صفحات مختارة

عالم أفضل» يبنيه الأميركيون: الرواية بديلاً عن الواقع

null

نهلة الشهال

علّقت الإدارة الأميركية على اغتيال عماد مغنية، أحد ابرز القادة العسكريين لحزب الله، باستخدام جملتها السحرية والغامضة: «سيكون العالم أفضل من دونه»، وهي صيغة باتت معتمدة من الإدارة إياها للإحاطة بأحداث مشابهة، وقد استخدمتها تكراراً بخصوص العراق بينما كان الواقع ينحدر بسرعة نحو الجحيم.

يثير الأمر عدة نقاط:

توحي العبارة بأن ثمة ورشة جارية لإصلاح العالم، لجعله أفضل. وتُحسب كل إضافة أو إزالة حاصلة في السياق، كنقاط ايجابية أو سلبية تخص ذلك الجهد الهندسي، يقيّمها ملاحِظ أعلى يمتلك الخرائط. ومذاك، يتحول «العالم» إلى ساحة تجيز التدخل الفاعل كي يتم تطبيق الخرائط وتنفيذها. أما التقرير الناجم عن التدخل فيرتكز إلى علم مكنوز في بطن صاحبه: أفضل، أسوأ… وهكذا. لقد بتنا بعيدين تماماً عن فلسفة التقدم المتبلورة عبر التاريخ، والتي تمتلك على الأقل قوانين ومقاييس تصلح كمرجعيات موضوعية. فكيف يكون العراق مثلاً اليوم «أفضل»؟ أفضل من نظام صدام حسين، تعلو أصوات موضِّحة. وهل مصير العراق محكوم جبراً بالخيار ما بين كارثتين؟ ثم من يقرر الأفضل والأسوأ، وما رأي مئات ألوف القتلى على الهوية الطائفية أو العرقية، أو ملايين المشردين داخل البلاد وخارجها يا ترى؟ وما رأي كل هؤلاء القوم من العراقيين، علماء وكتّاباً بشكل عام، واختصاصيين في ميادين متنوعة، اقتصادية واجتماعية وثقافية، الذين يشيرون إلى خراب في كافة الميادين تلزمه عقود للاستعادة والترميم، على فرض انتهاء الحالة الاحتلالية فوراً، أم أنهم جميعهم مخطئون إذ يصرون على الاكتفاء بقراءة واقعهم المعيش، ولا ينساقون للرواية عن الواقع التي يقدمها لهم الأميركان؟ وعلى أية حال، فليس لذلك أي أهمية، فهؤلاء جميعهم المذكورون آنفاً لا يملكون أدوات إيصال روايتهم لأي مكان، علاوة على أنهم إما مسحوقون تماماً، أو عاجزون عن الإحاطة بكل عناصر واقع شديد التعقيد والتغيّر، يمر بحالات من العنف والتفكك، فيبدو غير قابل للتأويل. لقد تعدى الأمر فكرة أن «المنتصر يكتب التاريخ»، نحو السعي إلى تعطيل عملية الفعل في التاريخ نفسه، أي شن حرب استباقية، سياسية وإعلامية ونفسية، تعتمد عل وسائل متنوعة وممتدة، تؤدي إلى تشكيل أغلبية ساحقة مستهلكة للرواية المهيمنة، بينما تجري على الأرض حرب فعلية من لحم ودم، للقضاء على الجيوب المقاومة، بوصف هؤلاء المقاومين رعاعاً أو إرهابيين أو الاثنين معاً. وهي سيطرة توتاليتارية تحدث من دون استخدام الوسائل التوتاليتارية التقليدية والمعروفة.

الرواية عن الواقع: تلك هي المسألة. وهي وإن كانت ليست جديدة البتة – فالبشرية لم تكف يوماً عن إنتاج الروايات عن الواقع بأشكال مختلفة وتحت مسميات شتى- إلا أن الجديد هو توظيف هذا الفن ليسيطر على كل شيء، عادماً في زمن الاستهلاك المطلق كل حيز آخر. هنا يحدث تداخل غير مسبوق بين السياسي والإعلامي لكتابة وإنتاج وإخراج وتسويق – هكذا بالتتابع كما في صناعة الأفلام – حكاية سردية مثيرة، مليئة بالتفاصيل الشيقة وبالانفعالات، ولكنها وفي الآن نفسه ترتكز على البداهة أو البساطة، فيصبح الكلام الآخر عن الوقائع ذاتها ثقيلاً، اختصاصياً، وغير مفهوم، وهو، كلما أمعن في تقديم المعطيات وتكديسها، يزداد عجزاً عن التأثير وهزيمة أمام جبروت الآلة الصانعة للرواية. وقد قال احد أساتذة الصحافة في جامعة كولومبيا الأميركية إنه «لم يعد هناك نقاش حول الأفكار بل معركة روايات»، ما يطلق عليه أخصائيون آخرون تناولوا الظاهرة «استراتيجيا شهرزاد» في السياسة! وعلاوة على خبرائه المشهورين عالمياً، فقد خرج هذا الفن من الظل فباتت له مدارسه، بل مواد تدريسه… وتحتاج الآلة التي تدور على هذا النحو إلى تغذية دائمة، والى سرعة في الانتقال من مشهد إلى آخر، حيث تُستهلك اللحظة فيلزم غيرها، وتتم الإجابة عن حدث بحدث سواه قابل لأن يطغى عليه. لقد مارس رئيس الجمهورية الفرنسية الحالي، السيد نيقولا ساركوزي، هذا الفن الجديد على بلاده ليفوز، مقدماً مزيجا من الوعود الجذابة، والجمل المصاغة بحيث تقول كل شيء ولا تقول شيئاً، والوضعيات، بدلاً من البرامج، ثم منتجاً «خبرية» شبه يومية عن طلاق فزواج وما بينهما من أحابيل وخيانات، فحكايات القصر وصراعاته التي لا تنتهي. والسيرة، لجدتها ولغرابتها عن التقاليد الفكرية الفرنسية، تقدم نموذجا سهل الملاحظة والتحليل، ولكنه ليس فريداً. أما أساتذة ذلك الفن غير المنازعين فالأميركان طبعاً.

فإن قيل إن عماد مغنية هو أحد قادة المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، ينتصب بوجه هذا القول سجل حافل يحوّل الرجل إلى شيء من جيمس بوند وسوبرمان معاً. فمن قرأ ما تداولته شبكة الانترنت من روايات مصدرها دوائر إعلامية- استخباراتية إسرائيلية وأميركية وبريطانية، وذلك بعد ساعات قليلة على اغتياله، يُذهل حقاً. فهو في كل مكان، من جنوب لبنان إلى فلسطين إلى شمال وجنوب العراق إلى أفغانستان، وقبلها إلى الأرجنتين، وهلم جرا، مخترقاً كل العلاقات والوضعيات، مختزلاً بشخصه كل المهمات. فإن كانت صناعة رمز بطولي من قبل أصحابه حاجة مفهومة، وتبقى على الغالب في مستوى حرفي، فما قام به أعداؤه يفوق بكثير ذلك المستوى: إن العالم أفضل من دون ذلك الشيطان الجبار! وإن قيل إنه، مع الإقرار بما يعنيه الاغتيال من ضربة لحزب الله في معركة تسجيل النقاط، إلا أن الجهاز العسكري للحزب لا يتوقف على عماد مغنية الذي أتيح له، على فرض الإقرار بكل عناصر استثنائيته تلك، كل الوقت اللازم والفرص لإنشاء وتدريب سواه، يبدو هذا الموقف العقلاني وكأنه غناء خارج السرب أو اللحن، كسر للإيقاع.

أما إذا جرى التشكيك بشيطانية الرجل، كالدفع مجدداً بأنه مقاوم وليس إرهابياً، فذاك كمن يعتدي على مقدس: ألا تكفي ملاحقته من انتربول وأجهزة الاستخبارات «العالمية» لتأكيد صفة الإرهاب؟ ثم لا يجري حقاً نقاش حول هذا الموضوع، فصوت اعتراضي من هذا القبيل ضعيف إلى حد مقابل قرع الطبول ذاك، بحيث يغدو قولاً حميماً وليس علنياً.

أما التطرق إلى المسائل المهمة، من قبيل وقوع اغتياله في قلب العاصمة السورية دمشق، والاحتمالات والمعاني المتعددة التي يثيرها الحدث، فيصبح هو الآخر رهينة الرواية الأصلية، تلك المليئة بالعجائب والألغاز، وليس مجالا لنقاش في السياسة. فيجري هكذا اختتام إخراج الأحداث من زمنيتها. هل قلت سياسة؟ بل مسرحة على الاغلب.

الحياة – 17/02/08

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى