلان الحالية.. علماً أنه حتى تاريخ بيانهم لم يكن موقفاً واحداً قد صدر بعد عن الأمانة الحالية.. ولا تتحمل الأمانة الراهنة أية مسؤولية عما صدر عن المجلس من وثائق وبيان ختامي حتى تاريخه

3- البيان ينتقد مواقف وتصريحات وآراء وسلوكيات سابقة “ورغم التحفظ على هذا النقد” لكن تلك وسواها أصبحت وراء المجلس وبالتالي ظهر بيان الثلاثة مسبق الصنع والنية.

4- لوحظ في البيان ، انطلاقه من مقدمات يفترضها أصحابها صحيحة ومنزهة عن الخطأ لا يأتيها الباطل أبداً ثم يبنون عليها

5- أظهر البيان نزعات شخصية وأخرى ثأرية وهذا ما جعل مفرداته ولغته تتقاطع مع النزعات الاقصائية والتكفيرية والتخوينية التي لا تقبل الآخر وتستخدم الفوقية والاستعلائية أسلوبا لها .

6- أظهّر البيان تزمتاً سياسياً /دوغما/ منفعلة .. وغابت عنه الروح النقدية الديمقراطية والمرونة السياسية المنفتحة .

7- الادعاءات المتكررة بالدور الذي يلعبه السادة في الدفاع عن الحقوق المدنية والإنسانية والتذكير الممل لذلك يشعر القارئ بالمنـّة والتشكيك ولقد أحصيت خمس مرات ذكرت في البيان ذي الصفحتين فقط .

8- الخطابة والإنشائية الغالبة على فقرات البيان والتوسع المفرط في بعضها ادخل القارئ في متاه سريالي حول المغزى .

9- الثنائيات المتقابلة اعتمدت على شطر افتراضي خاطئ وشطر استنتاجي صحيح في الشكل خاطئ بالمحصلة والهدف.

10- البيان ملئ بالعبارات التي تدعم الطرف المعادي للإعلان وتحضه وتستفزه على السلوك القمعي لوأده .

11- البيان يحقق ما هو أبعد من الانسحاب من الإعلان ولسان حالهم يقول كل إعلان وانتم بخير . يتبع….

إعلان دمشق- اللبرالية : تهمة منتهية الصلاحية …..!

كما سبق لي الإشارة في الجزء الأول إلى خطورة ما طرحه الأصدقاء الثلاثة “ترويكا الممانعة ” من أسباب دفعتهم للخروج من إعلان دمشق “وهذا رأيي” ومحاولة تنسيبها لعجوز بنيوية أصيلة- وبالتالي محاولة نسف توجهاته وسياساته ووجوده . أخذت على نفسي متابعة بيانهم إلى نهاياته لاستجلاء الأخطاء النظرية والسياسية والتي لم يقع فيها ” عفواً ” وذلك باستنطاق منهجهم وملاحظاتهم وعباراتهم ، والسياقات المشغول عليها بحرفية ليست بريئة . وهذا ما مكنني من استقراء ليس ما هو بين السطور والكلمات وحسب وإنما إظهار مدى المجازفة التي لم تراع أصول وأمانة البحث ومبادئ النقد الموضوعي . وكذلك إبراز حجم السم الدفين في ثنايا المعاني من خلال التقليل من أهمية الحدث التاريخي واعتباره تجارة للوهم لإحباط القارئ والمجتمع واجتثاث الأمل الذي تبرعم في مساحات اليأس الطاغية على المشهد الوطني منذ نصف قرن والتي عمل على تجسيدها وتكريسها وتوسيعها نظام متمرس في تدجين المجتمع وقمعه ودفعه للوصول إلى حيادية سلبية كاملة حيال ما تمارسه السلطة من نهب وتخريب وتدمير للمجتمع والدولة ومؤسساتها المدنية والرسمية وتحويلها إلى إتحاد مافيات ذات مصالح مترابطة متكاملة في مواجهة الكتلة الشعبية الضخمة المفقرة والمبعدة عن سابق عمد .وطبيعيا أن لا يختلف موقفها من المعارضة غير الشقيقة ” الوجه الآخر لها ” إن من حيث الأصول المشتركة أو من حيث البرنامج الشمولي الإقصائي بل حتى من حيث مشروع التغير ” السلطوي ” الذي تطمح له وإن لبس اللبوس الديمقراطي غير المتمايز في حقيقته عن إدعاءات السلطة بخصوصية صيغتها الديمقراطية .

ففي المجتمع والمعارضة المدمرين اخترقت السلطة دون عناء بوسائلها المتنوعة الصفوف زارعة الرعب والتشكيك والتمزق والتذرير بل وعوامل التدمير الذاتي المستمرة منذ عقود لتبقى كتلة السلطة الأكثر انسجاما وتماسكاً حتى في أوقات الهزائم ومن حينها لم يطرح مشروعاً وطنياً موحداً جدياً حداثياً .

حتى جاء إعلان دمشق للتغير الوطني السلمي ليقلب مفاهيم و تابوهات العمل السياسي المحبط والفاسد وصيغه الفاشلة …. حيث ومنذ خمسين عاماً يطرح وللمرة الأولى برنامجاً وطنياً ديمقراطياً يعبر عن مصالح الأغلبية الكبرى في المجتمع ، لا يقصي أحداً ولا يميز أياً كان ولا يعطي صكوك غفران لأي أحد ويغطي مكونات المجتمع بكامله على اختلافاتها و المتطلعة للتغير .

وكما أشرت انكب السادة مناع – غزالي – حبو على صياغة نظرية مصنّعة بإتقان لواقع عربي يريدون من الآخرين أن يروه بعيونهم .. متخيلين أن الناس لا زالوا حيث تركوهم في السبعينيات ( عند اجتماع قنوات ) يجتهدون في الحقل النظري دون أن ينالوا أجر المجتهد المخطئ وحين تخونهم حصافتهم يعرّون فقرهم النظري والفكري فلا يحصدون إلا الخيبات ولا ينالوا تهمة

(الحج والناس راجعون ) فهم يطلون علينا بعد البسملة (واللازمة)المتكررة مع كل فقرة ومناسبة (إن نضالنا من أجل مشروع وطني ديمقراطي لا يقبل (أية )مساومة حول الحقوق و الحريات الأساسية للشعب السوري) باكتشاف يتخطى الداروينة والماركسية بأن ” البديل الليبرالي ليس البديل الديمقراطي وعلينا قبل إسقاط السلطة المستبدة معرفة طبيعة البديل ” وكي يغنوا هذا الاكتشاف وليتهم (لم يفعلوا) ثم يرشدوننا بأن ” البديل الليبرالي نجده في السلطة في مصر ، وحليفنا كل الديمقراطيين الذين يقاومون مشروع التوريث الليبرالي هناك ، نجده في السلطة في العراق ملوثاً بالطائفية والعنف حليفنا العرب الطبيعي هم الديمقراطيون العرب وليس أنظمة استبداد عربية لا تختلف عن السلطة السورية إلا بولائها للولايات المتحدة الأمريكية – وعندما لا يميز بعض قيادي إعلان دمشق بين المجتمعات العربية وحظيرة الأنظمة الاستبدادية العربية فهناك ضربة في الظهر توجه لحلفائنا في تونس ومصر والسعودية…الخ . النظام السعودي والمصري لا يختلفان عن السوري . وعندما مد الملك عبد الله يده مدها لرفعت الأسد وأمثاله ولم يمدها للمعارضة الديمقراطية الحليف الطبيعي لحركة الإصلاح المعارضة في السعودية

التدقيق في الفقرة السابقة يجعلنا نختصرها إلى معادلة باستنتاجين مكثفين… الأنظمة العربية جميعها أنظمة استبدادية…! والأنظمة العربية جميعها أنظمة ليبرالية جديدة

على اختلاف طبيعتها واختلاف نشأتها و تطوراتها تتفق هذه الأنظمة في جوهرها الاستبدادي . ونحن نتفق مع الأساتذة على هذا التوصيف العام ولا نريد إبراز أية خلافات حول منشأ الاستبداد وأنماطه التاريخية وأظننا نتفق وهذا مهم على أن موقع كل نظام على سلم الاستبداد مختلف عن الأخر وأنها ليست على درجة واحدة لذات الأسباب وتبعا لتطور الحركة الشعبية والثقافية والحضارية .. ولأننا نتفق باختلاف الأنظمة بدرجة ولائها للولايات المتحدة الأمريكية . كذلك نتفق باختلافه من قطر إلى أخر فلا أظننا نساوي بين مستواه في الكويت والسعودية مثلا ..ولا بين مستواه في مصر وسورية … ولا بين ليبيا وتونس ..الخ ..

أما بخصوص عدم تميز بعض قياديين إعلان دمشق بين المجتمعات العربية وحظيرة الأنظمة الاستبدادية العربية فلا أظن أن السادة جادون في ما قالوه .. وإن كانوا يكتبون قناعاتهم فإن ذلك مأساة دون شك وإلا فالسبب يعود لكلمة (العربية ) التي وحدّت بين المجتمعات والاستبداد …؟؟!!

أما الجانب الأخر من المعادلة بأن الأنظمة العربية جميعها أنظمة ليبرالية .. الحقيقة لا أدري ما القاموس السيسيولوجي الذي سحب منه هذا المصطلح وإلا ما هي الأسس التي اعتمدها الأساتذة في تشخيصهم وتحليلهم للنظام العربي هكذا وبضربة واحدة ونحن لا نريد الانزلاق إلى المماحكات ولا حتى المجادلات حول تطور النظام العربي كلٍ على حده ..وصولاً إلى آليات التراكم الرأسمالي ووصول الطبقة الحاكمة للاستئثار بالقرار الاقتصادي والمقدرات الوطنية بل وتحولات هذه الفئات وموقفنا من النظم الاقتصادية العالمية .. في حينه ؛ فلا شك أن نمطين عامين اقتصاديين حكما المنطقة العربية ..نمط ما عرف بالدول التقدمية وتميز بنظام شمولي واقتصاد (اشتراكي).. والأخر عرف بالدول الرجعية الملكية المرتبطة اقتصاديا بالنظام الرأسمالي .. وإذا كنا سنبتعد عن البحث في أفضليات النظامين ونتائجهما المقروءة من قبل المواطن العادي لكننا فقط نذكر السادة بالجدل حول تشخيص النظام السوري وتوصيفه طبقيا واقتصاديا وتحديدا في تقييم حزب العمل الشيوعي في الثمانينات والقائل أن النظام السوري هو نظام البرجوازية الطفيلية والبيروقراطية ومثلها الأنظمة التقدمية العربية..أظن السادة كانوا من الصانعين لذلك التوصيف ..؟ ورغم اختلافي مع هذا التوصيف والتحديد

فإني أتساءل كيف بقدرة قادر أصبحت الأنظمة العربية في سلة واحدة (الليبرالية الجديدة) ولأننا لا نريد إعادة السجالات البيزنطية التي استهلكتنا ردحا من الزمن في الثمانينيات فاني ألاحظ تحليلا تبسيطيا لتحولات الأنظمة الحاكمة (التقدمية) والاتقراطية (الرجعية) لا يؤسس لفهم سياسي يخدم مصالح الأغلبية الفقيرة من الشعوب .. وسأكتفي برد قديم جديد ينسف هذا التوصيف السياسي وليسس الطبقي يبين مدي التعسف في تشخيصها كأنظمة ليبرالية جديدة أو قديمة . وهذا الرد على لسان “أرتور روزنبرج ” عام 1962 في قراءته لتطور الديمقراطية الأوربية ما بين (1845-1923) المرحلة الأهم في تتطور الصراع الطبقي في العالم . حيث يقول : ” نفهم الليبرالية كشكل للدولة والمجتمع تحكم في ظله البرجوازية المالكة والمتعلمة بالاعتماد على الحريات الدستورية . فقد وحّد الشكل القديم لليبرالية (الذي تشكل مع نشوء المجتمع البرجوازي الجديد) الحريات السياسية الداخلية مع سياسة للدولة تقوم على سلطة قوية . هذه الليبرالية القديمة تستلزم حكومة برلمانية في شكل جمهوري أو ملكي مقيد دستوريا وكفالة للشخص وللملكية من تعديات السلطة وحرية الكلمة والكتابة وحرية النوادي والتجمعات مع بقاء سلطة الدولة مع الفئة العليا المالكة

بعد هذا الاقتطاف المهم برأيي لا مكان لمزيد من البحث والنقاش والجدال . لكني أطرح سؤالاً سيجيب عليه كل قارئ لا على التحديد .

هل هنالك نظام عربي واحد ينسجم مع هذا التشخيص الليبرالي قديمها وجديدها ..؟؟!! وهل يمكن بعد ذلك الموائمة بين الاستبداد والليبرالية ..؟؟!!

أما ما يخص البديل وأهمية معرفته قبل إسقاط الاستبداد كما نقلت حرفياً عن الكواكبي ” علينا قبل إسقاط السلطة المستبدة معرفة طبيعة البديل ” فكلنا يدرك الظروف الثورية الحبلى بالتغير والاحتمالات المفتوحة وتغير موازين القوى وقدرتها على توجيه الأحداث الثورية ولا يتوقف كل ذلك على العامل الذاتي وحده بل وعبر التاريخ كان للعامل الخارجي دوراً متفاوتاً في التأثير بل يمكن أن نقول أن هذا الدور يتعاظم باستمرار نتيجة لإنجازات الحضارة والعولمة وثورة المعلومات المتطورة التي جعلت العالم قرية صغيرة ونؤكد قناعتنا بأن حجم هذا يرتبط بمستوى تطور العامل الذاتي وقدرته على التحكم بشروط اللحظة الثورية وفعاليته مع المجتمع قبل وأثناء الظرف الثوري . نعم إن الصراع الطبقي المحتدم والتغير السياسي المطروح في شروط الأزمة الوطنية الشاملة ولحظة الصفر بالتغير ليست معادلات مخبرية يمكن التحكم بها .. والتجريب في صيغ إراداتها المختلفة للوصول إلى النتيجة المرجوة والمرغوبة وتأكيد الصيغة الأمثل. إن لحظة سقوط الاستبداد لا يمكن التكهن بها ولا يستطيع أحد ردها أو تأجيلها ولعل سعي الإعلان لإيجاد وبلورة البديل الوطني الديمقراطي هو لقطع الطريق على اللحظة التاريخية حتى لا تمر من غير استثمارها وحتى لا يكون المجال مفتوحا للثورة المضادة وأطراف جديدة يفرزها الصراع والظرف الثوري … ولأنه كذلك لا يمكن لعاقل أو حركة سياسية واعية أن تسعى للتمسك بالاستبداد أو الدفاع عنه إذا لم تكن هي البديل الممكن.. أو حتى منع بديل ما ليبرالي كان أو غير ذلك من الانتصار … ولا أظن أن لحظة تاريخية تعادل في قيمتها وأثرها ذلك السقوط للاستبداد … نقدر للأساتذة إمكانياتهم في الاختيار الآن بين بديلين أو أكثر لكننا نؤكد لهم أن اختيارهم لا يحدد البرنامج المنتصر . ففي عاصفة التراكمات الثورية المتسارعة والأزمة الشاملة لا مكان فيه للرغبات والتفضيلات فالبرنامج الذي أقنع الناس التي لم تعد قادرة على القبول أن تحكم من الاستبداد بنفس الأساليب السابقة هو البرنامج المنتصر.

وبعد هذا الانزياح في المفهوم النظري للواقع العربي والسوري الملموس الذي يدعيه الأساتذة يقعون بمجموعة من التناقضات نختصرها في ما يلي :

أولا:”الليبرالية الجديدة ليست طبقة أو مركزاً من مراكز القوة في المجتمع السوري واطروحاتها التي باشرها النائب رياض سيف بعد وفاة الفريق الأسد مباشرة ، كانت هلامية وضبابية وغير واضحة وقد تبلورت بعد احتلال العراق ودخول فكرة التدخل الخارجي طرفا في المعادلة الداخلية “ والسؤال ما هو الصحيح والخطأ في هذه المعادلة …؟

كالعادة نشير إلى أن نصف المعادلة صحيح وهو قسمها الأول والذي نتفق معه حين يقول بأن الليبرالية الجديدة ليست طبقة أو مركز قوة في المجتمع السوري.. لأننا والجميع يعلم أن الليبرالية هي الصيغة السياسية والثقافية والفكرية والاقتصادية للطبقة المتوسطة التي سعى نظام الاستبداد إلى تصفيتها وتدميرها منذ نهاية الستينيات ، ونعلم أن البرجوازية الجديدة (الكنبرادورية) الحاكمة حوّلتها إلى فئات اجتماعية معدمة اقتصاديا وثقافيا بعد تدميرها سياسيا … لقد انكفأ دورها أمام همجية الدكتاتورية والكثير من رموزها السياسية والثقافية هاجرت هربا من الاضطهاد ، لكن فشل المشاريع القومية واليسارية والإسلامية وتحديدا منذ انتهاء الحرب الباردة جعل الكثير من مثقفي وأيديولوجيي تلك المشاريع الفاشلة يعيدون النظر بطروحاتهم وأخذ يتبلور اتجاه ثقافي ليبرالي جديد يبحث عن هوية له في منظمات حكومية ومدنية وسياسية جديدة .

وهنا ندخل في التناقض مع القسم الثاني الخاطئ من المعادلة السالفة . لان بداية تلك الطروحات النظرية والسياسية أخذت تتبلور شيئا فشيئا منذ بداية التسعينات والظهور الخجول والمرتبك للمنظمات الحقوقية والمدنية والإعلانية وأخذ الحراك يتقاوى ليشمل الكثير من مثقفي السجون وتجلى ذلك في بيانات المثقفتين المتلاحقة منذ حرب الخليج الثانية ثم بيان ال99 مثقف وبعده بيان الألف مثقف وصولا إلى ربيع دمشق … إن الطروحات الليبرالية الثقافية جاءت قبل أن يصبح رياض سيف نائب وبعدها بسنوات سياسياً… لقد جاء الاتجاه الليبرالي في محاولة لبعث أمجاد وماضي البرجوازية الوطنية ومرحلتها الليبرالية البرلمانية والتي أصبحت حاجة ملحة للمجتمع للخروج من مأزق الفشل الدائم والركود الممتد لعقود… نعم لم تعد الليبرالية الاقتصادية ضرورة تنموية رأسمالية في وجه البرجوازية الجديدة المحتكرة لكل شيء بل هو نزوعا وطنيا ديمقراطيا اجتماعيا انحازت إلى جانبه غالبية فئات المجتمع الفقير . وإلا ما الذي يخيف السلطة… وغير السلطة… من رجل ليبرالي واحد حديث العهد بالسياسة بعد أن سحقته السلطة اقتصاديا واجتماعيا واسرويا ..؟؟!! ولديها كل هذا الجبروت الأمني والسياسي والإعلامي ..!!

وللحريصين على الإعلان نقول: هل الخوف مبرر على تحالف وطني يشمل مكونات الشعب السوري وأطيافه السياسية كافة من سياسي تتلمذ حديثا في مدرسة الليبرالية..؟!

نعم إن رياض سيف شخصية كاريزمية تتمتع بصفات رجل الدولة والموهبة الضرورية لذلك.. لقد أكد انه يملك فهم وطني (لا يزايد عليه احد) لدولة ديمقراطية عادلة يتشارك في بناء اقتصادها المواطنون جميعا في إطار تنموي شامل يعتمد على العلم وانجازاته وعلى الطاقة البشرية الوافرة في مناخ من الحرية والمنافسة الحقيقية التي تفجر الإبداعات والطاقات وتوظفها في برامج التنمية المستدامة في الوطن والمنطقة ومن هنا يجيء خلل الاستنتاج باعتباره فدائي ليس إلا ؛ غرد خارج سرب الليبرالية الجديدة اللاطية في ظلال السلطان ؛ فتلك لعمري أخر شي تفكر فيه هو مصلحة الوطن والمجتمع وحرية المنافسة ولا يربطها رابط بالليبرالية قديمها وجديدها … إنها برجوازية جديدة دكتاتورية انفتحت على إنجازات العلم من اجل تطوير وسائل القمع والإبادة الاحتكار والاستئثار لأن منشأ تراكمها الرأسمالي جاء من خلال استخدام أجهزة الدولة الأمنية لابتزاز المجتمع وفرض الإتاوات والرشاوى والضرائب ونهب القطاع العام احتكار فرص التصدير والاستيراد وإفقار المجتمع والدولة .

ثانيا : ” أما بخصوص فهمنا لعملية التغيير فلا أظن انه بعد بيان المجلس الوطني إيضاحا وقولا أخر .. فتأكيد الإعلان(ورياض سيف) على موقف واحد تجاه مسألة العلاقة مع الخارج سيجعل الجميع يعيدون النظر بتحليلاتهم حول ما يقال ويشاع عن نزعات متعددة في الإعلان والتي لا تزيد عن كونها أراء ووجهات نظر متعددة مشروعة حول استيعاب مفهوم جدلي تاريخي في علاقة الداخل بالخارج وتسارع هذا الدور مع تطور العولمة ووسائل الاتصالات والحداثة. وعليه ماذا يعني أن يكون رياض سيف في قيادة الإعلان…؟!

إن نظرة على اللائحة الداخلية والتنظيمية التي اقرها المجلس في لائحة واحدة تظهر آليات اتخاذ القرارات ودور الفرد من خلال هيئاته ونظرة واحدة لدورة انعقاد المجلس كل ستة شهور وآليات انتخاب الأمانة ومكتبها لمدة عام ولمرتين فقط تطرح سؤال حول إمكانية كوماندز واحد أو مئة في مجلس سيد نفسه وقراراته تتخذ بالاقتراع… إنه إعلان دمشق وليس حزبا شموليا ؛ أمينه العام باق حتى الموت ثم يرثه أبنه أو زوجته من بعده

ثالثا: ” لماذا الربط المتعمد بين( الليبرالية الثقافية) وهي اتجاه وملاذ المثقفين في ظل الشمولية الضاغطة على الحياة والمجتمع.. اتجاه وطني ديمقراطي لطبقة متوسطة نتمنى أن تعود لتلعب دورا في تاريخ سوريا.. الدور الذي أنتج نظام برلماني في الخمسينيات وأسس لتنمية وطنية شاملة ومعدلات نمو أعلنت إسرائيل خشيتها منها ومن خطر استمرارها في حينها.. إن نظام العسكر الذي مسح هذه الطبقة مسح المجتمع معها وألغى إمكانات انبعاثها في ظل نظامه الشمولي بعد تشتيت مثقفيها وغياب دورهم التنويري وما نراه اليوم من اتجاه ثقافي ليبرالي وطني إنما تشكل بعد فشل وسقوط الأيدلوجيات الكبرى وفشل برامجها مما أعاد البريق للبرنامج الوطني الديمقراطي الليبرالي .. وأعاد قدرته على استقطاب مثقفي الطبقات الاجتماعية كافة إلى تيار ثقافي واسع لحمته وسداه الحرية والديمقراطية والعدالة وهذا التيار لا يجد أي نسب اقتصادي له مع البرجوازية الوطنية القديمة بعد الاستقلال ولا مع البرجوازية الجديدة التي أنتجتها الأنظمة الدكتاتورية الشمولية والتي رآها البعض وصنفها زوراً (الليبرالية الجديدة) وهي براء من مبادئ الليبرالية الحقة فجل طموحها النهب والتدمير المنظم لاقتصاد الوطن والتبعية السياسية والاقتصادية للإمبريالية ليس إلا .!!

رابعا :” الموقف من الاستبداد “أصل البلاء” لا يمكن اعتباره مجالا للمقارنة بين من يسعى لتكريسه أو استبدال قناعه في أحسن الحالات من خلال إنتاج مفاهيمه وبرامجه و آلياته المهترئة و بين من يسعى إلى نسفه واجتثاثه من جذوره وقطع الطريق على إمكانية عودته .. نعم أن حلفائنا هم جميع الديمقراطيين في العالم وجميع المناضلين من أجل الحرية ومن أجل حقوق الإنسان ..وهؤلاء جميعا ليسوا في جبهة الاستبداد أو الإرهاب أو الدول الاستعمارية …ونظام الاستبداد العربي أغرق وطننا بالهزائم المتلاحقة و شكل على مدى تاريخه الثغرة التي دخل منها الاستعمار وظلّ غطاءا ومبررا لاقتطاع المزيد من أرضنا لصالح الطامعين ..مبعداً شعوبنا و مجتمعاتنا عن المواجهة من أجل استرداد الحقوق .

فمصالح الأنظمة الاستبدادية واحدة ولم تكن يوماً ذاتها مصالح الشعوب ..فكيف يجد البعض موطئاً لقدميه على ضفتين متقابلتين ,,وإن كنا نقسم البشر إلى أشراراً وأخياراً لكننا نعتقد أن من يقف على الضفة الديمقراطية لا يؤيد الاستبداد ولا يدافع عن وجوده و بقائه .

خامساً : أما بخصوص السجال حول لبنان وموقف بعض أطراف الإعلان من قوى 14 و 8 آذار كما يقول السادة :فإننا نرى في الشكل الذي ساقوه في البيان استفزازاً للمشاعر والعواطف والقيم الدفينة المورثة والتي اعتمدتها الأنظمة للفرز والقمع والتخوين والتكفير كذلك .والحوار مع هذه العقلية سيجرنا للنقاش حول المشاريع الإقليمية والدولية وصراعاتها ..أما الانجرار إلى اللغط الوارد في البيان فهو تضييع للموقف السياسي السليم والقاضي بدعم مشروع قيام دولة سيدة حرة مستقلة ديمقراطية وتعطيل كل الأشكال الشاذة السابقة لقيام دولة وطنية واحدة وهي أشكال فئوية وطائفية وعشائرية ساعية إلى إلغاء الدولة الواحدة الموحدة وما نراه من استقطاب هو تجلي للموقف الأساس من الاستبداد العربي السالف الذكر .

سادساً : لا أظننا نجهل أحكام النضال العربي والعالمي وما يمليه على العاملين في المجال الإنساني و المدني “ولن نطيل ” لكن بالتأكيد أن ليس من شروطه اتهام المضطهدين بإنسانيتهم و بأبسط حقوقهم وحقوق أولادهم وأهليهم أنهم يحصرون نضالهم بثلاثية الاعتقال والنفي والمفقودين وكأنها قضية ثأر ومحاسبة … ألستم الذاكرون أن جرائم النظام بالمجتمع وعبر تاريخيه لا يطالها التقادم ..؟!

إن من نافل القول إن دفاعنا عن حريتنا وحقوقنا ومستقبلنا ومستقبل أجيالنا هو دفاع عن الحرية والحق في العالم اجمع ،ولكننا نعتقد أن الحق ( ليس على الطليان دائما) بل على الاستبداد …وأن الهوة بين الشمال والجنوب والأمراض الفاتكة وموت الأطفال والإيدز والجوع في العالم لم تأت به الحرب على الإرهاب وإنما هو أسبق من ذلك بكثير وله أسباب أكثر جذرية وأهمية تمتد إلى أكثر من قرن من الآن.

إن معركتنا ضد الاستبداد هي مع الحرية والإنسان والطفل والحياة في كل مكان ، ولشد ما يدهشنا الخلط المبني على أساس الملاحظة تلك والغمز غير البريء حول اتجاهات لبعض الأفراد ذهبوا ليس من أنفسهم إلى العدو..؟! أو ممن ينتظر انقلابا عسكريا كالذي جاء به للسلطة مرة وبين موقف الإعلان الواضح من هؤلاء وممن دفعهم …فالنظام الساعي للتمسح بالإدارة الأمريكية وبإسرائيل لا يعطي مرحى لذلك الغمز الذي أول من يعنيه.

سابعاً: أما التساؤل والدهشة حول وجود أحزاب ثورية وقومية كردية – ديمقراطية شعبية أو ثورية في الإعلان ..نقول أنها خطوة تصحيح ولا شك ، خطوة رائدة أن تعود تلك الأحزاب للالتصاق بالوطن وبقضايا الشعب ولا ندري هل أزعج السادة الأفاضل إدراك هذه الأحزاب للحل الوطني الديمقراطي وانخراطها ضمن ائتلاف الإعلان وتراجعها عن نهجها الشمولي الثورجي العائد للحقبة السوفياتية المنقرضة وتقسيم العالم إلى معسكرين ..! إن زخم الإعلان هو بشموله الطيف السياسي الوطني بكل ألوانه ونظن أن هذا يزعج الأعداء لا الأصدقاء …؟

فالإعلان واضح ببرنامجه وأبعاده الاقتصادية والاجتماعية لا تقبل التأويل ونؤكد أن القراءة الموضوعية لما صدر عنه كفيلة بتصحيح الموقف منه لأنه منفتح على التعدد والرأي الآخر والنقد والحوار وسيظل وفيا لمبدأ التغير الوطني الديمقراطي السلمي والتدرجي.

* كاتب سوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى