الدور التركي في المنطقةصفحات العالم

تركيا تبحث عن علاقات متوازنة: أدارت ظهرها لإسرائيل وتعزز تقاربها مع سوريا

عبد الاله مجيد
تعتري العلاقات التركيَّة – الاسرائيليَّة حالة من الفتور، على خلفيَّة موقف أنقرة من حرب إسرائيل على قطاع غزَّة في الشتاء الماضي. وقد انعكس ذلك في تصريح رجب طيب اردوغان بأنَّ استبعاد اسرائيل من المشاركة في تمارين عسكرية دولية على الأراضي التركية “كان حقا ذا دوافع سياسية ـ ردا على الغارات الاسرائيلية على قطاع غزة”. في المقابل، تتحسّن العلاقات بين تركيا وسوريا، ويتعاون البلدان لاجراء مناورات عسكرية مشتركة، وشكلا مجلسا أعلى للتعاون الاستراتيجي.
لندن*: نشرت “دير شبيغل” تحليلا اخباريا يتناول العلاقات التركية الاسرائيلية التي اعتراها الفتور في الآونة الأخيرة على خلفية موقف انقرة من ارتكابات اسرائيل خلال الحرب على قطاع غزة في الشتاء الماضي.
تقارب بين أنقرة ودمشق
وأشارت المجلّة إلى التقارب بين تركيا وسوريا، والذي انعكس مؤخرًا في إلغاء تأشيرة الدخول بين البلدين خلال حفل مشترك أقيم على معبر حدودي وجمع وزير الخارجية السوري وليد المعلم ومسؤولين سوريين مع عدد من السياسيين الاتراك. وكانت تركيا وسوريا تقفان على حافَّة نزاع حتى اواخر التسعينات، بسبب دعم سوريا لمقاتلي “المقاومة الكرديَّة” في تركيا. ولاتزال قطاعات من الحدود التركية ـ السورية مزروعة بالألغام حتّى اليوم. لكن الزمن تغير، فالبلدان يتعاونان لإجراء مناورات عسكرية مشتركة وشكلا مجلسا أعلى للتعاون الاستراتيجي.
استبعاد لإسرائيل من تمارين عسكرية دولية
وبعد فترة وجيزة على اتفاقية إلغاء التأشيرة، أبدت تركيا وسوريا نيتهما في التعاون عسكريا في تطور مثير. كما انه مؤشر الى شكل العلاقة بين الجيران كما يود الاتحاد الاوروبي ان يراها من الدول المرشحة لعضويته. مع ذلك ما كان الاحتفال الذي أُقيم على الحدود التركية السورية ليحظى باهتمام يُذكر لولا الأنباء التي سبقته مباشرة ، بأن إسرائيل عدو سوريا اللدود لم تكن مدعوة للمشاركة في تمارين عسكرية دولية كان من المقرر إجراؤها في الأراضي التركية.
وزير الخارجية السوري وليد المعلم ونظيره التركي داوود أوغلو خلال توقيع الإعلان المشترك لتأسيس مجلس تعاون إستراتيجي بين البلدين
تابعت المجلَّة: جاء رد الفعل سريعا. إذ الغت الولايات المتحدة وايطاليا على الفور مشاركتهما في مناورات “نسر الاناضول”. وحاولت تركيا أن تبدو غير مكترثة مكتفية بالقول ان “العناصر الدولية” من التمرين أُلغيت وسعت الى تبرير ما حدث بوصفه نتيجة “مشاكل تقنية”.
أردوغان: دوافعنا سياسيَّة
ولكن تردد فيما بعد ان تركيا كانت غاضبة على الاسرائيليين بسبب التأخير في شحن طائرات استطلاع من دون طيار من طراز “هيرون”. ثم دخل رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان على الخط مشيرًا الى ان استبعاد اسرائيل كان حقا ذا دوافع سياسية ـ ردا على الغارات الاسرائيلية على قطاع غزة. وقال اردوغان في مقابلة مع قناة “العربية” إنَّ تركيا تتحرك “وفق ما يمليه ضمير شعبها”. وأكد ان الشعب التركي يرفض مشاركة اسرائيل. يضاف الى ذلك ان وزير الخارجية التركي احمد داود اوغلو لاحظ ان تركيا لا يمكن ان تبدو شريكا عسكريا لاسرائيل في وقت لا تُبذل جهود من اجل السلام.
حليف إسرائيل المسلم ممتعض
وأحدثت تصريحات أردوغان وأوغلو قلقًا لإسرائيل ذات المساحة الصغيرة بحيث لا يمكنها اجراء مناورات جويَّة بمفردها، وهددت علاقتها الحيويَّة مع تركيا “حليف اسرائيل المسلم الوحيد” في المنطقة.
ووصف وزير الدفاع الاسرائيلي ايهود باراك العلاقات مع تركيا بـ”العريقة والمهمَّة والاستراتيجيَّة” ـ إلا انَّ الواقع يخالف الوصف. فالعلاقة التركية ـ الاسرائيلية اسوأ الآن منها منذ زمن طويل. وما زالت تركيا غاضبة من الهجوم الاسرائيلي على غزَّة أواخر العام الماضي، بينما الذي كانت تركيا تسعى الى التوسط في إجراء محادثات سلام غير مباشرة بين اسرائيل وسوريا. وقبل ايام قليلة من الهجوم أفادت تقارير ان رئيس الوزراء الاسرائيلي وقتذاك ايهود اولمرت ابلغ اردوغان ان اسرائيل لا تخطط لشن هجوم.
لم يخف رئيس الوزراء التركي امتعاضه. واشار اردوغان خلال اعمال المنتدى الاقتصادي العالمي الذي عقد في دافوس في كانون الثاني (يناير) الى الهجوم الاسرائيلي بوصفه “همجيا” خلال ندوة مع الرئيس الاسرائيلي شيمون بيريز. ثم انسحب من الندوة في سورة غضب قائلا انه لم يُمنح من الوقت للكلام بقدر ما مُنح بيريز.
“ضمير الشعب التركي” وحده لا يحدد العلاقات
كان اردوغان استخدم المحاجَّة التي تستند الى “صوت الشعب التركي” من قبل. وحين يتعلق الأمر بوجود قوات عسكرية اسرائيلية في تركيا لا يكون فيها شيء من المبالغة. فمنذ الهجوم على غزة تراجعت استساغة وجود قوات مسلحة اسرائيلية في تركيا الى حدودها الدنيا، حتى خارج الاوساط الدينية ـ المحافظة. وان قرار اردوغان استبعاد اسرائيل يحمل سمات انقلاب كامل على الموقف السابق.
هناك أكثر من غرور اردوغان وميوله الشعبوية وراء سياسة تركيا تجاه اسرائيل. وقال الجنرال التركي المتقاعد خلدون صولمازتورك ان الجيش التركي ـ القطب الكمالي المقابل لسياسة اردوغان الاسلامية المحافظة ـ ايضا اصبح يشعر باستياء متزايد من نظرائه الاسرائيليين. ومن الاسباب الرئيسة لانعدام الثقة الغارات الجوية عام 2007 على ما يُشتبه بأنه منشأة نووية سورية ـ انطلقت الطائرات المغيرة من الاراضي التركية. ويقول الجنرال صولمازتورك ان اسرائيل لم تكلف نفسها ابلاغ الاتراك. ويمضي قائلا ان من الأسباب الاخرى “العلاقات التجارية غير الموثوقة” حين يتعلق الأمر بمعدات عسكرية. فان تركيا تسلمت طائرتين فقط من اصل 10 طائرات من دون طيار من طراز “هيرون” اوصت عليها ، وكلاهما تحطمتا خلال تحليقات تجريبية.
تركيا توازن بين الغرب والشرق الأوسط
لكن تركيا حاولت اتباع سياسة متوازنة بين حلفائها الغربيين وجيرانها الشرق اوسطيين. ويعتبر داود اوغلو عراب سياسة خارجية تركية جديدة، متعددة الأبعاد، يأمل في أن تزيد نفوذ تركيا على الساحة الدولية.  ويأتي في هذا الاطار بناء علاقات أمتن مع الجيران المسلمين. ويقول داود اوغلو ان لديه “توجسات اساسية” إزاء سياسة اسرائيل الخارجية الحالية. ويضيف “ان عملية السلام يمكن ان تُستأنف بسرعة عندما تؤخذ هذه الشكوك على محمل الجد”.
دمشق ترحّب: جاهزون لنكون الشركاء الجدد
لاقى الموقف ارتياحا في سوريا. ونقلت وكالة رويترز عن المعلم قوله “نحن نرحب بالقرار. فان هذا القرار يستند الى موقف تركيا من اسرائيل ويعكس الطريقة التي تنظر بها تركيا الى الهجوم الاسرائيلي في غزة”.
أكدت سوريا ان تركيا لا تحتاج الى البحث طويلا عن شركاء جدد تجري معهم مناورات عسكرية. وبعد المناورات الناجحة التي اجرتها قوات تركية وسورية في نيسان/ابريل ، أشار السوريون الى ان مناورات اخرى ستليها قريبا
* ترجمة بتصرف عن مجلة “دير شبيغل” – من إعداد عبد الاله مجيد
ايلاف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى