صفحات مختارة

لماذا يتخبط الإسلام العربي؟

سعد محيو
أشرنا بالأمس إلى أن منابع القوة لدى الحركات الإسلامية التركية والإيرانية تستند إلى الانطلاق من الاعتراف بالدولة- الأمة (القومية) في كلٍ منهما . وهذه المنابع تُشكّل هي نفسها مناحي الضعف في حركات الإسلام السياسي العربية .
فمن المغرب إلى المشرق، لم تستطع أي جماعة سياسية إسلامية أن تحسم موقفها من مسألة الدولة: فلا هي اعترفت بشرعية الدولة- الأمة القطرية، ولا هي ورثت شعار الحركات القومية العربية الداعية إلى الوحدة أو الاتحاد العربيين، ولا حتى استطاعت أن تبلور ولو خطوة عملية واحدة في شعارها المفضّل: وحدة الأمة الإسلامية .
هذا العجز أدى ليس فقط إلى تخبط شامل في كل استراتيجيات وأولويات الحركات الإسلامية العربية، بل أيضاً إلى فقدان أي رابط مهما كان نوعه بينها في كل الأقطار العربية . وانطبق ذلك حتى على التنظيم العالمي للأخوان المسلمين، حيث استقّلت كل جماعة قطرية (خاصة الكويتية والأردنية والفلسطينية والمغربية) عن القيادة الأم للتنظيم في القاهرة، ولم يعد يربطها معه سوى العلاقات الشكلية .
ومن هذا العجز البنيوي كانت تتدفق عجوزات أخرى عدة . عجوزات استراتيجية، إذا جاز التعبير . فقد فشلت  هذه الحركات في بلورة منهج مشترك لمواجهة أخطر ماتتعرض إليه الأمة العربية منذ قرنين: الاحتلالات الخارجية والتفتيت الداخلي . هذا في حين أنها، ولكونها قوة المعارضة الرئيسة في كل أرجاء الوطن العربي، كان يُفترض أن تدرك أنه لم يعد ممكناً البتة في ظل العولمة أن يُحقق أي بلد عربي كبر حجمه أم صغر استقلاله، من دون تحرّك البلدان الأخرى نحو الهدف نفسه .
بالطبع، صدرت أصوات إسلامية عدة ترفض احتلال العراق، وجرت تظاهرات ضد غزو لبنان وغزة، لكن هذه كانت تجليات عاطفية عابرة لم ترق إلى مستوى العمل السياسي المشترك والضاغط لوضع معاهدة الأمن العربي المشترك قيد التنفيذ . وهكذا، وبعد هدوء غبار هذه الاحتجاجات اللفظية، عاد كل تنظيم إسلامي إلى ممارسة “العمل كالمعتاد” في قطره: أي البحث عن دور سياسي واجتماعي وثقافي محلي .
بيد أن الفشل كان بالمرصاد لهذه التنظيمات، عدا مجال الخدمات الاجتماعية التي سجّلت فيها نجاحات بفضل سيل الأموال التي تدفقت عليها منذ عقود عدة ومن مصادر مختلفة . فهي لم تنجح لا في إقناع السلطات ولا الجمهور بأنها باتت ديموقراطية بالفعل وأنها لاتستخدم هذه الأخيرة لمجرد الوصول إلى الحكم ثم تعمد إلى قطع دابر التداول السلمي للسلطة (صوت واحد، لمرة واحدة) . كما أنها سقطت في امتحان حقوق الإنسان حين رفضت (كما فعلت جماعة إخوان مصر) منح المرأة والأقليات غير الإسلامية حق القيادة والمشاركة في السلطة بحكم كونهم مواطنين متساوين بالحقوق والواجبات، لا رعايا من الدرجة الثانية .
إلى أين تقودنا كل هذه المعطيات؟ إلى حصيلة واحدة: ضرورة حدوث ثورة ثقافية كبرى داخل الإسلام السياسي العربي في مجالات: مصالحة الإسلام السياسي مع العمل القومي العربي المشترك ضد زوجي التفتيت والاحتلالات، ومع الديمقراطية ومفهوم المواطنة، ومع حقائق العولمة التي تفرض ضرورة توحّد الإقليم العربي .
من دون هذه الثورة المُثلثة، سيفقد الإسلام السياسي العربي فرصته التاريخية، ويُسلّم قيادة المنطقة للأتراك والإيرانيين، مع تغييب كامل لدور 400 مليون عربي .
الخليج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى