صفحات ثقافيةعلي جازو

ديوان عارف حمزة.. قصائد طوع اليد

null
علي جازو
“كَيَدَيْ محتاج” عنوان المجموعة الرابعة للشاعر السوري عارف حمزة، بعد “حياة مكشوفة للقنص” عام 2000ـ عن وزارة الثقافة السورية، “كنت صغيراً على الهجرات” 2003(ـ، دار ميريت ـ القاهرة)، قدم مبتورة (2006 ـ دمشق، الحائز، مع شعراء سوريين آخرين، هم جولان حاجي وتنام التلاوي وهنادي زركا، على جائزة محمد الماغوط الشعرية مسابقةً يتيمة رعتْها وزارة الثقافة السورية لدورة واحدة فقط). كيدي محتاج مدخلٌ ـ عنوانٌ ناقص. ألا يبنى العنوان هنا على نقص مقصود؟ ناقص لغياب المشبَّه، لكن بالآن دالٌ على غياب ما، حاسم في نقصه وغموضه. اليد التي تعمل أصبحت اليد التي تسأل، إنها محتاجة وتريد. لنفترض الآتي: حياة كيدي محتاج. قصيدة، قلب، رغبة، بكاء، غضب،حيرة، حلم طويل يمد عينه كيدي محتاج.. الخ. الاحتمالات بالطبع لا يمكن حصرها، ومع كل احتمال تتغير الدلالة وتنحرف. من هنا زوغان العنوان الناقص، خصوبته المختفية أبعد من دلالته المباشرة. العنوان محصور ومحدود وناقص، متوار ومنكمش، مقطوع داخل سؤال يتفتح ويتمدد. نقرأ في الصفحة الخامسة التمهيد التالي مأخوذاً من الشاعر الإيطالي سيزار بافيزي: (سيأتي الموت وستكون له عيناك..). أفي مجي الموت جواباً على احتمالات يدي المحتاج المفتوحة؟ لكن الموت يأتي بعينين ! هو موتٌ يرى، موتٌ موعود به، واعٍ وراءٍ، موتٌ أكيد. التمهيد بمقطع من قصيدة شاعر إيطالي لديوان عارف حمزة الجديد، الصادر عن الهيئة العامة للكتاب في سورية ـ ورد اسمه محمد عارف حمزة للمرة الأولى هنا ـ أيضاً مؤجل وماكر؛ فهو مسبوق بالسين (سيأتي الموت)؛ السين التي تستقبل وتسوف وتؤجل. العنوان مع التمهيد، أحدهما يزيل اللبس عن الآخر، وهي إزالة هشة وناعمة، لكن التمهيد لا يوضح العنوان تماماً ولا يقوله صريحاً.
يظهر من تأمل تواريخ كتابة القصائد، وطريقتها المتسرعة اللاهثة، أنها بنات يوميات غاضبة محتقنة وأليمة. ذلك أنها تحمل من اللغة بوحَها المتفشي، تكرارها الشفهي، وسيولتها الشفافة الواضحة. لا نحت في اللغة، ولا بريق في الصور. لكنها مع ذلك تُقرأ بيسر، وتتقدم مثل الأيام التي كتبت على وهج ثقلها المتراكم وإرباكاتها الحميمة. ثمة على العموم، في جل الشعر السوري الحديث، ميل غامر ومتسرع نحو التخفف من البلاغة، والنيل الطري من خيال غدا عبئاً على واقع يبني الشعراء لغتهم على هوانه الجارح وبؤسه المتعاظم. ثمة حرثٌ أعزلُ وأليمٌ في كيان الخيبة نفسها، ثمة هذه الحماسةُ صوتيةً تذكّر بما كانته قصائد الثمانينيات والسبعينيات من جهة جعل الشعر مطابقة لواقع كائن أو متوهم. ربما لأن الجدد لم يبدلوا من الكتب سوى أغلفتها ومن الأفكار سوى سطوحها العائمة. لم تعد اللغة قادرة على الانحناء والالتقاط، الحمل والاحتضان والتحصن. إنها تطيح وتقشر جمالها على بدْوٍ سريع وعواطف متشنجة. الشعر محاصر بما يحاصر اليوميات من رداءة شاملة، وتقهقر متلاحق في الجامعات والوظائف، في السياسة والاقتصاد. اللغة أيضاً تتراجع عن همومها الجمالية لتغدو بلا رفق وبلا أناة تجاه همها الحياتي الضارب والممزق. إنها تخسر انفعالها مرتين. مرة أمام ذاكرة الشعر، ومرة أمام طموحه الصعب. فالحاضر مرّ، معوز، غث، بلا فكر، وربما بلا جسد يمكن الاستناد إليه. إنه مصنع جهنمي لاستنزاف الخيال وتحطيم كل أمل. ذلك أنها، أي اللغة، كوعي وشعور وجسد معاً، تضحي بالصعب والصارم أمام اليومي الضاغط، تبعد الخيال وتمنحه واضحاً للفم والعين. كل شيء ممنوح حتى الحرمان نفسه الذي أتلف من العقل ذرواته النائية ومن الخيال عمقه السري وفرديته الصامتة. انتهت الطبيعة ساحرة وواهبة، تقلص الغريب الغامض، ومعها يتقيد الشاعر بحدود الممنوح قرب اليد عارية، مفتوحة، وبلا ظل.
قصائد ساهية سرحانة تتودد وتتمحور حول انفعالها وتتشتت فيه وإليه.يوحِّدُها تشتّتُها المتماسك ويرسلها وجْدٌ ساخن طليق. الوجد في الكلمة معززة بتكرارها وتوكيدها اللفظي، لا في عتمتها وجوفها المنسي. ما يبقى بعد القراءة ظلال سهو وبقايا حيرة. أن تجعلك قراءة الشعر ساهياً ـ وربما في ضجر حالم رخو ـ هو من قوة الشعر اللفظية بطريقة معاكسة، إنه امتلاء الشعرية الجديدة بالخيبة والأسى والاعتذار. الخيبة التي تعض وتطحن يد الشاعر والاعتذار الذي يجرح ويطبق عينيه. تسعى معظم القصائد إلى تكثيف بداياتها بنهاياتها محمولة عوداً على بدء لا هو بالحذر ولا المرتبك. نهايات تختم هدايا البدايات، كما عبر بول فاليري ـ بتكثيف هو ضرب من توسل الشرح والتأويل. إن كتابة ـ في الشعر ـ في داخله الذي لا يصمد طويلاً أمام الصمت؛ بل يحيله ـ عن قلة تحمل عبئه الصعب الغامض ـ إلى توضيح وعمد كان من الأجمل لو أرجئا أو سوئلا أو ألغيا بلا قيد. الكتابة ـ على وتيرة كهذه ممدوحة ومحتفى بها ـ لا تسأل نفسها ولا ترجئ بصمتها كلامها ولا تلغي وضوحها بأسرارها. ربما لأنها بلا سر وبلا صمت وبلا سؤال. إنها مقيدة وممتحنة ومطالبة بثباتها أمام واقع يكاد يخسر حتى آلامه الحميمة.
هكذا يمكننا،اعتماداً هاوياً على الشعر وبه، قول كل ما نريد ونشعر ونفكر. قوله بالمطلق مضبوطاً نظيفاً، واضحاً عارياً وبلا صاحب. الشعر ـ على ما كان ـ يتمٌ قاس ووحشة ضارية. حاجة ما عاد بوسع إمكانيات اللغة المتاحة طيعة وسلسة سوى مدها ونشرها مبسوطة وخجلة وفارغة وأليمة كيدي محتاج. لعل الشعرـ بلا قسر ماورائي ـ هبة لا تمنح بسهولة وبلا شقاء وبلا مرض كامل؛ مرض لا يستطيع حتى أن يمد لسانَ أوجاعه. أهو جواب على كل فم ورجم بكل شيء. شعرٌ جوابٌ هبةٌ، هي في الختام، قصيدة مرارة وعذر ونمو وبقاء اللاشيء محتاجاً إلى شكل أو إلى فقدان كل شكل. القصيدة ـ لدى عارف حمزة ـ تبحث عن فمها في كلماتها ذاتها بعدما خسرت يدَ وعيها بنفسها، يدَ حاجتها إلى كلماتٍ تعي أكثر مما تنفعل، وتصبر أبطأ مما تشكو، وتشهد أعمق مما تشرح وتؤول. لكنه يبقى مثلما قال يوماً جيزواف مييوش جزءاً حزيناً من (ذلك المسعى المستمر).
المستقبل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى