ثورة تونس

الثــورة و«الـدومـينــو»

سمير كرم
يستطيع المرء ان يؤكد ان اكثر الامور يقينا ـ وأكثرها اهمية في الوقت نفسه ـ وسط الاحداث المتوالية التي تلخصها عبار «الثورة التونسية» ـ هي ان هذه الثورة تقدم دليلا على ان منهج الانتفاضة الشعبية لا يزال قائماً.. لا يزال يفعل فعله.. لا يزال قادراً على اثبات قدرته على التغيير.
فبسبب انقضاء وقت طويل للغاية على الثورة الاسلامية الايرانية، كان كثير من المنظرين قد ذهب الى ان منهجها القائم على العمل الجماهيري من دون تحضير ـ غير التحضير النفسي الخفي ـ قد انتهى دوره التاريخي، وبالتالي اننا قد لا نشهد في حدود أعمار الاجيال التي تعيش الآن ثورة شعبية من هذا النوع مرة اخرى. لم يكن ذلك افتراضا بل انه وصل الى مرتبة استنتاج، ووجد هذا الاستنتاج من يؤكده.
وعندما وقعت احداث بعيدة في تايلاند، في انتفاضة اصحاب القمصان الحمراء، لم يكن هناك اي مانع من القول إن الثورة الشعبية لا تزال منهجا قائما، لولا ان الحكومة هناك استطاعت ـ ومعها اعداء الثورة، او انصار الثورة المضادة من اصحاب القمصان الزرق ـ ان تقمع الانتفاضة الشعبية. عندئذ بدا وكان الاستنتاج صحيح، وان الثورة الشعبية قد زالت، ولن تقوم لها قائمة بعد الآن.
الثورة التونسية الآن، وقد انتصرت على النظام وعلى عصابات الثورة المضادة من الميليشيات الاجرامية، اعادت التأكيد بأن الجماهير قادرة، بمحض انتفاضتها وبعنصر المفاجأة، امام نظام بلغت ثقته بنفسه حدودا قصوى، بأن الثورة الشعبية كمنهج موجودة وقادرة. واثبات هذه الحقيقة على هذا النحو في بلد عربي صغير (لا يزيد تعداد سكانه الا قليلا عن عشرة ملايين نسمة وسط امة عربية يزيد تعداد سكانها عن 250 مليونا) يمكن ان يدخل الثورة الشعبية مرحلة تاريخية جديدة، بعد ان كانت في سبيل الإلغاء، لمجرد غيابها لاكثر من ثلاثين عاما عن مسرح الحياة السياسية، على الاقل حياة هذه الامة العربية.
لقد دخلت ثورة تونس بانتصارها السريع والعدد القليل نسبيا من الضحايا، تاريخ الثورة العالمية، بل إنها افتتحته من جديد اذا جاز التعبير.
وليس هذا شيئا يمكن ان يرضي مشاعر ولا حسابات قوى الثورة المضادة، سواء منها العربية، المتمثلة في نظم تعرف جيدا مدى الشبه بينها وبين نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، او الخارجية ـ العالمية – كما تحب ان توصف المتمثلة في القوى التي ايدت ودعمت وساندت هذا النظام لأكثر من عشرين عاما، ثم وجدت نفسها فجأة عاجزة عن حمايته في وجه الثورة الشعبية. ان الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي وبريطانيا وفرنسا لم تجد من سبيل الى المواجهة مع الثورة الشعبية، الا ان تنكر عليها انتصارها، فتنسب ما حدث الى «انقلاب قام به الجيش على بن علي»، فظهر وكأن الثورة الجماهيرية ليست هي الفاعل الاساسي في احداث الشهر الاخير.
تدافعت مراكز الدراسات الاميركية ، تسبق المراكز الاوروبية، نحو الادّعاء بأن ما حدث كان انقلابا عسكريا، ولم تتردد بعض المراكز ذات العلاقة الاكثر من وثيقة مع المخابرات الاميركية المدنية والعسكرية فعينت قائدا لهذا الانقلاب، ومن يمكن ان يكون الا رئيس اركان الجيش التونسي الجنرال رشيد عمار. ارادت ان تضيع الفوارق والفواصل بين موقف، قرر الجيش به ان لا يقف ضد الشعب الى جانب النظام، وبين انقلاب موهوم قام به الجيش، من دون ان يحرك ساكنا، قبل ان يفر بن علي من البلد الذي حكمه بالحديد والنار والظلم والاستهانة بحريات الشعب وعلامات الكرامة فيه. وربما تكون هذه المراكز البحثية ـ المخابراتية قد اخفقت حتى في جعل نظريتها تتردد في الاعلام العربي والعالمي، بدرجة تكفي للتشويش على الثورة الشعبية، لكن هذا الادّعاء نجح في شيء واحد هو اثبات قصر نظر المفكرين والباحثين الاميركيين والغربيين عامة، وعجزهم عن ادراك ما لا يستهوي النخب الحاكمة صاحبة الكلمة الفاصلة فيما يقولون وينظّّرون. (تقرير مؤسسة «ستراتفور» الاميركية في 14 كانون الثاني / يناير 2011)
والان، وجيش تونس قد اتخذ الموقف الصحيح من ثورة البلاد، فإنه يتولى مهمة حمايتها من الميليشيات الاجرامية ومن كل اشكال السلوك التي تسمح بها حالة الفوضى وفراغ السلطة في اي مجتمع. ولا تجد هذه المراكز والمؤسسات سوى ان تعترف بان «القادة في انحاء العالم العربي وخاصة في الشمال الافريقي، سينظرون الان نحو المثال التونسي بهموم، عن الكيفية التي يمكن بها لهذا الوضع ان يتكرر في بلدانهم هم… ان الاطاحة ببن علي سوف تخدم كمصدر للإلهام لجماعات تعارض النظم ففي اماكن مثل مصر والجزائر وبقية العالم العربي. والامر المؤكد ان حكام هذه الدول سيسعون الى تامين الابقاء على قبضاتهم القوية على قواتهم المسلحة، كما ظن بن علي يوما انه يفعل حتى اليوم».
بل ان المؤسسة المخابراتية نفسها لم تتردد في ان تقول (تقرير اخر لمؤسسة «ستراتفور» بتاريخ 15 كانون الثاني /يناير 2011 وهو اليوم الذي فر فيه بن علي واستقر، بعد ان واجه ابواباً مغلقة في الشمال الافريقي وفي اوروبا، في السعودية)، «ان ستراتفور لا تتوقع بالضرورة ان تسقط الحكومة التونسية، ولكن مخاطرة العدوى شيء لا تريد اي حكومة عربية في المنطقة ان تواجهه». وتعترف المؤسسة في هذا التقرير بعكس ما قالته في تقرير اليوم السابق، اذ تقول «يبدو ان الحركة (الثورية وهو تعبير لم تستخدمه تقاريرها عن تونس وأحداثها ابدا) تزداد قوة، ويوماً بعد يوم، مع كل حالة وفاة على ايدي قوات الامن، ويجد بن علي (وكان قد فر جوا بالفعل) صعوبة في ان يقطع رأس الحركة لسبب بسيط هو انه ليس لها رأس». وهكذا ابتلعت ستراتفور ما قالته من ان هذا «انقلاب» وأن قائده ـ اي رأسه – هو قائد الجيش الجنرال رشيد عمار (…)
انما يبقى صحيحاً ان هذه المراكز البحثية ادركت ان تأثيرات ثورة تونس على البلدان المحيطة امر لا يمكن انكاره. «ان الخوف من ان تظهر في مصر شخصية على غرار بوعزيزي (خريج الجامعة العاطل الذي اراد ان ياكل لقمة خبز من بيع الخضروات، فواجهته قوات الامن بطرده من الشارع ومصادرة بضاعته، فانتحر بإحراق نفسه في الشارع، فأحدث الشرارة الاولى للثورة) انما تفسر تعليقات كذلك الذي اطلقه رشيد محمد رشيد وزير التجارة والصناعة يوم 11 كانون الثاني / يناير الحالي حين قال: إن الظروف في مصر تختلف عنها في تونس حيث اندلعت الاضطرابات بسبب البطالة على سبيل المثال».
بل ان احداث الثورة في تونس اعادت الى الاذهان نظرية «الدومينو» التي كانت سائدة لتفسير احداث زمان ومكان مختلفين تماما.
كانت نظرية «الدومينو» تصف ما كان متوقعا في جنوب شرقي آسيا، في بدايات حرب اميركا على فيتنام في اوائل ستينيات القرن العشرين. وكانت تذهب الى انه اذا سيطرت الشيوعية (وقتها كان هذا تعبيرا يقصد به الثورة) على اي من بلدان المنطقة – فيتنام مثلا ـ فإنه كما تتوالى قطع الدومينو في اللعبة المعروفة، سيتوالى سقوط بلدان اخرى في الشيوعية. كانت النظرية آنذاك مبررا لحرب اميركا على فيتنام من اجل منع سقوط دول اخرى في المنطقة في قبضة الشيوعية. والان وبعد خمسين عاما على ظهور هذه النظرية، نراها تعود في المصادر الاميركية بوجه خاص، لتفسر مخاوف الولايات المتحدة من ان يكون للنظرية نفسها فعلها في منطقة تبعد الاف الكيلومترات عن جنوب شرق اسيا وتبعد بمسافات اكبر عن التطورات باتجاه الشيوعية.
ان اميركا ـ ووراءها اوروبا ـ تخشى ان تكون تونس الحجر الاول في الدومينو، وأن الاحجار التالية التي ستتساقط تلقائياً هي بلدان المنطقة التي تحظى بالدعم الاميركي والغربي خشية التيار الاسلامي اوخشية التيار القومي او تحالف من نوع ما يقوم بين هذين التيارين. ان الحقيقة الساطعة التي اضاءتها انوار الثورة التونسية هي ان المنطقة العربية «مهددة» بثورات مماثلة تفقد فيها الامبريالية الاميركية النظم التي شكلت على مدى العشرين او الثلاثين سنة الاخيرة قواعد سياسية للنفوذ السياسي والاقتصادي والثقافي الذي ارتكزت عليه الولايات المتحدة في سيطرتها على المنطقة. وتعي اجهزة النخب الحاكمة الاميركية جيدا ان العوامل المشتركة بين تونس وبلدان الامة العربية جمعاء موجودة عقائديا ونفسيا وسياسيا على نحو لا يمكن معه استبعاد تأثير الثورة التونسية في اي منها. ان الظروف والاحوال التي تسود بلدان الامة العربية الواقعة تحت نفوذ ـ بل هيمنة – الولايات المتحدة تتماثل الى حد لا يمكن اغفاله او انكاره، ابتداء من اتساع الهوة بين الفقراء والاغنياء، وسيطرة الطبقة المفرطة في الثراء على السلطة وأجهزتها وانتشار البطالة بين الجامعيين وتردي احوال الشباب الذين يشكلون الغالبية العظمى من السكان … هذا فضلا عن اوجه التماثل ـ ولا نقول التشابه ـ بين رؤوس الحكم التي كانت تتولى السلطة في تونس وتلك التي لا تزال تطبق بقبضتها القوية على الاوضاع وتحكم بأشد القوانين قدرة على الحد من الحريات العامة ومن نشاط المجتمع المدني ومن القدرات الخلاقة للشباب امثال التونسي الشهيد الاول للثورة بوعزيزي.
كيف تستطيع النخب الحاكمة في النظام المهيمن عالميا ان تتجنب تاثيرات نظرية الدومينو في المنطقة العربية بعد الاحداث الثورية في تونس؟
هل هناك امكانية لتغيير الاوضاع الاجتماعية التي لعبت الدور الرئيسي في ثورة تونس حتى لا تلعب الدور نفسه في البلدان العربية الاخرى التي تتشابه في اوضاعها الاجتماعية وفي نخبها الحاكمة مع تونس؟
هل هناك فرصة لتغيير الاوضاع الاجتماعية في البلدان العربية مع الابقاء على الهيمنة العسكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية للامبريالية الاميركية؟
هل هناك من سبيل الى وقف تأثير نظرية الدومينو في حالة الشرق الاوسط على الرغم من توفر كل عناصر التماثل بين دوافع ومحركات الثورة في تونس ودوافع ومحركات الثورة في الامة المحيطة بها؟
من كان يمكن ان يتصور ان تتحول نظرية الدومينو من نظرية امبريالية تحارب اميركا تحت رايتها الزحف الشيوعي في جنوب شرق اسيا، الى نظرية تحارب الثورة النفوذ الداخلي والخارجي المضاد للحريات والمعرقل للعدالة الاجتماعية؟
ان هذا هو بالتحديد ما يجري الآن، وتعجز عن إدراكه اجهزة الهيمنة الغربية وتعجز عن تلافيه ـ بالتالي ـ اجهزة السلطة التي تحتمي بهذه الهيمنة.
وطالما ان هناك جماهير من الفقراء والمهمشين في الوطن العربي، فإن عوامل الثورة وقوة تأثير نظرية الدومينو قادرة على ان تصنع مفآجات من نوع ثورة تونس الشعبية. مفآجات؟ فقط للنخب الحاكمة التي ربطت مصيرها بالهيمنة الاميركية والغربية عموما. مفآجات؟ فقط للقوى الامبريالية التي تسيطر من اجل ان تجني ارباح بنوكها واستثماراتها على حساب فقراء هذه المناطق المحرومة.
من الثورة الى نظرية الدومينو في صيغتها الجديدة طريق واحد بلا رجعة.. مهما تصورت الثورة المضادة، التي تستعد لأدوارها من الآن، امكان الرجوع.
السفير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى