الدور الإيراني والعلاقة الإيرانية ـ السّوريةالدور التركي في المنطقةصفحات مختارةمحمد علي الأتاسي

إيران وتركيا ومصر: الديموقراطية المعلّقة

محمد علي الأتاسي
شهد المجتمع الإيراني على مدى الثلاثين سنة الأخيرة تبدلات ديموغرافية هائلة تكاد توازي في أهميتها التغيرات الراديكالية التي أحدثتها الثورة الإسلامية في بنية المجتمع الثقافية والسياسية وفي هياكل الدولة الإيرانية ومؤسساتها السياسية والعسكرية والاقتصادية. من هنا فإن أي قراءة دقيقة للأحداث التي هزت المجتمع الإيراني في الأسابيع الماضية في أعقاب ظهور نتائج الانتخابات الرئاسية، لا بد لها أن تأخذ بعين الاعتبار طبيعة التغيرات الديموغرافية العميقة التي طرأت على بنية المجتمع الإيراني، والتي يمكنها أن تضيء بشكل كبير على المأزق الراهن الذي تعيشه الجمهورية الإسلامية.
جمع العديد من الدراسات والكتب الأكاديمية الرصينة التي ظهرت في العقد الأخير  حول الملف الديموغرافي الإيراني، على القول بحدوث تحول راديكالي (يسميه البعض مثل الباحث محمد جلال عباسي شفازي والباحثة ماري لاديه فولادي بالثورة الديموغرافية) في معدل خصوبة النساء الإيرانيات ابتداء من منتصف الثمانينات من القرن المنصرم، بحيث أن معدل خصوبة المرأة الإيرانية، انخفض من 6 أطفال للمرأة الواحدة في منتصف الثمانينات إلى 1,71 طفل للمرأة الواحدة في العام 2009. وإذا كانت هذه الدراسات تتمايز في تفسير أسباب هذا الانخفاض الحاد وغير المسبوق على مستوى دول العالم في معدل الخصوبة، فإنها تجمع على أن النتائج المترتبة عليه لا تقتصر فقط على تبدل التركيبة الديموغرافية للمجتمع الإيراني وتحسن ظروف المرأة، ولكن لها مفاعيل كبيرة على البنى السياسية والاجتماعية لهذا المجتمع.
لإدراك أبعاد هذا التحول العميق في معدل خصوبة المرأة، يجب وضعه في سياق التغيرات الديموغرافية الأوسع داخل المجتمع الإيراني بمدنه وريفه، وأؤكد هنا على شمولها الريف، والتي تقترب به في بعض الجوانب من الدول المتقدمة، سواء لجهة الانخفاض الحاد في معدل النمو السكاني السنوي إلى حدود 0,88 % وزيادة متوسط عمر الفرد ونسبة عدد سكان المدن مقارنة بالأرياف وتراجع الأمية والزيادة الكبيرة في نسبة عدد المتعلمين بالتساوي لدى الجنسين وارتفاع سن الزواج وتقلص فارق العمر بين الزوجين وانخفاض عدد أفراد الخلية الأسرية.
كثيرا ما يتم الإشارة في سياق الحديث عن الأجيال الشابة في إيران، ما دون الثلاثين من العمر، إلى أنها لم تعش إلا في ظل نظام الجمهورية الإسلامية، ومن هنا توقها للتحرر من القيود الصارمة التي فرضتها الثورة على أساليب حياتهم وسلم قيمهم. لكن ما يفوت تحليلات كهذه هو الإشارة إلى التبدل البنيوي الذي طرأ على شكل الأسرة الإيرانية  وتراتبيتها وعدد أفرادها ودور المرأة، الأمر الذي أدى في الكثير من الحالات إلى تفكك البنية البطريركية سواء لجهة المشاركة الاقتصادية ومكانة المرأة وتعلمها أو لجهة العلاقة بين أجيال العائلة المختلفة والعلاقة بين الرجال والنساء فيها حيث حل الحوار والتشارك مكان السلطة الآمرة الناهية. هذا التحول الأسري الذي درسه العديد من الباحثين، ترك أثره البليغ في رفض الشباب الإيراني للمحظورات التي تحاول السلطة أن تفرضها عليهم في المجال العام، في الوقت الذي تراجعت فيه هذه المحظورات في مجالهم الاجتماعي والعائلي الخاص.
من المفيد هنا مقارنة بعض المعطيات الديموغرافية الإيرانية مع تركيا ومصر ليس فقط بسبب تقارب إجمالي عدد السكان في الدول الثلاث وهي على التوالي  71,2 مليونا لإيران و75,4 مليونا لمصر و 74,8 مليونا لتركيا، ولكن لتشابه الأهمية الجيوسياسية للبلدان الثلاثة ولتقارب التحديات الإستراتيجية التي تواجهها شعوبها، هذا مع العلم أن معظم الأرقام التي نستخدمها هنا مأخوذ من إحصائيات الأمم المتحدة.
فإذا كانت إيران بالنسبة لمعدل خصوبة المرأة الذي يقارب فيها 1,7 هي في مصاف الدول الأكثر تقدما في العالم، فإن معدل خصوبة المرأة في مصر لا يزال بحدود ثلاثة أطفال في حين أنه في تركيا في حدود 2،1 طفلين للمرأة الواحدة. ويتساوى معدل سكان المدن في كل من إيران وتركيا وهو 68%، في حين أنه في مصر في حدود 42,6 %. وإذا أخذنا عدد الناس الموصولين بالانترنت كونه لعب دورا مهما في تحرك المجتمع الإيراني الأخير، فإننا نجد أنه الأعلى في إيران في حدود 23 مليون نسمة ومن بعده تأتي تركيا في حدود 13.1 مليون نسمة وأخيرا مصر في حدود 8.7 ملايين نسمة. في المقلب الآخر فإن إيران تتفوق على تركيا ومصر لجهة الارتفاع الكبير في معدلي التضخم والبطالة بسبب سياسات الرئيس نجاد الاقتصادية، هذا على الرغم من التغيرات الديموغرافية المبشرة. وقد استخدم العديد من الباحثين هذا المعطى للتشكيك بالفكرة المسبقة عن التأييد الذي يتمتع به محمد أحمدي نجاد في صفوف الطبقات الشعبية، كون الأخيرة هي المتضرر الأكبر من التضخم والبطالة. وفي حال وجود مثل هذا التأييد في صفوف هذه الفئات الفقيرة، فإنه غالبا ما يكون في الدوائر المرتبطة مباشرة من خلال لقمة عيشها بمؤسسات الدولة الصناعية والعسكرية والخيرية. والأكيد أن هذه الفئة لا تشكل الغالبية مقارنة بالفئات المتضررة من البطالة والتضخم.
إذا عدنا إلى مقارنة البلدان الثلاثة، نجد أن إيران وتركيا تتشابهان في العديد من المعطيات الديموغرافية التي تخص مجتمعيهما، في حين تبتعد مصر قليلا أو كثيرا عن هذين البلدين بالنسبة للبنية الديموغرافية لمجتمعها. لكن هذا الابتعاد يصبح كبيرا إذا نظرنا إلى الأوضاع السياسية وحالة المجتمع المدني في كل من هذه البلدان الثلاثة وإلى آفاق الصراع على السلطة والبدائل السياسية التي تطرحها المعارضات المختلفة في هذه البلدان.
فالمجتمع الإيراني دأب خلال السنين الماضية، من خلال كل قنوات الضغط المتاحة أمامه، على محاولة دفع الحياة السياسية إلى المزيد من التعددية والانفتاح وتقنين تدخل الدين في السياسة والابتعاد بالزمني الدنيوي عن المطلق الديني، من  دون أن يعني هذا تشكيكه بشرعية الجمهورية الإسلامية.
في الاتجاه ذاته يمكننا الحديث عن المجتمع التركي وسعيه لتحرير حياته السياسية من مطلقاتها العلمانوية، في حال اعتبرنا العلمانية التركية الكمالية في جانب منها ديننا دنيويا يحاول باسم المطلق العلمانوي أن يقفل باب السياسية في وجه الزمني والنسبي والمتحرك. في كلتا الحالتين نحن أمام نظام سياسي يحمل في داخله بعداً ثيوقراطياً، علمانوياً أو دينياً، يحاول أن يطغى على ما عداه وأن يقلل قدر الإمكان من تأثير البعد الديموقراطي التمثيلي والانتخابي. يمكننا هنا أن نجازف ونقول إن تركيا في هذا المجال، أثبتت مرونة أكبر في نظامها السياسي لجهة قدرته على التطور والتخفف من المطلقات العلمانوية والسماح بهامش كبير من المشاركة السياسية والتقليل من  وطأة “المقدس” العلمانوي على السياسي اليومي و”مدنساته”.
المؤسف في الحالة الإيرانية أنه بعد إجهاض تجربة حكم خاتمي وقمع التحركات الطالبية والتضييق الخانق على الإصلاحيين وصولا إلى تجربة الانتخابات الرئاسية الأخيرة والدور الطاغي والمنحاز الذي بات يلعبه الولي الفقيه بعيدا عن أي رقابة شعبية، فإن الجمهورية الإسلامية أغلقت أكثر فأكثر إمكان تطوير نظامها السياسي أمام المزيد من التمثيل الشعبي الحقيقي بشكل يستجيب لتطلعات مجتمعها وللتبدلات العميقة التي طرأت عليه منذ زمن الثورة. لكن هذا لا يغير شيئاً في حقيقة أن المجتمع الإيراني، بمدنه وريفه، بطبقته الوسطى وطبقاته الشعبية، بغالبيته الفارسية وأقلياته الإثنية والدينية، وبمعظم تياراته السياسية، قد شب عن الطوق وسيكون من المستحيل في المدى البعيد إعادته إلى بوتقة ولاية الفقيه بمنظورها الحالي الذي  يركز أهم الصلاحيات السلطوية والدينية في يد رجل واحد تحيط به أجهزة أمنية وعسكرية واقتصادية تتحرك تحت أمرته بعيداً عن أي مسألة شعبية.
إذا نظرنا إلى الجانب المصري، فإنه على الرغم من التغيرات العميقة التي أحدثتها ثورة 23 يوليو 1952 في بنية المجتمع المصري، فإننا اليوم لا نجد إلا مؤسسة الجيش المصري يقوم عليها بنيان الدولة وتأتي منها النخب الحاكمة، مع أن هذه المؤسسة لا تملك أي صفة تمثيلة ولا تخضع لأي مساءلة شعبية ولا تملك أي شرعية دستورية أو شعبية. لا بل إن النخب الحاكمة، في حرصها على التمسك بالحكم ومنع تشكل أي معارضة سياسية منظمة، أمعنت في تقطيع أوصال المجتمع المدني وحاصرت القضاء وفككت النقابات وحاربت كل المحاولات الشجاعة لبلورة فسحات حرة للتفكير والمبادرات الخلاقة والتعددية الحزبية الحقيقة والنشاط النقابي المستقل والتجمع والاحتجاج بعيدا عن سطوة الدولة وأجهزتها الرقابية.
ليس من المبالغة بشيء القول إن المجتمع المصري في ظل تفشي الفقر واستشراء الفساد وضعف المؤسسات التعليمية وتراجع استقلالية الجامعات ووأد الخطاب النهضوي وفشل مشاريع التحديث السلطوية وظهور سيناريوات التوريث وتعطيل الهامش الديموقراطي المتبقي  في مؤسسات الدولة التمثيلية، بات اليوم أكثر ميلا للإسلام السياسي كبديل وحيد من السلطة الحالية. وكأنه بات ينطبق عليه المثل الشعبي القائل “الله أطعمه الحج والناس راجعة”، والمقصود بالناس هنا بالطبع المجتمعان الإيراني والتركي العائدان تباعاً من الثيوقراطية الدينية والثيوقراطية العلمانوية. وما يدعو للأسف أن الأخوان المسلمين في مصر، لا يزالون أسرى خطابهم الشعبوي المؤسلم، وبعيدين بأشواط عن المراجعات النقدية التي قامت بها بعض التيارات الإسلامية في العالمين العربي والإسلامي لجهة القبول الحقيقي بالتعددية السياسية والفكرية وتأصيل قضايا حقوق الإنسان والحريات الفردية والدينية وحقوق الأقليات.
خلاصة القول في حالة كل من البلدان الثلاثة، أن هناك مبادئ سياسية عامة لا بد من احترامها لكي تتجذر الممارسات الديموقراطية الحقيقية، وذلك بمعزل عن صيغة النظام السياسي الذي تحاول كل من النخب السياسية في البلدان الثلاثة بناءه، سواء أخذ طابعا جمهوريا إسلاميا أو علمانيا كمالياً أو  جمهوريا رئاسياً مصرياً. فالسلطة مستمده من الشعب وللشعب، ولا بد من احترام حرية الرأي والتعبير وحرية الاعتقاد، والحق في التظاهر والتجمع السلمي، ولا بد من أن يكون هناك فصل حقيقي للسلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، ولا بد من فرض رقابة قضائية مستقلة على الانتخابات التشريعية، ورقابة شعبية على متبوئي المناصب العامة، ولا بد من إعطاء الحق للجميع في الترشح والانتخاب  وتبوؤ المناصب العامة. ولا بد من احترام حقوق الأقليات وحقها في الوجود، وبالأخص منها الأقليات السياسية. فلا يصادر الحق في الوجود السياسي للعلمانيين في إيران مهما تضاءل تمثيلهم الشعبي، وكذلك الحال مع الإسلاميين في كل من تركيا ومصر.
قد يرى البعض أن موازين القوى الحالية في كل من هذه البلدان الثلاثة لا تسمح بأي تقدم جدي في اتجاه تطبيق هذه المبادئ الديموقراطية العامة! لكن يكفي أن ننظر في الآمال المفتوحة أمام تركيا إن هي مضت قدما في إصلاحاتها، والآمال التي ستجهض في إيران إن هي فشلت في توسيع الجانب التمثيلي في مؤسساتها وتقاعست عن إعادة النظر في مؤسسة ولاية الفقيه، والآمال غير الموجودة أصلا في مصر إن هي ظلت على عطالتها!

(كاتب سوري)
النهار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى