صفحات ثقافية

“زهــور وســـارة ونـاريـمــان” لـخـلـيــل صـويـلــح: حـــكـــــايــة رجـــل مــع ثــــلاث نــســـــاء

null
راسم المدهون
تكاد رواية الكاتب السوري خليل صويلح الجديدة “زهور وسارة وناريمان” الصادرة لدى “دار الآداب”، أن تكون قراءة حيّة في “ايديولوجيا الجسد” وعوالمه التي تكتنز المعرفة والحياة بأجمل تفاصيلهما. يتجوّل، ونتجوّل معه في فضاءات حسّية تشبه نوافذ هائلة الاتساع ومفتوحة على صورة الحلم بامرأة يمكنها أن تكون “المرأة النموذج”، الخالدة والمشتهاة بلا انطفاء، ولكن أيضا العاصفة بما يمكن الجسد الأنثوي أن يفعله في الروح، وأن يحقّقه في أعماقها من تغيّرات تبدو في لحظة ما هامشية وعابرة، لكنها تتكشف عن توغّل عميق في ما وراء العابر السريع الإنطفاء.
“زهور وسارة وناريمان” حكاية ثلاث نساء في حياة رجل، أو حكاية رجل مع ثلاث نساء، ينهض الجسد الأنثوي في أساسها، ونراه يصنع الحكاية ويصنع تأويلاتها على حد سواء. الرجل في الرواية نموذج خاص للشرقي الباحث عن غموض العلاقة بين الشهوة وأحلام الحب، في ما يشبه محاولة العثور عبثا على خصوصياته هو. النساء هنا مرايا بالغة الخصوصية، تعكس كل واحدة منهن فضاءات عوالم ذهنية ومتخيلة على السواء، ولكل عالم مفرداته وإن تكن العوالم الثلاثة تتكئ كلها على سطوة الجسد ولكن في تجليات مختلفة: زهور هي امرأة الجنس الفطري وشهوة البداهة في اندياحها من فجوة القمع والكبت مع زوج أعطبت رجولته شظية في الحرب فوجدت ملاذها مع المخرج السينمائي الباحث من دون كلل ولكن أيضا من دون نتائج عملية عن فيلم يحقق به وجوده الإنساني وتعبيرات كينونته. أما سارة فهي الراقصة التعبيرية في فرقة للرقص. هي فراشة الجسد أو الجسد الفراشة، المرأة التي تطمح دوما إلى تخليص الجسد من “دناءاته” من خلال تحقيق معادلة المزج بين حركات الجسد الراقص والشعر والموسيقى. إنها امرأة الجسد الحلم التي ترتفع بالجسد إلى مقامات مثالية، من دون أن يعني ذلك بالمطلق أن يهجر الجسد الأنثوي “عاداته” الجنسية الأرضية ، الدنيوية والبالغة الواقعية. أما ثالثة النساء ناريمان فنموذج الراقصة الشرقية التي دخلت أبواب الملهى الليلي قادمة من الجامعة، بعدما أعياها الصراع مع تكاليف العيش ومواجهة الفقر.
ثلاث نساء تحمل كلٌّ منهن حكايتها الخاصة وتحمل معها كيمياء المواجهة: هنا بالذات نقف على روح كل من النساء الثلاث ورؤيتهن للحياة والعالم، لليوم والغد.
يشكل الجنس مرآة لمعاينة الأفكار في مجتمع يعيش في قلب التناقض بين المرئي الواضح، والمستتر الذي يلوذ مختبئا خلف ألف قناع وقناع. الرجل الذي هو قاسم النساء الثلاث المشترك، هو في الوقت ذاته الباحث في حضوره بينهن عن وجوده الضائع، الملتبس والغامض، يعيش ساعات أيامه ولياليه في البحث عن كيفية ما لرسم صورة الواقع المحيط. يختار الصورة السينمائية وكأنه يختار بالذات تخليد اللحظة، التي نراها في الرواية تتراكم حقا بين يديه، ولكن من دون أن يتمكن من العثور على صلتها الحقيقية بالحياة أو الواقع، إذ هي تنسحب تماما ليكتشف الرجل أنه ينسحب من حياة نسائه أو ينسحبن من حياته، ليخرج خالي الوفاض باحثا عن أفق ما.
يكتب خليل صويلح حكايات الجنس القلق والذي يشبه نزفا إنسانيا أكثر من شبهه بمتعة حقيقية أو أحلام حياة واقعية مرتجاة. يقدّم نساءه في حالات بالغة الإرهاق نفسيا وجسديا ويراهن بعينين مثقلتين بالأحلام الهاربة والرؤى العبثية والمنامات الخاطفة التي لا تجد تفسيرات مقنعة. إنها رواية العالم السفلي أيضا: لا شيء في حياة النساء الثلاث يتجاوز عتبات الأحياء العشوائية إلا لماما وفي وجود موقت سرعان ما يخلي مكانه للبيت الآخر، هناك في الغرف المتجاورة وبين بيوت الفقراء والهامشيين.
حين نقرأ “زهور وسارة وناريمان” سنذهب بمخيلاتنا ، بل بعيوننا إلى ملاحظة العلاقة المنسوجة بخيوط خفيّة بين الجسد الأنثوي في تجلياته الليلية والقمع بمعناه غير المباشر حقا، ولكن الثابت والمتأصّل في النفوس والأرواح، والذي يثقل خطوات أبطال الرواية كلهم ويدفعهم نحو آفاق متباينة، إذ ينحاز العسكري المعطوب في رجولته إلى التوبة والتدين منسحبا من حياته السابقة، فيما تختار زهور الثورة على زوجها المعطوب وتحقيق “حريتها” الخاصة. أما سارة الراقصة الباحثة عن توازن بين سطوة الجسد الأنثوي والمثالية فنراها تنسحب إلى دراسة الرقص في أحد المعاهد الإسبانية على أمل غامض واهٍ في استعادة الحب يوما ما، في حين تكتشف الراقصة الشرقية ناريمان العلاقة بين الرقص الشرقي والحياة والموسيقى من خلال الإصغاء، ثم الرقص على إيقاع أغنية أم كلثوم “إنت عمري” ولكن من دون أن تتمكن من تغيير حياتها أو استعادة روحها القديمة تلك التي تركتها على أبواب الجامعة.
رواية تقوم بنيتها الفنية على لوحات تتنقّل بتكثيف بين النساء الثلاث، يرويها الكاتب بضمير المتكلّم كنوع من انحياز مسبق إلى مركزية شخصية الرجل في مواجهة النساء الثلاث. هنا نلحظ أن خليل صويلح أوصل الينا فكرته الأهم في أن الذكورة ذاتها ضحية، مهزومة وعاجزة، تماما كما هي الأنوثة المسفوحة بصور وأشكال متعدّدة ولكنها لا تعبر عن حرية حقيقية. من المهم هنا الإشارة إلى حذق الكاتب في رسم شخصياته النسائية اللواتي نراهن حقيقيات ولا تشوههن الفكرة المسبقة التي نجدها عادة في بعض الروايات العربية التي تقدم هذا النوع من العوالم الإنسانية.
الكاتب يقدّم نساءه بديموقراطية وحيادية فيترك لهن حرية التعبير عن حالاتهن. رواية مفعمة بالحس وبالمخيلة معا، ينجح الكاتب من خلالها في بنائية تحمل الكثير من التماسك وقوة التعبير والوصول إلى قارئ سيجد فيها المتعة التي تشده الى القراءة.
دمشق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى