صفحات سوريةياسين الحاج صالح

أميركا الشرق أوسطية ونحن … الأميركيون!

null


ياسين الحاج صالح

لا يسع الولايات المتحدة أن تصمم شرقا أوسط كبيرا أو واسعا دون أن تمسي دولة شرق أوسطية. وإن كان من حصيلة عينية حتى الآن للمشاريع الأميركية فهي المزيد من تحول أميركا إلى دولة شرق أوسطية، والقليل جدا مما يتجاوز السطح من أمركة المنطقة. ومنذ الآن يعني هذا الواقع أن تحولا أساسيا في المنطقة مشروط بتحول أساسي في العلاقة الشرق أوسطية، التي تقوم على هيمنة أميركية متعددة الأشكال فيها.

لا أفق لذلك اليوم. إن حجم المصالح الاقتصادية والرهانات الجيوسياسية والتفاهمات الأمنية والديبلوماسية بين دول المنطقة والأميركيين هائل بحيث تبدو العلاقة الشرق أوسطية مرشحة فقط لمزيد من التشابك والتعقيد. فإذا شنت الولايات المتحدة حربا جديدة، على إيران أو غيرها، تعمقت صفتها الشرق أوسطية. وإن لم تخض، لم تكد الصفة هذه تخسر شيئا من العمق. ولا يبدو أن ثمة مخرجا من هذا التشابك المعقد والمصيري الذي يقترن بتباعد عاطفي ونفسي متنام. في سنوات ما بعد احتلال العراق زاد مقت أكثرية العرب لأميركا بعد أن لم يكن قليلا قبله. وفي السنوات نفسها، أو منذ 11 أيلول (سبتمبر) 2001، زاد احتقار الأميركيين لنا بعد أن لم يكن ضعيفا قبل ذلك.

في المحصلة نحن أسرى كره للأميركيين، يفاقمه شعورنا بالحق وعجزنا، وهم أسرى غرورهم واحتقارنا وشعورهم الزائف بأنهم أمة لا كالأمم، أمة أخلاقية وغيرية. ويبلغ من عمق هذه العلاقة الفاسدة والمهلكة أنها خرجت من مجال السياسة إلى مجال الثقافة منذ عقود، وهي منذ قرابة عقدين تتربع في مجال الدين ذاته. هذا يعني أنها أضحت علاقة غير عكوسة، غير قابلة للإصلاح.

وهذا تشابك لا يفضي إلا إلى شر عميم. وهو يبدو الآن مندفعا نحو الأسوأ دون أن يكون ثمة ما يحد من اندفاعه. ونرجح أن العجز عن إصلاح العلاقة واستحالة الانفصال بين الطرفين سيجعل أي تطبيع في المنطقة غير ممكن، ما يعني منطقيا أن أي تغيير جدي فيها ينبغي أن يستهدف نظام الهيمنة ككل. هذا أمر بالغ الصعوبة، ومن غير المتصور أن يتحقق في المدى المتوسط، دع عنك المدى القريب.

وأحد وجوه تعذر التغيير في المنطقة يتصل بحقيقة أن أميركا التي مثلت نموذجا إيجابيا يمكن التماهي معه بخصوص بلدان أوروبا الشرقية وقبلها ألمانيا، وبدرجة ما اليابان، هي نموذج فاسد وأناني في المنطقة العربية. فاسد وأناني بحق، وليس بفعل دعاية جائرة من إسلاميين أو قوميين أو يساريين عرب. وما من لعبة علاقات عامة يمكن أن تتدارك ذلك إن لم تندرج في إصلاح جذري للعلاقة الأميركية الشرق أوسطية، إصلاح يبدو الأميركيون عاجزين عنه قدر عجز العرب عن فرضه أو الدفع نحوه.

خلافا لما تفضل أن تتصور نزعة العداء العربي لأميركا فإن «الشرق الأوسط»، وبالخصوص قلبه العربي، البترولي والإسرائيلي، يعاني من قصور «الأمركة» لا من فرطها، أو من اتخاذها شكلا امبرياليا وعسكريا وأمنيا، مع ضمور مفرط لعناصرها الحقوقية والاقتصادية والسياسية. وخلافا لما يحب الأميركيون أن يعتقدوا فإن القيم التي وجهت حربهم ضد النازية الألمانية أو القومية العسكرية اليابانية متعارضة تماما مع القيم التي وجهت الحرب ضد العراق أو العلاقة الغرامية الملتهبة مع إسرائيل. لقد هزم الألمان واليابانيون، لكن النموذج الأميركي استطاع أن يكون مهيمنا دون صعوبة، ربما لأن مواطني تلك البلدان شعروا بقربه منهم واحترامه لهم. ليس الناس عندنا مختلفين، لكنهم لم يلمسوا يوما ذرة احترام واحدة. والتحريم الذي أحيط به الهولوكوست و»معاداة السامية» يمنع الأميركيين، والغربيين بعامة، من إصلاح أسوأ أخطائهم السياسية والأخلاقية. وهي كبيرة وهائلة إلى درجة انه لا غنى عن حجاب أخلاقي سميك جداً من أجل تغطيتها وحجبها عن الأنظار. هذا ما يجعل الأمر أكثر إيذاءً للعرب. فكل وضاعة تمارس ضدهم تجد فورا تبريرا أخلاقيا ساميا. هل يبدو أن القوم يخدعون أنفسهم؟ هذا ما يفعلونه حقا. لو استطاعوا التغلب على التحريم ورفع الحجاب الأخلاقي السميك، لربما تبدت علاقتهم الدافئة جدا بإسرائيل من صنف السكوت على النازي لا من صنف مواجهته.

لم تفض الحرب العراقية إلى تغيير إيجابي في المنطقة. ليس فقط لأن دوافعها كانت أنانية، ولأن خوضها كان غير شرعي، ولأن كثيرا من الكذب مورس لتبريرها، ولكن لأنك لا يمكن أن تعطي الديموقراطية، على افتراض أنه يمكن إعطاؤها، لمن لا تحترمهم. ولم نكن محتاجين لأبو غريب من أجل معرفة ذلك. لكن أبو غريب كان تثبيتا لما هو ثابت، الدمغة التي لا تمحي لعلاقة لا تنصلح.

ثم إن الحرب أفضت إلى مزيد من انسداد الآفاق الفكرية والقيمية والنفسية في المنطقة قبل حتى إحكام انسداد آفاقها السياسية. لقد هزم الأميركيون النظام العراقي، لكنهم لم ينتصروا. وهم مؤهلون لإلحاق الهزيمة بأي خصم في المنطقة بالدلالة العسكرية للهزيمة. لكنهم عاجزون عن النصر. السبب بسيط. النصر سياسي، والأميركيون يرفضون السياسة، لأنهم يرفضون الندية مع أي طرف في المنطقة. يرفضون التفاوض والمساومات والحلول الوسط.

لكن ما نتيجة ذلك؟ إن دولة هي الأعظم في العالم تأسر نفسها في الاحتقار والنرجسية والغرور فترفض السياسة، فتعجز عن النصر، فتخسر. تخسر لأنها تملك كل مؤهلات تحقيق النصر، عدا المؤهل الأثمن: التواضع والتعاطف والاحترام. بالمقابل لا يملك العراقيون، ولا يملك العرب، أيا من مؤهلات النصر، لكن يستحيل أن يهزموا هزيمة نهائية. هذا لأننا، بفضل من الأميركيين لا بفضل منا، عادلون؛ أو لنقل إننا في موقع العدالة دون أن نكون عادلين.

أية حرب جديدة تنشب في المنطقة، وليس ثمة ما يشير إلى أن الأميركيين استوعبوا أي شيء من حربهم الأخيرة، ستكون لها نتائج في الاتجاه نفسه. والاشتباك قد يتحول إلى التحام نهائي. ومن ثم إلى إصابة الأميركيين باللعنة الشرق أوسطية التي تسببوا هم بها، أي التخبط وانسداد الآفاق والاستثنائية. أما نحن فمن غير المحتمل أن يكون حالنا أسوأ، ربما بالعكس نأخذ شيئا من أميركا وننهض. كأنما شرط «تأمركنا» هو أن تعلق أميركا عندنا، وتبقى مشلولة.

خاص – صفحات سورية –

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى