سمر يزبكقانون الاحوال الشخصية الجديد

قانون جديد مقترح للأحوال الشخصية في سوريا: خطــوة إلــى الــوراء

null
سمر يزبك
قبل سنتين قامت وزيرة الشؤون الاجتماعية في سوريا، الدكتورة ديالا حاج عارف، بحل جمعية المبادرة النسائية المستقلة، هكذا تم ايقاف نشاط الجمعية دون ذكر السبب، رغم أنها كانت من أهم الجمعيات، التي ساهمت في تغيير قانون الحضانة في سوريا، الذي تحول بموجبه حق الأم، في حضانة الطفل إلى 13 سنة والطفلة إلى 15.
وتزامن إيقاف الجمعية، مع تجاهل العمل على تغيير قانون جرائم الشرف، وهو مشروع عملت عليه كافة التجمعات النسائية، بجهود مضنية، ولعب فيه مرصد «نساء سوريا» دوراً بارزاً، وفي نهاية سنة 2008 اعترفت الحكومة بظاهرة جرائم الشرف، وانتهت إلى توصيات هامة جداً، ولكن هذه التوصيات بقيت في الأدراج حتى الآن، مع العلم أن بعض ناشطات هذه الحملة تعرضن، إلى تقريع وإهانات من فوق منبر أحد جوامع دمشق، ومنعن من حضور مؤتمرات حول حقوق المرأة خارج سوريا.
أُغلق الملف وتم التعتيم على الأمر، في الوقت الذي كانت تعطى فيه تراخيص لإقامة جمعيات دينية كثيرة، لعل أشهرها رخصة لجمعية دينية كانت محظورة «القبيسيات» التي صارت تعمل في العلن، وتضم العديد من نساء العائلات المعروفة والأهم: الثرية.
وكان الاعتقاد السائد أن هذا الغزل، الذي أبدته الحكومة السورية تجاه التيار الديني سوف يتوقف عند حدود لها علاقة باستراتيجية داخلية لترتيب الأوضاع، لكن ظهور مشروع جديد لقانون الأحوال الشخصية، من المقرر أن يتم البت فيه قريباً، يعيد السؤال: إلى أي حد يمكن أن تذهب هذه الحكومة في غض الطرف، أو ممالأة التيار الديني، الذي بدأ يظهر بقوة في الشارع السوري، عبر أشكال عدة تجعلنا نتساءل، إن كان هذا الشارع المتنوع دينيا واجتماعياً، سيصمد أمام نقلة نوعية، في التاريخ السوري الحديث، التي تتمثل في القانون الجديد.
مشروع القانون لم يكن مفاجأة، فالسيد ناجي العطري رئيس مجلس الوزارء كان بتاريخ 7/6/2007 أصدر القرار رقم 2437 الذي قضى بتشكيل لجنة إعداد مشروع قانون الأحوال الشخصية، وانتهت اللجنة السرية، من إعداد مشروع القانون المذكورفي 5/4/2009 حيث شمل هذا القانون، في أحكامه وتفاصيله جميع الأديان والطوائف واحتوى على 665 مادة. تحدث فيها عن الطائفة الدرزية بالمادة 619، المادة 665 للطائفة اليهودية، والطوائف المسيحية من المادة 620 والمادة 655 والمادة 656.
في المادة 21 التي يتضمنها القانون، نصٌ على ضرورة انشاء نيابة عامة، يحق لها التدخل، في قضايا الأحوال الشخصية، في حال لم يتقدم أحد، من ذوي الشأن برفع دعوى شخصية خاصة إذا كانت تمس الأمن العام. والخطير في هذه المادة، أنه يمكن بموجبها رفع دعاوى تكفير وفصل وطلاق، كما يحدث في مصر، فيما يعرف باسم قضايا الحسبة، التي حوكم بموجبها المفكر نصر حامد أبو زيد بناءً على دعوى تكفير أقامها المتشددون، وصدر بناء عليها حكم تفريقه عن زوجته واضطرا إلى الخروج إلى هولندا، ومنذ قضية الدكتورة نوال السعداوي تم تجميد هذا القرار في القاهرة، ليبدأ الحديث عنه هنا في دمشق!
يعود المشروع إلى لغة وقيم عصور ماضية، فيسمي المسيحيين بالذميين! ويقوم بحرمانهم من الاشراف على عقود زواجهم، وهو يعد في جملة ما أورده نسفاً لمعتقدات المسيحيين، هذا اذا استثنينا بعض الأحكام المتعلقة بأسباب بطلان الزواج والتطليق. فعكس ما هو معروف أنه لا يجوز للمسيحي الاقتران بأكثر من امرأة واحدة فقط.
وردت بعض القوانين التي يمكن تأويلها بعدة طريق، كما فهم بعض رجال الدين في سوريا، وفسروا بأن القانون يبيح زواج امرأتين في الدين المسيحي ـ رغم أن فهمهم هذا ليس صحيحاً ـ لكنه، ولعدم الدقة، يفتح باب التأويل والفتنة، أو القانون الذي يبيح للرجل المسلم ما لايبيح لسواه، كما ورد: (تجوز شهادة الذمي إذا كانت الزوجية كتابية، حين الضرورة ولكن لا يثبت الزواج جحده الزوج المسلم، ويثبت إذا جحدته الكتابية. فإذا انكر هو الزواج لم يثبت مهما ادعت هي).
وفي الوقت نفسه يحظر في المادة رقم 625 على المسيحيين الزواج أكثر من ثلاث مرات! ورغم أن مفهوم «العدة» لم يكن وارداً في العقيدة المسيحية، وخصت به المرأة المسلمة فقد ألزم هذا المشروع المرأة المسيحية بالعدة، كما تقتضي التعاليم الاسلامية!
وفي حين حدد للمسلمين عدة طرائق لإثبات وإقرار الزواج، فقد حددها للمسيحين بطريقتين فقط.
وبذلك يكون هذا القانون الجديد قد تدخل تدخلا سافراً، في حرية العقيدة الدينية والمعتقد المعمول بها؛ ففي الدستور السوري يحق للأفراد حرية الاعتقاد والمذهب، سواء أكان مسلماً أم يهوديا أم مسيحياً، تقول المادة 35 فقرة 1- حرية الاعتقاد مصونة وتحترم الدولة جميع الأديان.
وفي الوقت الذي كانت تصدر فيه صيحات واعتراضات شديدة اللهجة على زواج الطفلات، وتقوم المؤسسات الرسمية، وغيرالرسمية بمحاربة الزواج المبكر، في المجتمع السوري، شرع وأباح القانون الجديد زواج الطفلات إذا بلغن (إذا ادعى المراهق البلوغ بعد إكمال الخامسة عشرة أو المراهقة بعد إكمالها الثالثة عشرة، وطلب الزواج يأذن به القاضي إذا تبين له صدق دعواهما واحتمال جسميهما)
وبموجب القانون الجديد يحق للرجل منع المرأة من العمل والخروج من البيت، ويحق للأب تطليق بناته في حال ارتأى الضرورة! أي هنا لم يعد هؤلاء المشرعون بحاجة للوقوف أمام المادة 548 والمادة 192 من قانون العقوبات السوري، والتي تشرع ذبح النساء السوريات، عندما تمنح القتلة عذراً وتخفيفاً وعفواً، من العقوبة بحجة الدفاع عن الشرف، لأنهم سيقومون بسجن النساء داخل بيوتهن وداخل قانونهم، ولن يضطروا إلى التصفيق للقتلة علانية ـ القتلة الذين يذبحون أمهاتهم وأخواتهم وزوجاتهم بحجة الدفاع عن الشرف، ويصفق لهم المجتمع والحكومةـ ربما لن يكونوا مضطرين لذلك، لأنهم سيسجنون حريمهم!
انتكاس
وقد كان هناك، ولم يزل مجموعة من الأفراد والمنظمات، مع بعض المؤسسات الرسمية يجاهدون ضمن ظروف مجحفة: معيشية صعبة من جهة، وبيروقراطية من جهة أخرى، ويقومون بجملة من النشاطات للعمل على احلال قانون أحوال شخصية يتجاوز الطوائف والديانات على أساس مدني، فطالبوا بإلغاء المادتين 548 و192 وعملوا على المطالبة بقوانين جديدة للحضانة والميراث والطلاق، في خطوة مرحلية نحو حياة أكثر انسانية للمرأة السورية، وإذا بهذا القانون يخرج فجأة ليجلعهم يتمنون فقط التوقف عند واقع الحال، فالقانون لا يعتبر فقط ردة عن واقع الحياة الانسانية المعاصرة نحو قرون ماضية، بل يدخل المجتمع السوري ضمن حالة، من الفوضى والتخبط هو بغنى عنها ضمن هذه الظروف الصعبة، وذلك لعدة أسباب:
أولاً: باعتماد القانون المذهب «الحنفي» سيفتح الطريق أمام تساؤلات عدة عن أحقية مذهب ضمن العقيدة الاسلامية بالتشريع لمختلف المذاهب والأديان، وهذا بدوره سيفتخ باباً للفتنة، اذ سيعمد كل مذهب إلى انشاء قانونه الخاص وتحل الفوضى، وإلغاء حرية العقيدة الواضح لدى المسيحيين، سيجعل الطريق مفتوحاً أيضاً لتنامي بذرة الكراهية، بين أفراد البلد الواحد، الذين يحرمون من ممارسة ديانتهم بحرية.
ثانياً: يصنف هذه القانون المواطنين السوريين على أساس طوائفهم ومذاهبهم وأديانهم ويسلب منهم آخر ما بقي من حق في الانتماء الوطني «سني، درزي، علوي، مسيحي اسماعيلي» وهو ما سيكون فاتحة لتغذية العصبيات، وتغيب نهائياً فكرة الانسان والمواطنة والدولة السورية الحديثة.
ثالثاً: هناك تغييب تام لوجود المرأة، في فعاليات المجتمع، سيتراجع لصالح الحضور الذكوري السلفي، وبدلاً من تقسيمات: الطبيبة، العاملة، الموظفة، المهندسة، ستعرف المرأة بالمتزوجة والبكر والثيب والأرملة والعفيفة والزانية.
رابعاً: لا يعترف القانون بوجود أشخاص غير متدينين في المجتمع «العلمانيين» أو ديانات ومذاهب أخرى «اليزيدية مثلا» والقانون الاسلامي السني، هو الوحيد المعترف به، مع أن الطائفة الدرزية لم يتم تعديل قوانينها المعمول بها، والتي لا تتعارض أصلا مع القانون السني، وسنكون في حال وافقت الحكومة، على القانون الجديد أمام فرصة لنشوء محاكم تفتيش جديدة، خاصة إذا عرفنا أن المادة رقم 21 والتي تعادل قانون الحسبة، ستكون معفية من كل الرسوم والضرائب والنفقات!
هذه الرؤى الأولى التي تبدو واضحة في حال اقرار المشروع، ستكون خطوة نحو تفتيت آخر ما تبقى في بنية المجتمع السوري، من قدرة على التنوع الديني والاجتماعي والفكري، وهي ميزة جعلت من الشارع السوري يعيش بأمان حتى الآن، والحكومة السورية ـ في حال أقرت المشروع ـ ستكون المسؤولة الأولى والأخيرة، لأن هذا المشروع هو جزء من عملية تفريطها بمفهوم الدولة نفسه، وهو جزء من سلسلة تنازلات كانت قد بدأتها منذ سنوات، عندما بدأت بحل الجمعيات النسائية وتفريق التجمعات الثقافية ومنع حرية التعبير، وهناك تصريح أخير قامت به وزيرة الشؤون الاجتماعية، في معرض حديثها عن قانون جرائم الشرف وتصديها للجهود الجبارة والحثيثة لسوريين وسوريات يعملون ويعملن بنبالة وشجاعة، عندما سئلت عن هذ القانون وأجابت: إن قتل مئتي امرأة سورية كل سنة ليس مشكلة! هذا تصريح صادر عن وزيرة تعنى وزارتها بشؤون المرأة والطفل؟
ويعتقد العديد من ناشطي العمل، على تغيير قانون الأحوال الشخصية، في سوريا أن ظهور هذا القانون، هو نوع من استباق، لقطع الطريق أمام القوانين والجهود التي تتم بالتعاون مع الهيئة السورية لشؤون الأسرة ـ وهي هيئة رسميةـ والتي تشكل نواة لقوانين تخص الأسرة والمرأة والطفل بشكل تقدمي ومدني.
الواضح في الأمر أن هناك قوى دينية متشددة تقف بالمرصاد، وبشكل جلي الآن في الشارع السوري، ليس فقط لتعيق تقدم أخر ما بقي من نشاطات مدنية، ولكن هناك رغبة واضحة بالعودة في سوريا إلى منطقة ظلامية وسلفية، وفتح الباب للتناحر بين الطوائف. وهناك أكثر من منظمة في سوريا، أرسلت للسيد رئيس الجمهورية، والسيدة عقيلته، رسائل احتجاج على هذا المشروع المجحف، إلا أن هناك من يقول؛ أنه لم يتم حتى الآن بت قرار نهائي بوقف العمل على هذا المشروع، ولم يتم حتى الإعلان عن أسماء اللجنة التي قامت بصياغته، ولم يُعرف إذا كان وقفه يعني إلغاءه، أم أنه سيمر من تحت الطاولة!
(كاتبة سورية)
السفير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى