الرئيسية » كتاب الصفحات » جهاد صالح » الخبز أم الديمقراطية؟

الخبز أم الديمقراطية؟

null
تحقيق جهاد صالح ـ هيئة تحرير الوارف ـ واشنطن
الديمقراطية أم الخبز! على أيهما تقع أولوية الخَيار في ظرفنا العاسر هذا؟ وهل يحق لنا ـ على المستوى الغريزيّ البشريّ ـ أن نختار أصلا بين إخماد عويل الجوع أم مقارعة أزيز القهر؟ أليس الإفقار والتجهيل والتهميش والعزل من صميم استراتيجية الأنظمة “الأبدية” التي تعشش على شمس بلادها فتزيد حياة شعوبها ظلامية يوما إثر يوم؟ ماهي آليات الدفع بالدولة المدنية التي تمكّن سيادة القانون والتعددية الثقافية، وتدفع باتجاه المشاركة السياسية والعدالة الاجتماعية؟ أسئلة ملحّة وجهتها الوارف إلى الأساتذة حازم صاغيّة، رضوان زيادة، وخالد يونس خالد، والأستاذة أميرة الطحاوي.
حازم صاغية، كاتب وصحافي لبناني، يقول:
“دولة القانون ستسير بنا إلى الديمقراطية والخبز معا”
لا الخبز ولا الديموقراطيّةغنيّ عن القول إن الخبز مطلب بدهيّ، والديموقراطيّ شرط لا بدّ منه للمعاصرة وولوجها. لكنّنا نستطيع أن نقول، إلى هذا الحدّ أو ذاك، الشيء نفسه عن مطالب وتطلّعات أخرى كتحرّر المرأة والمساواة بين الجنسين، أو الإصلاح الزراعيّ الذي يتيح إنشاء طبقة وسطى ينهض التحديث عليها، أو الإصلاح الدينيّ الذي يُخرجنا من عتمة العقل وعتم القلب.لكنّ التجارب، فضلاً عن الكتب، علّمتنا أن القضيّة الواحدة أقصر الطرق إلى الخراب العميم. فباسم الخبز نشأت أنظمة للاستبداد والتوتاليتاريّة غطّت رقعة مساحتها مساحة روسيا والصين ونصف أوروبا وتغلغلت إلى بقع وبؤر في القارّات الخمس. وباسم الديموقراطيّة شاهدنا تسريعاً للتاريخ أساء إلى الديموقراطيّة فيما لخّص التاريخ خيراً وشرّاً مطلقين لا يستهويان إلاّ العقل الطفل.ويذهب بي الظنّ إلى الابتعاد عن ابتسار كهذا، والتمسّك ببرنامج للحداثة والمعاصرة يستقي مدخله من حيث نحن، في هذا الشطر المنكود من العالم، ومن حيث معاناتنا. والمدخل، في ما أتصوّر، هو التصالح مع واقع الدولة الوطنيّة، الدولة – الأمّة، بوصفه البديل من الايديولوجيات العابرة للدول، عروباتٍ وإسلامات، والبديل، في الوقت عينه، من الولاءات التي هي أدنى من الدولة، طوائفَ وعشائر.فالدولة الوطنيّة هي وحدة التداول السياسيّ، كما العملة وحدة التداول الماليّ، والكتاب وحدة التداول الثقافيّ. وهي ما يصالحنا مع العالم المعاصر الذي أنشأه الاستعمار دولاً رفضناها ورفضنا حدودها “المصطنعة” تبعاً لرفضنا حاملها. ومن دون الدولة تبقى الشعارات الأخرى، ديموقراطيّة أم خبزاً ومساواةً جندريّة أم إصلاحاً دينيّاً وزراعيّاً، مثل النقود حين تودَع في جيب مثقوب. فلنرتق الجيب ولنبنِ الدول العربيّة، عازفين عن “وطن كبير” مزعوم وعن قضيّة “أولى”، ساعين إلى أن تكون دولة قانون تسير بنا إلى الديموقراطيّة وإلى الخبز وغيرهما. وهذه جميعاً آمال عراض لا تتحقّق بين يومي سبت وأحد.
الكاتبة والصحافية المصرية أميرة الطحاوي
‘الخبز واللحم مقابل الصوت الانتخابي، ديمقراطية الفقراء واستغلالية رجالات السلطة”
يحتفظ الناس في مصر برد عفوي للرئيس مبارك عندما سألوه عمن يدفعون للمواطنين مقابل التصويت لهم في الانتخابات النيابية “خدوا فلوسهم..  وبعدين انتخبوا إللي عايزينه” .. ليس حلا. كما أنه لم يجرم الأمر. لكنه تسليم بتقليد استعاد عافيته مع تدهور الأوضاع الاقتصادية في بلد عرف التجربة الانتخابية مبكرا في القرن العشرين، كان فقراء مصر في انتخابات الفترة الملكية (1921-1952) يعتبرون التصويت للساسة الذين يقتنعون بهم واجبا حتى لو يرد هؤلاء السادة الجميل بنظرة عطف لهم بعد الفوز، لكن الاختيار كان أوضح وقتها: مرشح الحزب الذي ينادي باستقلال وسيادة مصر وتغلب المسألة الوطنية عما سواها في فرز المرشحين  مقابل مرشح مقرب للملك أو الاحتلال.. الآن ومنذ التسعينات  تجد مثلا السلطة التنفيذية في مصر تعيد توزيع بعض الدوائر الانتخابية لتشمل بعضها مناطق أكثر فقرا وتهميشا، فيصبح من السهل شراء الأصوات بديلا عن تزويرها، التزوير لم ينته.. بعده مستمر وعلني لكن الفارق أنه صار محور رصد وتسجيل وتشهير بسمعة النظام أيضا من قبل الإعلام والمنظمات الأهلية والدولية ذات الصلة: مع بدء عمليات مراقبة الانتخابات منذ العام 1995 وبشكل أكثر تنظيما ثم إصدار تقارير مراقبة من جهات حقوقية مختلفة وترجمتها ونشرها عالميا، عاد شراء الأصوات كخيار مفضل لدى بعض المرشحين فإثباته لا يعيبهم “نحن نساعد أهل منطقتنا” كما أنه لا يُسقط العضوية إن فاز المرشح.ليس من السهل في بلد كمصر أن تحكم على سلوك مواطنيه التصويتي؛ قد يعطي الناخب صوته لمرشح نكاية في مرشح آخر، ربما يصوت المواطن لمن يعتقد أنه أكثر صلاحا وتدينا ظنا إنه سيكون أكثر نفعا ودفاعا عن المهممشين ومراعاة لحقوقهم، في انتخابات 2005 الرئاسية انتخب الكثيرون أيمن نور، مؤسس حزب الغد “الليبرالي” لكن ليس كل من أعطاه صوته ليأتي ثانيا بعد مبارك، وإن كان بفارق كبير، هو مؤمن بأفكاره حول التغيير السياسي والاقتصادي..الفقراء الذين وعدهم نور براتب بطالة مثلا يبلغ 150 جنيها شهريا هم أول من يعرف جيدا أن هذا المبلغ لن يكفي حياة كريمة أو لنقل حتى “متعففة” مع الصعود الجنوني في أسعار تكلفة الحياة. أن تعطي للناخب الحق في الإختيار بين أكثر من مرشح، وأنت مدرك جيدا أن هناك من يصوت على أساس ثمن الخبز بمفهوم الكلمة المباشر..بضعة جنيهات، أو من يعطيه رغيف خبز وبعض اللحم، هذا آخر ما يمكن أن يتوقع من تطبيق حرية الاختيار وساعتها لا يصبح للحرية السياسية معنى أو قيمة.
الدكتور رضوان زيادة :باحث سوري وزميل زائر في مركز كار لسياسات حقوق الإنسان  في جامعة هارفرد
“الديمقراطية والتنمية الاقتصادية متلازمتان لأجل مجتمعات حضارية”
لابد من القول – في البداية- إلى أن معظم الدراسات الجدية التي أشارت إلى وجود علاقة متبادلة إيجابية بين التطور الاقتصادي والديمقراطية والتي كان رائد هذه النظرية ومؤسسها مارتن ليبيست  قبل خمسٍ وأربعين عاماً وتتلخص في أنه ” كلما كان حال الأمة أفضل كانت فرص تعزيز الديمقراطية أعظم”، وقد برهن ليبسيت على أن الديمقراطيات عموماً تكون أقرب لأن يكون مستوى تطورها الاقتصادي أعلى من اللاديمقراطيات. وقد تابعه فيما بعد الكثير من الباحثين سيما أولئك الذين احتفظوا بانتقادات جادة للديمقراطية انطلاقاً من المنهج الاقتصادي أو الماركسي، لكن، سيفل ووينستين وهالبرين حاولوا إعادة قلب المعادلة وإعادة طرح النظرية بمنطقٍ مختلف وهي “لكي تتطور الدول الفقيرة اقتصادياً ينبغي عليها أن تصبح ديمقراطية”،وهكذا ناقض سيفل ورفاقه النظرية القائمة على أسطورة “التنمية أولاً” التي نادى بها كما قلنا من قبل سيمور مارتن ليبسيت، فقد نمت الديموقراطيات الفقيرة بسرعة توازي على الأقل سرعة نمو الأوتوقراطيات الفقيرة كما بين بحث سيفل ورفاقه وتفوقت عليها في الأداء تفوقاً كبيراً حسب معظم مؤشرات الرفاهية الاجتماعية، كما تفوقت هذه الديمقراطيات كثيراً في مجال تجنب الكوارث. لقد أدت نظرية ليبسيت إلى تخليد الاستبداد، كما أنها أعطت مبرراً حقيقياً للغرب لمساندة الحكومات الاستبدادية التي كانت خارج سيطرة الاتحاد السوفيتي ليحول دون تحولها إلى شيوعية ،وكتبرير قائم على أن الحكم السلطوي يخلق بنية اقتصادية وصناعية قوية في بيئة اجتماعية وثقافية هشة. بيد أن السجل الاقتصادي السيء للحكومات العسكرية في دول أمريكا اللاتينية والحكومات الدكتاتورية في أفريقيا والدول الشيوعية في أوربا الشرقية وآسيا أسقط الهالة النظرية التي أحاطت بنجاح بعض الأوتوقراطيات في شرق آسيا خاصةً في سنغافورة وكوريا الجنوبية وتايوان وحديثاً الصين، فارتفاع نسب الفقر إلى درجة السقوط في المجاعة والإخفاق في السيطرة على نسب البطالة والفشل الصحي المتمثل في انتشار الأمراض الوبائية والجائحة جعل الكثير من الباحثين ينتهون بعد مقارنة طويلة بين الدول الديمقراطية ذات الدخل المنخفض وبين نمو الدول ذات المنخفض وتحكمها حكومات سلطوية إلى أن الديمقراطيات ذات الدخل المنخفض قد نمت بالمتوسط بسرعة توازي سرعة نمو الأوتوقراطيات ذات الدخل المنخفض خلال الأربعين سنة ماضية، كما أن متوسط معدلات نمو الدخل الفردي في الديمقراطيات الفقيرة كان أعلى بخمسين في المائة من مثيلاته في الأوتوقراطيات الفقيرة، فالبلدان التي اختارت الطريق الديمقراطي مثل جمهورية الدومينيكان، والهند ولاتافيا وموزامبيق والسنغال قد سبقت نظيراتها الأوتوقراطية مثل أنغولا، وجمهورية الكونغو، وأوزبكستان ، وزيمبابوي، وتصبح الأفضلية هذه أكثر وضوحاً عندما ينتقل النقاش من معدلات النمو إلى المقاييس الأوسع للرفاهية من حيث قياس المؤشرات الاجتماعية مثل متوسط الأعمار المتوقعة، وتوفير ماء الشرب النقي، ومعدلات التعليم، وناتج الغلال الزراعية، ونوعية الخدمات الصحية العامة. وبذلك يمكن القول بثقة أن الفرضية القائمة على جدلية “التنمية أولاً”، والتي تزعم أن الديمقراطية ستتبع آخر الأمر التقدم الاقتصادي، وبالتحديد حين يصل مستوى الدخل إلى المستوى المتوسط مما يدعم بناء الطبقة الوسطى،وهو بدوره سيجعل عدد متزايد من المواطنين رفيعي الثقافة يطالب بمشاركة سياسية أكبر وهو ما سيقود في النهاية إلى تحول ديمقراطي ناجح، هذه النظرية منيت بفشل ذريع لأن عدد محدود جداً فقط من هذه الدول السلطوية قد استطاع بلوغ مستوى الدخل المتوسط من بينها اسبانيا والبرتغال واليونان والتي يعود تحوّلها الديمقراطي إلى أسباب أوسع بكثير من تأثير نخبة طبقتها الوسطى، وهذا يعني أن الدول ذات الأنظمة السلطوية لم تفشل فقط في تحقيق المشاركة السياسية وبناء المؤسسات الدستورية المستقرة وإنما فشلت أيضاً في تحقيق النمو الاقتصادي الذي تتذرع به من أجل عدم تحقيق الديمقراطية.
د. خالد يونس خالد: باحث وأديب عراقي – السويد
“المجتمع المدني الديمقراطي يُشعر المواطن بمواطنته ويدفعه إلى الإنتاج وتحقيق الرفاهية”
قال الفيلسوف البريطاني (برنتراند راسل) الحائز على جائزة نوبل في الآداب: ‘‘على المرء أن يحترم الرأي العام بالمقدار الذي يبعده عن الجوع والسجن. الاحترام الزائد عند ذلك هو استسلام طوعي للاستبداد‘‘. وعليه لابد من المواجهة، كما قال فولتير: ‘‘كل من ليس حيوياً ومستعداً للمواجهة فهو لا يستحق الحياة وأعتبره في عداد الموتى‘‘.    هنا يطرح سؤال نفسه: أية مواجهة  في هذه الحال؟  هل هي ممارسة العنف؟ بالتأكيد لا، لأنه لا يمكن ممارسة الحرية في مجتمع مدني يحكمه العنف، سواء كان هذا العنف سيكولوجيا أو فيسيولوجيا.     هل هي الاستسلام؟ بالتأكيد لا أيضا، لأن المجتمع الحر هو المجتمع الذي يشعر بالأمان، في حين أن الاستسلام نوع من أنواع الذل والاستعباد. وقد أكد الفيلسوف الإيرلندي (برناردشو) بهذا الصدد، أن ‘‘الحرية هي المسؤولية، لذلك يوجد رجال يخشونها‘‘. وأكد المفكر (ألكس دي نوكفيل) أن ‘‘الطغاة أنفسهم لا ينكرون محاسن الحرية، ولكنهم يرغبون في الاحتفاظ بها كلها لأنفسهم‘‘.     هنا يطرح السؤال الملح نفسه: هل نحن بحاجة إلى الخبز والأمن الغذائي والإقتصادي أكثر من احتياجنا للحكم الرشيد والديمقراطية والمساواة داخل المجتمع أو يجب قبل كل شيء تحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية ودمقرطة الدولة لأجل مجتمع اقتصادي متطور يوفر للمواطن الفقير الخبز والماء والهواء؟ وما هي آلية تحقيق الديمقراطية والرفاه الإقتصادي داخل أوطاننا الشرق اوسطية؟في الحقيقة والواقع أن الديمقراطية والسلام توأمان لا ينفصلان. والسلام لا يتحقق في مجتمع القهر الاجتماعي والإقتصادي، لأن إشباع الحاجات الأساسية للمواطن ضرورة ملحة لإستقرار المجتمع. ومن أجل ذلك لابد من حق ممارسة الحرية على أساس أنها مسؤولية فردية واجتماعية.  فإذا فكر الإنسان بالحرية وهو جائع تنعدم الطمأنينة، وبانعدام الطمأنينية تسيطر الفردية والأنانية على المواطنين، فيؤدي بهم إلى الهروب من الحرية كما قال السوسيولوجي أريك فروم في كتابه ‘Escape from freedom       وعليه نوجز القول، أنه عندما يكون الإنسان في مجتمع مدني (ديمقراطي) يشعر بمواطنته، ويعرف حقوقه وواجباته، فيمارس الحرية، وفي هذه الحال يساهم في الإنتاج حتى يكون عضوا كامل النمو في المجتمع، لا أن يكون تُرسا في آلة. إنه يرفض أن يكون جائعا لأنه ينتج، ويرفض أن يكون عبدا لأنه حر، ويرفض الاستسلام لأنه يمارس حقوقه وواجباته. رفاهية المجتمع المدني المستقر والسلمي هي رفاهيته أيضا، وهو يعتز بها ويدافع عنها لأنه جزء مسؤول في المجتمع. ولهذا ينبغي أن تتوفر الطمأنينة في المجتمع إلى جانب الحرية، وهذه الطمأنينة يجب أن تكون اجتماعية واقتصادية مثل السويد مثلا.    إذن  من اجل أن نحقق الديمقراطية على أساس أنها شيئ عقلاني في النهاية لابد من تحقيق العدالة في إطار السلام.  ومن هنا يعتبر غاندي أن “الشرط الأول لعدم العنف هو العدالة في كل ناحية من نواحي الحياة. إن عدم العنف هو التحرر من الخوف، ذلك أن العنف ليس سوى الوسيلة للصراع ضد سبب الخوف”.    لنرجع إلى الأذهان كلمات المربي الأميركي مارتن لوثر كنج في خطبته الشهيرة بتاريخ 3 أبريل/نيسان 1968 ‘‘لقد آن أوان تحقيق وعود الديمقراطية، لقد آن أوان الخروج من ظلام ووحشة نفق التفرقة، إلى ضوء طريق العدالة لمختلف العناصر. لقد آن أوان الإرتفاع بشعبنا من وعث الظلم العنصري إلى هضبة الإخاء الصلبة. لقد آن الأوان أن نجعل العدالة حقيقة لكل أبناء البشر‘‘. إذن المهمة تقع على عائق الأنسان، وأهم حق من حقوق الأنسان هو حق المعرفة، ‘‘فلا يستطيع أحد ركوب ظهرك إلاّ إذا كنت منحنيا‘‘.      أبدع التربوي البرازيلي باولو فرايري في دراسته التربوية لحياة المظلومين في مجتمعات العالم الثالث، كما جاء في كتابه ‘‘تربية المظلومين‘‘: “هناك مَن يخاف من الحرية، وهناك مَن لا يرى في التغيير رمزا للحياة بل رمزا للموت والفناء. حقا هو يرغب في دراسة التغيير ولكنه لا يرغب في دراسته من أجل تطويره بل من أجل وقفه”. وقال: “فالحرية ليست مطمحا يعيش خارج الإنسان أو فكرة تتحول إلى أسطورة وإنما هي في الحقيقة ضرورة لا غنى عنها من أجل كمال الإنسان . . . من أجل التغلب على ظروف القهر فإنه يتعين التعرف على أسبابه حتى يتمكن من تطوير موقف جديد يحقق فيه إنسانيته الكاملة”.  وأخيرا أقتبس حكمة رائعة من الحكيم الصيني كونفوشيوس وهو يسجل في كتاب (الأغاني) حوارا بينه وبين (تزه-كونج) عن المجتمع والحكم. ‘‘يحدد كونفوشيوس في بداية الحوار مهمة الحكومة أية حكومة، ودورها في تحقيق ثلاثة أمور: أن يكون لدى الناس كفايتهم من الطعام، وكفايتهم من العتاد الحربي، والثقة بحكامهم. ويسأل (تزه-كونج) كونفوشيوس عن الأمر الذي يمكن التخلي عنه أولا فيما إذا كان لابد من الاستغناء عن أحد الأمور التي على كل حكومة تحقيقها؟ ويجيب كونفوشيوس أن الأمر الأول الذي يمكن التخلي عنه هو العتاد الحربي. ثم يسأل (تزه-كونج) عن أي من الأمرين الباقيين يمكن التخلي عنه أولا؟ فيجيب كونفوشيوس قائلا: فلنتخل عن الطعام، ذلك أن الموت منذ الأزل قضاءً محتوما على البشر. أما إذا لم يكن للناس من ثقة بحكامهم فلا بقاء للدولة”.
الرغيف والديمقراطية أملنا وحلمنا في الحياة المدنية القادمة
هذه هي حالة المجتمعات في معظم دول الشرق الأوسط والبلدان الفقيرة، الجائعة للعدالة والخبز، فكيف سنشيد أوطانا ومجتمعات مواطنية وديمقراطية  والمواطن لا يتلقى الغذاء الكافي، ولا احتياجاته الطبيعية  كغيره من شعوب العالم المتحضر، ولا يستطيع أن يكون فردا فاعلا وهو مُهمّش ومبعد عن الحياة السياسية والمدنية والاقتصادية، حيث تحصر العملية الاقتصادية بنخبة على حساب الدخل الفردي والوطني.إذا الغذاء والخبز أساس المجتمع الحر الديمقراطي، وثقافة الديمقراطيات والحريات المدنية يمكنها أن تؤمن احتياجات المواطن في ظل التوزيع العادل للثروات وتأمين فرص العمل والاقتصاد المتطور والقوي، نحن بحاجة إلى الديمقراطية والرفاه الاقتصادي معا، فلا حياة دون خبز وماء، ولا خبز ورفاهية دون عدالة ومساواة بين الجميع،  وهذه هي الديمقراطية الحقيقية.
موقع الوارف

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.