صفحات الناسموفق نيربية

سعداء… ولا ندري

null
موفق نيربية
صادق ‘الكونغرس القاري الثاني’ في الرابع من يوليو 1776 على إعلان الاستقلال في الولايات المتحدة، الذي كتب مسودته توماس جيفرسون، وورد في نص القسم الثاني منه ما يلي:
‘نحن نتمسّك بهذه الحقيقة جليّةً بذاتها، أن البشر كلّهم خُلقوا متساوين، وأن خالقهم وهبهم حقوقاً لا تقبل التصرّف فيها، ومنها الحياة والحرية والسعي وراء السعادة’.
وفي 2006، ظهر فيلم ‘السعي وراء السعادة’، وجسّد كفاح كريستوفر غاردنر من أجل حياة كريمة تضمن لولده أفضل الظروف، أو يحقق ما يُسمّى بالحلم الأميركي، الذي مازال حلماً هناك.
لكننا لا نأبه لذلك… وأكد موقفنا هذا أخيراً تقرير ‘مؤشر الكوكب السعيد’ الذي صدر منذ بضعة أسابيع عن ‘مؤسسة الاقتصاد الجديد’ في بريطانيا.
في نتيجة ذلك التقرير الطويل، جاءت مصر في المركز الثاني عشر بين 143 دولة، وبعدها مباشرة السعودية، ثم المغرب في المرتبة 22، فالأردن 26، وتونس 29، وسورية 38، واليمن (السعيد أساساً) 50، والعراق 79، وجيبوتي 87، وموريتانيا 93، ولبنان 110، والسودان 121، والإمارات العربية المتحدة 123، والكويت 126. ويمكن وضع إشارة تعجّب وراء الأرقام السابقة كلّها.
لابدّ من الإشارة هنا؛ قبل أن يشعر أحد ما بالمهانة؛ إلى أن الدنمارك -مثلاً- حلّت في المركز 105، والولايات المتحدة بعدها بتسع مراتب.
اعتمد التقرير على ثلاثة عوامل في حساباته: العمر المتوقَّع الوسطي، وكفاية الحياة أو الرضا بها، ثم التأثير السيئ على بيئة كوكب الأرض. وهذه طريقة في التعبير عن الأمر، حتى لا يختلط إذا اعتمدنا تعبيرات التقرير الدقيقة نفسها.
استعانت المؤسسة المدنية الدارسة بمعهد ‘غالوب’ الشهير لإجراء الاستطلاعات اللازمة لإعداد تقريرها، ولا نعلم تماماً كيف تمّ استخلاص الأجوبة ولا الشرائح التي توجهت إليها الأسئلة، خصوصاً في بلدانٍ ملتبسة المداخل والمخارج. فإذا واجه أحدنا سؤالا على طريقة ‘سلّم الرضا’، التي تطلب من الإنسان تصوّر سلم من عشر درجات يتصاعد عليها رضاه عن حياته، ليحدّد على أي درجة يرى نفسه، وهو مسلّح بالقناعة التي هي كنز لا يفنى، وغير مسلّح إذا سألته السلطة في بلاده عن جوابه، كما أنه لا يعرف الكثير من عوامل السعادة التي يعرفها أبناء شعوب أخرى، فكيف يمكن الأخذ بالمعلومة الشفهية التي يقدمها؟!
وعلى ماذا يستند تقدير ‘حسن العيش’ أو ‘جودة الحياة’ إذا اعتمد الأمر على الإقرار تحت الضغط أو الحصار؟ بل ربما يكون الجواب إيجابياً حتى من شخص يقضي سنوات عدة في السجن، واعتاد التغنّي بأنه حر في حبسه أكثر من الأحرار خارجه، واعتدنا نحن الغناء له بهذا اللحن الإنساني الجميل، الذي يدعم الحسّ بالاستعداد للتضحية من أجل ما يراه مستقبلاً أفضل له ولأولاده ولشعبه. فكيف يكون القياس المتساوي؟!
يبدو أن الطريق إلى الجحيم معبّد بالنوايا الطيّبة بالفعل. هذه النوايا هي التي تجعل من مستوى الناتج القومي الكلي وحصة الفرد منه مسألةً ضعيفة الأهمية حسب واضعي التقرير، أو ‘محلاها عيشة الفلاح’ بطريقة أخرى. صحيح أن الدول الواقعة جنوب الصحراء وبقية القارة الإفريقية نزولاً تحتل الأرقام الأخيرة في مؤشر سعادة الكوكب، ولكن بعضها لا يهبط بحدة هكذا إلا بسبب ‘الإيدز’ وتأثيره المخيف على العمر المتوقع للفرد. رغم ذلك، يلفت النظر بقوة أن كوستاريكا تحتل الرقم الأول عالمياً في التقرير. وهي بلد يقع بين أميركا الوسطى والجنوبية، تعداد سكانه أكثر من أربعة ملايين بقليل، حصة الفرد فيه من الناتج القومي 13500 دولار، و16 في المئة من سكانه تحت خط الفقر. لكنها بلاد ديمقراطية، ألغت وجود الجيش منذ عام 1949، وتهتم جيداً بحقوق الإنسان (في البلاد الأخرى أيضاً)، وشغلت ستّ مرّاتٍ عضوية مجلس الأمن. عمر الحرية فيها أكثر من قرنً.
بلادٌ تستحق النوايا الطيبة بالفعل، وهي مثالٌ لإمكانية تحقيق ‘الخصوصية الوطنية’ مع الديمقراطية والحق بالسعادة. بالمقارنة مع أخواتها في جنوب الكوكب، وبغضّ النظر قليلاً عن الفقر والتأخر، لا بأس بتشجيع المثال. المشكلة فيمن يكون مغموراً بالفقر والتأخر وغياب الحرية وحكم القانون وحقوق الإنسان والمشاركة السياسية مع الفساد والنهب، وتسطيح التعليم والثقافة، وتعميم الاحتكار والاستبداد وتأبيد حالة الطوارئ، ويهلّل لموقعه على ‘مؤشر الكوكب السعيد’ هذا.
هو لبلاد تمتلك الوقت للضجر والعودة إلى الطبيعة. وإذا كان لنا الحق في ‘السعي وراء السعادة’ كجميع الناس، فلابد لنا أن نمتلك أمرنا أولاً.
أذكر من شبابي أنني شاهدت فيلماً بديعاً كان اسمه: ‘وقابلت غجراً سعداء’. ولولا طريقة سعادتهم الساحرة التي تتملكنا، فيجدنا الزوار الأجانب مريحين ومرتاحين، لانفجرنا.

* كاتب سوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى