صفحات مختارة

الديكتاتورية الذكية

فؤاد أبوحجلة
في البدء يتحتـّم علينا أن نعتبر نظام الحكم في البلاد العربية نظاما ً ملكيا ً وهو بالفعل كذلك حتى يكون بالمقدور فهم الديكتاتورية الذكية، ومسألة الحكم الرشيد، ويجب علينا في مستهل الكلام أن نعتبر (فـَرَضا ً) أن هذه النظم حسنة النية تجاه بلدانها، وأن الفساد، والتقهقر المُجتمعي، والتبعية سياسيا ً وفكريا ً للغرب ما هي إلا نتاج عهود من التخلف والجهل رسّخها الإستعمار، وأن الآليات التي تـُطبقها النُظم هي آليات أفرزها واقع الحال للإنــــتقال من البداوة والعشـــائرية إلى المدنيــــة، ومن المــــركزية إلى الديمقراطية، ومن مجتمع الفلاحة إلى مجتمع تقني وصناعي وخدماتي يواكب التطورات الحاصلة دوليا ً…
تـٌحيلنا هذه المُقدمة (الفرضية) إلى عصور التكاتف والتعاون بين الملكية في أوروبا وبين الإقطاع، ومن ثم بين الملكية وبين البرجوازية الصناعية وصولا ً إلى ثورات عمّدت بالدم بداية النهضة الصناعية والديمقراطية في الغرب، ومن هذه الدول الصناعية المتطورة من اعتمد نظام الملكية الصورية، وآل الحكم في النهاية إلى أفراد من أحزاب بعينها يُمكننا القول إنها جائت من بين ظهراني الشعب وكفى، ولا شأن لنا إن كان السياسيُ المُنتخـَب في هذه الدولة أو تلك جاء من الطبقة البرجوازية أو التكنوقراطية أو من عامة الشعب، والمهم هنا أنه ليس بملك، وسوف يرحل ذات يوم!!
هكذا نرى بوضوح الشعوب العربية وهي ترزح تحت حكم سياسي يُشبه حكم الملكية والبرجوازية الصناعية في مبتدأها في الكثير من دولنا، وما تبني النهج الديمقراطي الصوري إلا من قبيل الديكتاتورية الذكية، سواء جاء هذا النهج بدفع شعبي مدروس ومؤثر كما في المغرب، أو جاء بإيعاز من الدول الكبرى، كي تـُخفف من انتقادات الشارع الغربي الديمقراطي لساسة هذه الدول التي ترعى النُظم الديكتاتورية، وخير مثال على ذلك ما حدث في السعودية التي أحدثت مجالس للشورى بدافع من ركوب الموجة ، ولكنها ديمقراطيات ما زالت في المهد، ويجب عليها أن تعيش وتتعايش في بيئة خطرة نوعا ً ما، وتحيق بها أفكار متضاربة ومُختلفة من كل جانب، وعليها فقط أن تحافظ على كينونتها حتى يشتد عودها.. نقول ذلك يأسا ً من إحداث تغيير جذري شامل وإيجابي بتكاتف الشعب مع القيادة، وخوفا ً من الفوضى التي قد تعصف بالمجتمعات العربية إذا ما بدأت البيانات الأولى في الهطول من شخوص يعتلون ظهر دبابة، ويأتون إلى الحكم مدججين بأفكار مُجنحة يعتورها الفتور في فترة قياسية وترتدي لبوس الديكتاتور في آخر المطاف!
نحن إذن بين مصدرين للحل، إما ديكتاتورية ذكية أو ديكتاتورية غبية، وأعتقد أن الغالبية تفهم المقصود بالديكتاتورية الغبية، وعلينا من الآن فصاعدا ً ان نتناول الديكتاتورية الذكية بالدرس والتمحيص وصولا ً إلى توصيف حالة يكون بمقدورها الوصول بالمجتمعات العربية إلى بر ٍ آمن!
مصطلح الدكتاتورية الذكية جاء على لسان النائب عن حزب العدالة والتنمية المغربي المُقريء أبو زيد الإدريسي، وهو مصطلح تعتمد فيه الدولة إدماج الأحزاب السياسية تحت عبائتها، ثم إضعاف هذه الأحزاب ومن ثمّ تهميشها، وبما أن النظام الحالي يعتمد في أغلبه سياسة التهشيم وإلغاء الآخر وإقصائه بالمعنى الحرفي والمجازي للكلمة، فإن وقع التهميش على الأذن أقل وطأة من التهشيم، ويُبشـّر بنوع من الحوار أو الحواريات بين الحزب والدولة وكمحصلة بين المواطن والدولة، حوار يرتقي أحيانا ً ويهبط في أحايين كثيرة، يعتمد لغة التعبئة الجماهيرية طورا ً وطورا ً يتحدث بلغة الأرقام والوثائق، تتقبله الدولة بأريحية أو ترميه في سلة المهملات، وهذه البيئة هي من وُجهة ٍ ما صحيّة من حيثُ أنها تؤسس لممارسة ديمقراطية قد تؤتي ثمارها ذاتَ يوم بين خطين متوازيان: خط النظام الديكتاتوري المُخـَفف، وخط المعارضة العصية على الإدماج والإنضواء والتدجين، وقد ينشأ من هذه الثنائية جيل من القادة الديكتاتوريين خفيفي الظل كقادة فنزويلا، وبوليفيا، وكوبا، يصلون بنظرتهم الإستشرافية إلى استحالة حكم الشعب بالقمع، وإنما بميزان حساس يميل نحو الديمقراطية شيئا ً فشيئا ً، وفي الخط المتوازي الثاني ينشأ جيل من التنويريين الشبان، يقع على عاتقه تقنين التجربة الديمقراطية ومأسستها بحيث تتعوّد الأجيال الشابة على المشاركة الفعلية في الحياة السياسية، بعيدا ً عن الخوف والإرهاب والتكميم..
لا يُمكن لأي نظرية سوسيولوجية أن تحيط بالواقع العربي الحالي بكافة أطيافه، وتندغم في إطارها جميع أطياف المُجتمع وتتعايش فيه بشكل سلمي، وإيجابي، لاحتواء بُنية العقل العربي على أصول لا يُمكن نكرانها مثل دور الدين في الحياة، وفروع جمّة مثل التجربة السياسية منذ صدر الإسلام والتي رسخت منهج الشورى والعدل بشكل غير مسبوق وغير ملحوق، ولكنها سرعان ما تشرذمت منذ مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه، وارتدت عباءة الملكية الوراثية على يد معاوية بن أبي سفيان، بيد أن هذه التجربة من المرارة بحيث لا يرضى بها حتى أصحاب الرؤية الإسلامية لنظام الحكم، وعلينا أن نعي تماما ً أن التعصب القبلي، والإنتماء إلى شخوص بعينهم تسربلهم هالة القداسة لا يمكن أن يؤتي ثمارا ً لأن في هذا الإتجاه تغييب للعقل والمنطق، وخروج من المصلحة العامة للمسلمين إلى دروب ضيقة لا تؤدي إلا إلى مذهبية ستجر ويلاتها على الأمة كافة.
ولو أخذنا مثالا ً آخرعلى ذلك التجربة الإشتراكية الناصرية لاتضح لنا على الفور أن جمال عبدالناصر لم يعتمد المنهج الإشتراكي بشكله المُطـــلق والذي يتنافي بدوره مع بُنية المجتمعات العربية الفــــكرية والروحية، وإنما تبنى الخطوط العريضة للإشــــتراكية على أن تحتوي النظرية الدين والقومية، والعادات والتقاليد بتطبيق ناصري مُبتكر يجمع تحت عباءته كل الأطياف، وربما لأجل تلك الجزئية في تطبيق الإشتراكية ظن الإخوان المسلمون أن ناصر يخطب ودّهم، و وكذلك ظنّ الشيوعيون، بيد أنهم جميعا لم يعوا خصوصية تلك التجربة ولا خصوصية تطبيقها فحدث بينهم الشق الذي قاد الوضع بينهم وبين نظام ناصر إلى الإنفجار والقطيعة، ولا زالت مرارة التجربة عالقة حتى يومنا هذا في أذهان الكثيرين.
إن العالم العربي بالدرجة الأولى، والعالم الإسلامي بدرجة أقل يحتاج إلى مركزية عاقلة في البدء حتى يتسنى له الصعود درجة درجة في سُلـّم الديمقراطية، وحتى ولو تم تبني الديمقراطية بمفهومها وتطبيقها الغربي فإن هذا التبني لن يصلح لمجتمــــعاتنا التي لم تــــتأهل عقليتها تماما ً لتبني هذا المنهج، وإنما تحتاج إلى تقـــــطير هــــذه الأفكار في مفاهيمها للحياة، والتدرّج في وصف الدواء حتى لا تحدث أعراض مرضـــية جانــــبية تطـــيح بهذا النهج في مبتدأه، وخير مثال على ذلك التجربة الديمقراطية في الأردن، حيثُ ألبست منذ تبنيها لبوس العشائرية، وخاض غمارها أرباب رؤوس الأموال، وأضحى لقب النائب في مجلس الأمة حُلية يُزينون بها صدروهم، وتعني فيما تعني قوة وهيبة العشيرة الفلانية أو نفوذ العائلة تلك!
من هنا وجب الإهتمام بمصطلحات سياسية واجتماعية أخرى تؤسس لمشاركة فعلية في ديمقراطية مُبتكرة (مُفصّلة على مقاس العرب!) عمادها الشباب المتفتح والتنويري، وعلى رأسها مركزية عاقلة ( كمركزية عبدالرحمن سوار الذهب في السودان) تأخذ على عاتقها الإشراف على سير هذا النهج الجديد ووضع موازين دقيقة ومفهومة لدى الناس لتقييم مدى نجاح هذه التجربة الوليدة..
إن هذا الأسلوب (الحكم الرشيد) في التعامل مع التجربة الديمقراطية قد يُجنـّب المجتمعات العربية ما يُمكن تسميته الصدمة الحضارية، أو الفوضى في حالة رحيل الديكتاتور الغبي، وقد يؤتي ثماره المرجوة في المدى المنظور إذا ما سار على النهج القويم دون عوائق أو منغصات داخلية أو خارجية.

‘ كاتب من الأردن
القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى