بدرالدين حسن قربيصفحات سورية

هل لنا أن نترحم على الباشا السفاح..!!؟

null

بدرالدين حسن قربي

ســاحتا الشهداء في دمشق وبيروت تشهدان على أنه في الحادي والعشرين من آب/اغسطس عام 1915 تمّ إعدام أحد عشر رجلاً من رجالات الفكر وقادة الرأي ، وليتبعها في 6 أيار/ مايو 1916 إعدام واحد وعشرين رجلاً أمثالهم. سبعة شهداء تم إعدامهم في دمشق ،وعلقوا في ساحة المرجة، وأربعة عشر رجلاً في بيروت علقوا في ساحة البرج، وليصبح جمعهم 32 رجلاً.

واعتمد هذا التاريخ من كل عام في شامنا ليكون ذكرى لهؤلاء الرجال من فرسان الرأي والكلمة والموقف الحر للإرادة الحرة، وللناس الأحرار في وجه الظلم والظالمين والفساد والمفسدين، وتم إطلاق لقب السـفاح على والي الشام في حينها فيقال: جمال باشـا السفاح.

وتتجدد قصة الأحرار من شاهد البرج ومشهود المرجة إلى أصحاب الأخدود وحكايات تدمر تروي حكاية الجزارين في سجون ومعتقلات السفاحين وأقبيتهم من زمن الباشا السفاح حتى اليوم.

بضع وثلاثون رجلاً أصبحوا أمثولةً لكل أصحاب الفكر والإرادة الحرة وفرسان النخوة التي تأبى الذل والخنوع والخضوع لقيم الفساد والاستعباد يتجددون حتى بات الوطن من شرقه لغربه ومن شماله إلى جنوبه ساحة مرجةٍ وساحة برج. وأقام والينا في كل مدينة معلماً لاينسى، فبات لدينا ولافخر الكثير والكثير من ساحات المرجة والبرج، وبات لدينا في كل قبوٍ من أقبية القتل والتصفية والتعذيب (جمال باشا) بل (جمالات). فلقد كان لنا جمال باشا واحد، وأصبحنا اليوم (بجمالات) كثيرة وبباشاوات أكثر.

أما تاريخ السادس من أيار، فلقد بات عندنا سـوادس وسـواديس كثيرة حدث ولاحرج، فباتت السنة كلها السادس من أيار لكثرة المجازر والقتل والتصفيات والحرق والإعدامات بمحاكماتٍ وغيرها، تعتبر فيها محاكمات شهداء 6 أيار الصورية محاكمات عادلةٌ عادلة بل محكمة عدلٍ دولي. فالكثير الكثير ممن قتلوا وأعدموا في شام ستان وفي عهود مابعد جمال باشا لم يحظوا بمحاكماتٍ لأكثر من خمسة دقائق هذا لمن كان محظوظاً، وقد لايحاكمون اختصاراً في الوقت ويصدر الحكم عليهم بالجملة من قيعان مكاتب جمالٍ ما. وهذا الكلام ليس إنشاءً بل الشواهد شاهدة على آلاف الأحداث والأشخاص، وسيقول التاريخ كلامه، ولتعلمن نبأه ولو بعد حين.

نتسآل ونحن نعيش ذكرى هؤلاء الضحايا الأعلام من المفكرين والسياسيين عما وجّه لهم من تهم في حينها فنجدها تهماً تتكرر، وإفكاً مبيناً يتجدد هذه الأيام فيما يوجه لمفكرينا وأحرارنا وناسنا ومعارضينا في داخل سورية وخارجها من قبل أحفاد جمال باشا وأتباعه. فالمعارضة السورية المقيمة في المنافي تهمها أقلها التخوين والارتباط والعمالة، في حين أن السلطات الأمنية يوم اعتقلت وسجنت الكثير من المعارضة الداخلية ولاسيما من كان منهم من أعضاء المجلس الوطني لائتلاف إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي المعارض كانت حجتها أنها في ريبٍ وشك من أمر هالمعارضين أن يكونوا مجلساً أو أفراداً على صلة أو ارتباط مع أعداء الوطن والأمة من الأمريكيين تحديداً، ليُظهّروا لنا فعل النظام الأمني وكأنه ليس اعتراضاً على التحرك أو التعبير عن الرأي لاسمح الله بل على ماهو أخطر والعياذ بالله مما لايجب السكوت عنه، وأن الأمر لايعدو أكثر من تثبت وتأكد، وليس فيه نوايا عاطلة. وحتى لايقال بأن معتقلي السلطات الأمنية هم معتقلو رأي وفكر ومعارضة فإن ماوجّه لهم من تهم لم يكن بعيداً عما قالته محاكم جمال باشا في أسطوانتها المشروخة من مزاعم النيل من هيبة الدولة وتكوين جمعية بقصد قلب كيانها، وتوهين نفسية الأمة بنشر أخبار كاذبة.

النظام السوري في سلوكه وتهمه لمعارضته بمناسبة وبدون مناسبة يؤكد أن ليس لديه معارضة ولاسجناء رأي، ومايشنّه من حملة اعتقالات في صفوف المعارضة فلها في جيبه أسباب وأسباب يُمضي فيها وقتاً فإذا ماانكشف زيفها أخرج تهماً غيرها، ثم لئن قلت لهم: معتقلوكم معارضون، قالوا: هؤلاء متهمون وليسوا معارضين، لأن عقدة النظام المستعصية أنه ليس فيه معارض واحد في بلدٍ فيه عشرون مليون مواطن آراؤهم محترمة آخر احترام. ومن ثم فلم يكن غريباً أن تكرر مصادره وعناصره أن لاوجود لمعتقلي الرأي والفكر في معتقلاته وزنازينه، ولكن الأغرب والمستغرب أن يؤكد الرئيس الأسد نفسه للرئيس الأمريكي السابق كارتر في لقائه معه الشهر السابق أن ليس في سورية سجين رأي واحد.

كثيراً ماكتبوا وماقالوا عن شهداء وضحايا جمال السفاح ومافعله في الشام، وكثيراً مااحتفوا بالذكرى من كل عام، ولكنهم يتناسون أن هناك قاضياً اسمه (س. خ) كان يصدر أحكام الإعدام على مئات الناس في زمن لايزيد عن ساعتين أو ثلاثة داخل سجن تدمر، وتنفذ فيه أحكام الموت بأقل من ذلك الزمن، ثم ليتكرر المشهد الوحشي والدموي كل يومين أو ثلاثة.

كثيراً ماقرؤوا ويقرؤون علينا من أوصاف ذلك السفاح ومحاكمه ولكنهم يغمضون عيونهم عن قتل مئات الناس من دون سؤال أو محاكمة لعشرات الآلاف من مواطنين أسرى وسجناء رأي وفكر بمجازر جماعية تعتبر من أكبرمجازر القتل الجماعي على الصعيد الرسمي في القرن العشرين.

لست أنساه ولايغيب عن خاطري مواطناً حراً شاهداً على بعض مجازر سجن تدمر وأحكام الموت فيه وهو يقسم بالله العظيم مؤكداً على أن كل ماقيل ويقال عن سجن غوانتنامو السييء السمعة، هو بمثابة فندق عشرة نجوم مقارنةً بما شهد عليه من سجن وقتل ومحاكم ومشانق.

مقتل إنسان بريء لاشك يدعو إلى الأسى والحسرة والألم، ومحاكم ومشانق جمال السفاح التي نستعيد فيها الذكرى هي بالتأكيد وصمة عار في تاريخه. ولكن يوم نستدعي ذكر عشرات الآلاف من ضحايا مجازر ومشانق أحفاده نتسآل بحسرة وألم وسخرية: هل لنا أن نعيد النظر بما فعله جمال باشا لنصحح ونترحم دون فرق عليه أو على النباش الأول..!!؟
خاص – صفحات سورية –

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى