الرئيسية » صفحات مختارة » قبل أيلول (سبتمبر) 2001 وليس ما بعده

قبل أيلول (سبتمبر) 2001 وليس ما بعده

null

تجديد الخطاب الديني ضرورة معرفية وليس استجابة لاستحقاقات 11 سبتمبر

نصر حامد أبو زيد

من الضروري في البداية إزالة الالتباس الذي يمكن أن ينتج عن كون الدعوة لتجديد الخطاب الديني يعاد طرحها اليوم بإلحاح بعد أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر). وفي سياق الضغوط الأمريكية علي العالم العربي والإسلامي لتعديل برامجه التعليمية، خاصة منها ما يرتبط بتعليم الإسلام. لا يحتاج الكاتب هنا لإبراز جهوده في مجال (نقد الخطاب الديني) خلال أكثر من ربع قرن، هي مجمل حياته الأكاديمية.

وهي جهود صارت مكثفة خلال العشر سنوات الأخيرة بصفة خاصة. الكاتب هنا لا يتعامل مع الأسئلة والإشكاليات التي يطرحها علينا الآخرون بقدر ما يتعامل مع أسئلة الواقع الراهن، وكثير منها أسئلة مؤجلة. أكثر الأسئلة المؤجلة تتعلق بحقوق الإنسان وحقوق المرأة وحقوق الأقليات، وهي الحقوق التي يمكن تصنيفها تحت مفهوم (العدل). وثمة أسئلة تتعلق بقضايا التعليم والحرية والديمقراطية والتقدم والنهضة.. الخ.

إنها قضايانا وأسئلتنا منذ عصر النهضة، الذي بدأناه في القرن التاسع عشر، وتعثرت مسيرتنا معها لأسباب عديدة، فتأجلت القضايا وتوقف حسمها من أمد ليس بالقريب. لا ينبغي إذن أن نتقاعس عن التعامل مع هذه القضايا وغيرها لمجرد أنها تثار وتنعكس علينا من مرايا الآخرين، فيركبنا العناد متصورين أننا بذلك ندافع عن هويتنا. ليست هويتنا هي (التخلف) ومقاومة (التطور).

ومن العبث أن ننحاز إلي صفوف دعاة (التجمد) باسم الدفاع عن الدين والهوية. وأخيرا فإن المعيار الذي علي أساسه نقيس الأمور يجب أن يكون معيار حاجتنا للتطور، ومقاومة (الجمود)، وهو المعيار الذي قامت علي بنائه أسس نهضتنا الحديثة، والتي لم تحقق كثيرا من طموحاتها، فتركت وراءها كثيرا من القضايا المؤجلة. لا سبيل أمامنا لاستئناف مشروع النهضة علي أسس أكثر متانة إلا أن نبحث عن أسباب إخفاقها ونواجه بشجاعة أسئلتها، أو بالأحري أسئلتنا، المؤجلة، وعلي رأس هذه القضايا قضية (تجديد الخطاب الديني).

1 ــ تقديم:

أتناول في هذه المقدمة مسألتين: المسألة الأولي علاقة (الخطاب الديني) بمجمل (الخطاب العام) السياسي الاجتماعي الاقتصادي الخ. المسألة الثانية معني (التجديد) ودلالته، آفاقه ومحاذيره حين يتصل بقضايا دينية، لا تنفصل بالضرورة عن قضايا الاجتماع والسياسة والاقتصاد. ولكن قبل الدخول في المسألتين لابد من تأكيد البديهيات، التي تتعرض للتشويه وتحتاج من ثم إلي الشرح والتوضيح. (الخطاب الديني) خطاب إنساني بشري شأنه شأن أي فرع من فروع الخطاب العام. إنه خطاب عن (الدين) وليس هو (الدين)، وهو من ثم قد يكون ــ شأنه شأن الخطاب العام ــ خطابا حافزا للتقدم والازدهار، وقد يكون خطابا محافظا يسعي لتأييد الواقع الماثل واعتبار (ليس في الإمكان أبدع مما كان). بل إنه قد يكون خطابا يقوم علي افتراض إمكانية التماثل التام مع تجربة الماضي التاريخية الاجتماعية السياسية، فيسعي لنزع صفة التاريخية عنها لتتحول إلي (يوتوبيا) يجب تحقيق نموذجها وفرضه علي الواقع الراهن ولو باستخدام القوة. نحن إذن إزاء أنماط ومستويات من الخطاب تتفاوت في مسعاها النقدي: في الخطاب الحافز للتقدم والازدهار يعلو دور (النقد)، نقد الواقع ونقد التراث، سعيا لبلورة إجاباتنا نحن عن مشكلات مختلفة من حيث الطبيعة والبناء عن المشكلات التي تعامل معها الأسلاف. هذا المسعي النقدي الخلاق لا يكتفي بنقد التراث ــ باعتباره خطابا إنسانيا أيضا عن (الدين) وليس هو (الدين) ــ بل يتناول بنفس المنهج النقدي تراث الآخر، متبعا خطوات السلف في الانفتاح النقدي الحر علي ثقافات العالم كافة.

وليس صحيحا ذلك الترويج لأكذوبة أن جيل الرواد منذ الطهطاوي حتي طه حسين مرورا بقاسم أمين وعلي عبد الرازق كانوا (مستغربين). إن نقد هؤلاء المفكرين الأعلام، الذين ذكرناهم علي سبيل المثال لا الحصر، للتراث الغربي يتماثل في عمقه مع نقدهم للتراث الإسلامي. إنه (النقد) المبدع الخلاق المضاد للتقليد الأعمي، واتباع خطي الآباء دون تبصر. أليس النهي عن التقليد الأعمي للآباء من صلب دعوة القرآن الكريم؟ وإعادة الاعتبار لجيل الرواد تنقلنا إلي مناقشة مسألتنا الأولي في هذا التقديم: هل كان هذا النمط الإبداعي من الخطاب الديني المتمثل في خطاب رواد النهضة إلا جزءا من (الخطاب العام) الاجتماعي السياسي، الذي يمكن وصفه بخطاب (النهضة الحديثة) في مجالات السياسة والأدب والتاريخ والاجتماع؟ يكفي أن نذكر كتابات (طه حسين) و(محمد حسين هيكل) و(توفيق الحكيم) و(خالد محمد خالد) و(عبد الرحمن الشرقاوي) عن (السيرة النبوية) و(حياة محمد) عليه السلام، ونضعها في سياق الكتابة التاريخية للعبادي وتاريخ الفكر الإسلامي بصفة خاصة، ذلك الذي أنجزه (أحمد أمين) في موسوعته المعروفة. إنه خطاب (التجديد) العام الذي ينطوي في عباءته خطاب (التجديد) الديني. في الخطاب المحافظ الذي يسعي لتثبيت الواقع الماثل باعتباره “أفضل الممكنات” تحل الإيديولوجيا السياسية، في صورتها البرجماتية النفعية، محل النقد. ومن السهل للقارئ الناقد أن يتابع الكتابات التي انتشرت كالسرطان في الخمسينيات والستينيات عن (الإسلام والقومية العربية) أو عن “الإسلام والاشتراكية” ليدرك غياب البعد التحليلي النقدي في هذه الكتابات. ولذلك كان من السهل علي بعض ممثلي هذا النمط من الخطاب أن يجدوا تبريرا إسلاميا لخطاب السبعينيات السياسي الاجتماعي الاقتصادي، فتم اكتشاف أن (قانون الإصلاح الزراعي) مناف للإسلام، وأن قانون (ضريبة التركات) غير إسلامي، بل تم اكتشاف أن (التجارة في العملة) تقع في دائرة (الحلال)، وأن نظام البنوك الحالي نظام ربوي خارج عن قواعد الإسلام. وهذا الخطاب الإيديولوجي كان هو الخطاب الذي أسس مشروعية (شركات الاستثمار الإسلامية)، التي لم يعد ثمة حاجة لشرح ما انتهت إليه أحوال إيداعات المواطنين المخدوعين. في سياق الكشف عن بعد (الإيديولوجيا السياسية) في الخطاب الديني نكتشف حقيقته كخطاب إنساني بشري، ونعري أي قداسة مُدَّعاة قد يدعيها هذا الخطاب لنفسه. وهنا أطرح تحذيرا فحواه أن ممثلي هذا النمط الثاني من الخطاب الديني، وهم كثيرون وأصواتهم عالية مسموعة، قد يفهمون الدعوة لتجديد الخطاب الديني بأنها دعوة مدفوعة بأحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) من العام الماضي وتوابعه، وأنها من ثم مجرد دعوة لتحسين صورة الإسلام والمسلمين إزاء رد الفعل المعادي في الغرب وسعي الولايات المتحدة للتدخل في صياغة (خطاب إسلامي) ترضي عنه وتؤيده. ولعل في كثير مما يكتب وينشر في الصحف يؤكد هذا، إذ يفهم مصطلح (الخطاب الديني) باعتبار أن المقصود هو (الخطابة) في المساجد، (خطبة الجمعة) علي وجه الحصر والتحديد، وهو فهم قاصر. ليس المقصود بالخطاب الديني (الوعظ الديني) وإنما المقصود (الفكر الديني) في عمقه المعرفي. صحيح أن تجديد لغة الوعظ والخطابة مطلوب للتخلص من اللغة الرثة التي تسيطر في غياب (تعليم) حقيقي، لكن شتان بين تجديد لغة الوعظ وبين تجديد الفكر وإطلاقه حرا. بهذا المعني الأخير (تجديد الفكر) نتحدث عن (تجديد الخطاب). هذا تمييز واجب، لأن الدعوة إلي تجديد الفكر تنبع أساسا من الحاجة الملحة لتأسيس مجتمع العدل والحرية، لتأسيس الوطن (محلا للسعادة المشتركة بيننا، نبنيه بالحرية والفكر والمصنع). إن تأسيس هذا الوطن هو حلم كل مواطن، وعلي ذلك يجب أن تؤخذ الدعوة لتجديد الخطاب الديني في إطار الدعوة لفتح آفاق (الحرية) التي بدونها لا يزدهر (فكر)، وبدون (الفكر الحر) لا نجاح لأي مشروع، مصنع كان أو مزرعة دواجن.

هذا التحذير ينقلني إلي المسألة الثانية: معني التجديد وآفاقه ومحاذيره، وذلك من دون حاجة إلي إفاضة الحديث عن النمط الثالث من أنماط الخطاب الديني، نمط (اليوتوبيا)، التي تتجلي في صورة (ماض) يجب صياغة (الحاضر) وفق مثاله المتوهم. هذا خطاب ضد التاريخ وضد التراث وضد الواقع، وإن كان يجد في حالة (التزمت) الراهنة أرضا خصبة لترويج دعواه.

في تحديد معني التجديد أقتبس عبارة الشيخ (أمين الخولي) التي استخدم فيها استعارة (القتل) حين قال: (أول التجديد قتل القديم بحثا)، ما معني هذه الاستعارة وما دلالتها لصياغة مفهوم التجديد؟ وفي تقديري أن (الاستعارة) ــ استعارة (القتل) ــ لا تفهم حق فهمها في سياق (الخطاب التجديدي) للشيخ إلا باقتباس عبارة أخري تتكرر أيضا في كتاباته، تلك هي (تعد الفكرة حينا ما كافرة تُحَرَّم وتحارب، ثم تصبح ــ مع الزمن ــ مذهبا، بل عقيدة وإصلاحا تخطو به الحياة خطوة إلي الإمام). إنها سنة الحياة المطردة المتكررة في حياة الفكر الإنساني عامة، وفي حياة الفكر الديني بصفة خاصة. هذه الظاهرة المطردة لا تعني أن (التجديد) وثب في فراغ، أو سعي نحو مجهول. إنه يبدأ من “قتل القديم بحثا” ولكنه لا ينتهي عند هذا، فقتل القديم إنما يعني تسليط منهج “النقد التاريخي” بضوئه الكاشف ليميز بين ما في التراث من عناصر قابلة للنماء، وما فيه من عناصر جفت وصارت من شواهد التاريخ. هذا في تقديري معني استعارة (القتل)، قتل القديم (بحثا) كمقدمة أولي للتجديد. نحن إذن في حاجة ملحة عاجلة لحرية (البحث) في التراث الديني بوصفها شرطا أوليا للتجديد. وهذه الحرية لا ضمان لها إلا برفع الحصار عن (العقل) في ممارسته للحرية. إذا كان هذا هو الشرط الأولي للتجديد، فإن آفاق التجديد يجب أن تكون بلا ضفاف، فالحديث عن ضرورة وجود (مناطق فكرية آمنة) بمعزل عن التساؤل والنقد والنقاش الحر هو مقدمة (الحجر) علي العقول، وممارسة سلطة رقابية لا وجود لها في تاريخ الفكر الإسلامي. وحين وجدت هذه السلطة كان هذا إيذانا ببداية النهاية، ودخول عصر (الجمود) و”الانحطاط” في كل المجالات، لا في مجال الخطاب الديني وحده. يؤكد هذا مرة أخري أن (الخطاب الديني)، في الماضي كما في الحاضر، جزء لا يتجزأ من نسق الخطاب العام. يجب إذن أن تتسع دعوة التجديد لتشمل كل مجالات الفكر والإبداع، وأن تتسم بقدر هائل من التسامح مع بعض النتوءات، بل ومع بعض ما يمكن تصور أنه شذوذ وخروج علي الإجماع. إن (الحرية) هي وحدها التي تحمي نفسها، وتحمي المجتمع من (التآكل) ومن التستر علي أي فساد يحتمي بمقولات زائفة عن (الحفاظ علي الهوية) و(حماية القيم) … الخ، ذلك أن مجتمعات الثقة ــ وعمادها الحرية الفكرية ــ قادرة علي التحصن ضد “التجمد) و(التحلل) في آن واحد. إن خرق الإجماع ــ في أي مجال ــ يكون عادة بداية لتأسيس إجماع جديد، وهذا جوهر (التقدم) إن شيئنا أن نتقدم. أليس هذا معني أن الفكرة ــ التي تكون كافرة مُحَرَّمة في وقت ما ــ تصبح هي حاضنة التطور والتغيير في وقت آخر؟ أليس هذا هو معني الصيرورة: التطور من خلال ممارسة مستمرة للنقد، الذي ليس هو بالمناسبة (نقض) وهدم كما يشيع في الخطاب العام أحيانا حين يتصل (النقد) بالخطاب الديني؟ ومن الضروري أن أؤكد أننا في حاجة لحماية حق (الخطأ) في الاجتهاد والتجديد، والتعبير عن الرأي. أليس حق (الخطأ) محصنا في الفكر الإسلامي بالمكافأة؟ أليس من قبيل التناقض المنطقي أن يكون (التجديد) مرهونا بعدم مفارقة (الإجماع) من جهة، ومرهونا بشرط (عدم الخطأ) من جهة أخري؟ أي تجديد متوقع إذن، وأي حرية؟ لنتناول الآن بالعرض، مجرد العرض، بعضا من قضايانا وأسئلتنا المؤجلة، لنري كيف يمكن أن نتعامل معها:

1 ــ أزمة (النقد) في بنية الثقافة المعاصرة:

لماذا يمثل (النقد) حين يطال الظاهرة الدينية في أيٍ من تجلياتها أو تعبيراتها التاريخية جريمة كبري في الثقافة الإسلامية الحديثة والمعاصرة، والتي كان يفترض أن تكون ــ بحكم حداثيتها ومعاصرتها ــ أكثر قدرة علي تقبل النقد والاستجابة له بشكل إيجابي أكثر من الثقافة الإسلامية في العصور السالفة. هل يمكن أن يكون السبب كامنا في الالتباس الدلالي النابع من التشابه الصوتي في اللغة العربية بين كلمتي (نقد) بالدال و(نقض) بالضاد، فصار يُنظر إلي (النقد) بوصفه هدما و(نقضا)، وهكذا انتقلت دلالة السلب في كلمة (نقض) إلي مفهوم مصطلح (النقد)؟ لا أظن أن التشابه الصوتي يقدم تفسيرا مقنعا للخلط والالتباس الدلاليين بين معني (الفرز والتمييز) في كلمة (نقد) وبين معني (الهدم) في كلمة (نقض). إن اللغة في النهاية عملة تداولية تتحدد دلالات مفرداتها من خلال التواصل اللغوي الاجتماعي، لا من خلال الدلالات المعجمية التي تحددها القواميس، وعلي ذلك يتعين البحث خارج إطار هذا الالتباس الصوتي. هذا من ناحية، ومن ناحية أخري لا يصلح هذا التعليل لتفسير ظاهرة الهلع من (النقد) في المجتمعات الإسلامية غير الناطقة بالعربية.

وبالمثل لا يمكن أن يكون الاستناد إلي إغراء التعليل، الذي يلجأ إليه البعض، بالقول إن الأزمة تكمن في بنية (العقل الإسلامي)، ذلك أن الحديث عن عقل إسلامي خارج محددات الجغرافيا والتاريخ من جهة، وبمعزل عن الشروط الاجتماعية ــ الثقافية للمجتمعات الإسلامية بمرجعياتها التاريخية المختلفة من جهة أخري، حديث ميتافيزيقي لا يستند إلي أسس واقعية. لعل الأكثر واقعية أن نبحث عن علة هذا الفزع العام من منهج (النقد)، خاصة حين يطال أيا من الظواهر الدينية في التاريخ الحديث، في أزمة (الحداثة) و(التحديث) وإشكالياتها النابعة من سياق العلاقة الملتبسة بين العالم الإسلامي من جهة، وبين أوروبا بصفة خاصة والغرب بصفة عامة من جهة أخري. ربما نجد في هذه العلاقة مؤشرات للإجابة علي بعض الأسئلة الحائرة. لماذا كان ممكنا مثلا في القرن التاسع الميلادي لمفكر موسوعي مثل جلال الدين السيوطي (ت 909 هـ) أن يسرد الرأي القائل بأن (القرآن) الكريم أُوحيَ إلي محمد عليه السلام بالمعني فقط وأنه هو الذي وضع صياغته باللغة العربية، ولم يعد ممكنا اليوم مجرد مناقشة هذا الرأي أو حتي حكايته؟ لماذا إذا ذكر مؤرخ ــ مجرد ذكر ــ الحقيقة التاريخية المعروفة أن محمدا، عليه السلام، فشل في دعوته في مكة حيث تعرض هو وصحبه لاضطهاد غير محتمل من قريش، ومن ثم لم يجدوا مناصا من هجرة بعضهم إلي (الحبشة) أولا، ثم هجرة الجميع إلي (يثرب) ثانيا، تهيج الدنيا ويحتج المحتجون فيحاكم الرجل ويحكم عليه بالسجن؟ ولماذا ينجرح الشعور الديني بصدور رواية أدبية أو نشر قصيدة شعرية، أو عرض لوحة فنية أو رواية سينمائية، ويحشد الخطباءُ العامةَ في مظاهرات احتجاج ضد ما لم يقرءوا أو يشاهدوا؟ ما سر ذلك العداء العجيب للفنون والآداب، خاصة فنون الموسيقي والغناء، كأن ترتيل القرآن الكريم لا ينتمي إلي فن الأداء الصوتي، وكأن القرآن نفسه ليس نصا أدبيا وفنيا راقيا بامتياز؟

وأخيرا لماذا نحرم ثقافتنا من فنون المسرح والأداء بوضع محاذير ضد ظهور بعض الشخصيات التاريخية؟ في البدء انْصَبَّ التحريمُ علي ظهور الأنبياء، ثم أخذ ينسحب تدريجيا علي الصحابة وآل البيت، والآن توضع المحاذير ضد الممثل أو الممثلة الذي يشخص دور شخصية مهمة من التابعين، كأن يقال مثلا إن عليه،أو عليها، أن يجعل من هذا الدور آخر الأدوار التشخيصية. أليس معني ذلك أن التمييز بين (الشخصية) و(الممثل) الذي يشخصها غائب غيابا تاما من أفق الوعي العام؟ إنه التوحيد التام بين (المثل) و(الممثول)، سواء في اللغة ــ بين الألفاظ والمعاني والدوال والمدلولات ــ أو في الواقع بين “الفكر) و(الشخص)، أو في الأداء الفني والأدبي بين (المتخيل) و(الواقعي). وكأن الثقافة الإسلامية ما تزال في مرحلة التفكير البدائي (السحري)، الذي لا فارق فيه بين اللغة كنظام رمزي وبين ما تمثله وترمز إليه من دلالات، ولا بين (الممثل) والدور الذي يمثله والشخصية التي يقدمها، ولا بين العمل الفني أو الأدبي وبين (العالم) الذي ينبثق عنه، أو الفنان الذي يبدعه.

يبدو هذا كله غريبا في ظل ثقافة دينية انطلقت من آفاق مرجعية تراثية رحبة، انبثقت بصفة أساسية من (قرآن) تأسست دعوته علي العقل ــ نقيضا للجهل والتعصب وضيق الأفق المسمي (جاهلية) ــ وعلي (العدل) نقيضا للظلم الذي يتأسس علي قوة (الجهل) في كل مناحي الحياة، وعلي (الحرية) نقيضا للعبودية بكل معانيها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. من هذه المرجعية الأساسية ــ وبفعل الفكر في تفاعله مع قضايا الواقع التاريخي الإسلامي ــ تولدت أبنية ثقافية فكرية فلسفية عقلانية أسست قواعد الخروج من أسر الثقافة السحرية البدائية. لكن الثقافة الفلسفية العقلانية لا تقضي قضاء نهائيا علي التصورات الثقافية ذات الطابع السحري، بل تدفع بها إلي (الهامش) وتحصرها في أطر الممارسات الشعبية، خاصة في ظل نسق ثقافي يحرص علي التمييز تمييزا مطلقا بين (الخاصة) و(العامة)، وبين (العلماء) و(الحشوية) وبين (أهل الحل والعقد) من جهة و(الطغام) من جهة أخري، أو باختصار في ظل ثقافة لا تتأسس علي (ديمقراطية) المعرفة والعلم. من هنا علينا أن نبحث عن (العلة) في استشراء (الجهل) وانتشار (الظلم) وتفشي قيم (الاستعباد) في التاريخ الاجتماعي للإسلام لا في النصوص المؤسسة للدين، علينا أن نتأمل تاريخ المسلمين لا بوصفه تاريخا مقدسا بل بوصفه تاريخ بشر من البشر، بوصفه تاريخا حرَّكته، ككل التاريخ الإنساني، عوامل الاجتماع والاقتصاد والسياسة بكل صراعاتها. وعلينا في التحليل الثقافي ونقد الفكر أن ننظر لتاريخ الثقافة الإسلامية في مجمل اتجاهاتها، أي ألا يعتمد تحليلنا علي نهج انتقائي غير تحليلي وغير نقدي. ففي قلب (العقلانية) يمكن أن نتلمس عناصر (سحرية) لا يجب تجاهلها. وبالمثل في قلب الثقافة السحرية يمكن تلمس عناصر عقلية لا يجب الاستهانة بها. إن الفصل التام بين الأبنية الثقافية في تاريخنا الفكري يفترض أنها لا تتشارك في عناصر جوهرية لرؤية العالم. ولعل أخطر من الفصل المشار إليه في بنية الثقافة ــ أو الثقافات ــ ذلك الفصل غير المنهجي بين (الإسلام) و(المسلمين)، كما يفعل منا البعض، فيفضي هذا الفصل إلي الحديث عن إسلام مفارق لبنية التاريخ، إسلام مثالي ذهني طوباوي بريء من أخطاء البشر، ومُطَهَّر من تراب الجغرافيا وغبار التاريخ. هذا الإسلام المثالي الطوباوي لا وجود له في الأعيان.

2 ــ أزمة الحداثة ومشروع “الإصلاح الديني:

وهناك أسباب كثيرة تقف وراء محاولات التمييز بين (الإسلام) والمسلمين، أو علي الأصح التمييز بين (الديني) و(الدنيوي). لعل أقرب هذه الأسباب زمانيا ضغط الهجمة الاستعمارية الشرسة ضد العالم الإسلامي في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، وهي هجمة ما زالت توابعها مستمرة في الوجود الصهيوني في فلسطين. تزامن مع الاحتلال العسكري والسيطرة السياسية والاقتصادية خطاب غربي سياسي ــ أكاديمي فيما عرف بظاهرة (الاستشراق) فحواه أن (الإسلام) هو العقبة الرئيسة التي تعوق المجتمعات الإسلامية عن تحديث أنفسها كما فعلت أوروبا. وكان من الطبيعي في سياق (رد الفعل) المصاحب لسياق المقاومة السياسية للسيطرة الاستعمارية أن يكون الخطاب الإسلامي خطابا دفاعيا اعتذاريا. في القلب من هذا النهج ــ الذي يمكن أن نضرب مثلا له بخطاب (جمال الدين الأفغاني) وتلميذه (محمد عبده) المصري ــ الحرص الشديد علي الفصل بين (الإسلام) وبين (حال المسلمين) من التخلف والهزيمة. في مثل هذا الخطاب لم يتم فقط تبرئة (الإسلام) من ذنب تخلف المسلمين، بل تم في الوقت نفسه وضع التاريخ الإسلامي في حيز (المثال) و(النموذج) الذي يجب أن يُحتذي. هذا الفصل بين (الإسلام) و(المسلمين) يمثل جوهر مشروع الإصلاح الديني في سياق التحدي الأوروبي المزدوج: تحدي القوة العسكرية ممثلا في الاحتلال والسيطرة المادية، وتحدي (التقدم) ممثلا في إلصاق تهمة (التخلف) ومعاداة التطور بالإسلام. في مواجهة التحدي الأول كانت الاستجابة هي التسلح بالتكنولوجيا العسكرية وتكوين الجيوش القوية باستيراد عناصر (القوة) من العدو لمنازلته بنفس سلاحه. وفي مواجهة تحدي (التقدم) لم يكن ممكنا إنكار حقيقة (التخلف)، بل كان لابد من الإقرار بها، وذلك من أجل تسويغ نهج (الاستيراد). لكن الإقرار بحقيقة التخلف كان يستدعي نفي صفة (التخلف) عن الإسلام ذاته، ومن هنا كان لابد من التمييز بين (الإسلام) و(المسلمين)، فإذا تم وصف السلمين بالتخلف فإن الوصف لا ينسحب علي (الإسلام). ولا شك أن هذا التمييز كان أداة مهمة مكنت مشروع الإصلاح الديني، في كتابات (محمد عبده) علي وجه الخصوص، من إعادة قراءة النصوص التأسيسية وإعادة تفسيرها وتأويلها بما يتناسب مع التحديات التي طرحتها الحداثة الأوروبية. لكن هذا التمييز كان له وجهه السلبي الذي آن لنا أن ندركه. لقد ساهم في تجميد صورة الماضي وتمجيده في مقابل إدانة الحاضر ونقده. وقد احتاج نقد الماضي إلي جيل آخر، لكن هذا النقد حدث في سياق أكثر تعقيدا، كانت المجتمعات الإسلامية قد دخلت فيه بداية مرحلة الانشطار والتشظي الفكري والثقافي. في محاولة تأسيس تفسير عقلاني يسمح بتقبل بعض منجزات الوافد الغربي ــ خاصة في مجال العلم والتكنولوجيا ومؤسسات الدولة الحديثة في السياسة والتعليم الإدارة ــ تمت إدانة الممارسات الدينية الشعبية ــ كزيارة الأضرحة والموالد والتوسل بالأولياء لشفاء الأمراض وحل المشكلات.. الخ ــ الأمر الذي عزَّزَ الفصل بين الثقافتين الرسمية ــ ثقافة العلماء والمتعلمين ــ والثقافة الشعبية. وهذه سلبية أخري لا يمكن تجاهلها، إذ توجه النقد للحاضر بشكل مكثف مع تبرئة الماضي من أي شائبة. ومع إنشاء نظام التعليم المدني الحديث وفصله فصلا تاما عن مؤسسات التعليم التقليدية تزايدت الفجوة بين الثقافتين. وساهم انتشار حركة التعليم وتزايد أعداد المتعلمين في إنشاء طبقة وسيطة بين طبقتي (العلماء) و(الجهلاء)، وهي طبقة تعتمد بشكل أساسي علي (التحصيل) من الإنتاج المعرفي الذي تنتجه الطبقة الأولي، في الوقت الذي تنظر فيه هذه الطبقة الوسيطة من أنصاف المتعلمين وأشباه المثقفين للطبقة الدنيا ــ طبقة الجهلاء ــ بعين الريبة والاحتقار. غني عن البيان القول إن تيار (الإصلاح الديني) بعقلانيته المذكورة وسعيه لتأسيس سلطته المعرفية كان يتراوح في مواقفه السياسية بين (نقد) الأنظمة الديكتاتورية السياسية وبين الاستعداد للتعاون معها إذا أبدت تعاطفا ــ ولو مرحليا مع مشروعه الفكري. وغني عن البيان كذلك أن الأنظمة السياسية تميل في الغالب إلي السعي حثيثا لإدماج المثقف في مشروعها السياسي، فتحتاج أحيانا للعقلانية ــ نموذج علاقة الخليفة العباسي (المأمون) بالمعتزلة وتحالفه معهم ضد الحنابلة ــ وتنفر منها في غالب الأحيان، انقلاب الخليفة (المتوكل) ضد المعتزلة والتحالف مع الحنابلة. ولا شك أن هذا التراوح في العلاقة بين السياسي والفكري له مردود سلبي لا يمكن تجاهله في تحليل البنية الفكرية لمشروع (الإصلاح الديني).

3 ــ الديني والدنيوي، اتصال لا انفصال:

إن الدين، أي دين، صناعة بشرية وليس الإسلام استثناء من هذا القانون. وليس المقصود بالقول إنه صناعة البشر استبعاد (الميتافيزيقا) من أفق الإيمان الديني، فالفيزيقي المتعين الحالِّ في التاريخ، بالمعني الاجتماعي للتاريخ، هو مرآة تجلي (الميتافيزيقي). أو بعبارة أخري يبرز الله من خلال (الإنسان)، وتتجلي كلمته في اللغة. لقد عرف البشر وجود الله من إنسان مثلهم امتلك القدرة علي التواصل مع المطلق، ومن فم هذا الإنسان استمعوا إلي كلمات الله بلغتهم التي يعرفونها وكانوا يتواصلون بها قبل أن تتجلي فيها كلمات الله.

ليس من قبيل الأمانة الفكرية إذن أن نضع تاريخ البشر، مهما اتسم بالخطأ وامتلأ بالخطايا بل والجرائم والمذابح البشعة، في سلة (المدنس) متصورين بذلك أننا نحمي (المقدس) من خطايا البشر وجرائمهم. إن علاقة المقدس بالمدنس أكثر تعقيدا من هذا الفصل الساذج النابع من النيات الحسنة، والتي مهما أشرق بهاء حسنها لا تؤسس حقيقة معرفية. والشاهد أن الفصل التام بين (المقدس) و(المدنس)، أو لنقل بعبارة أخري، بين (الإنساني) و(الإلهي) ــ أو (الفيزيقي) و(الميتافيزيقي) ــ لا يساعد كثيرا في فهم الظاهرة الدينية، بل الأحري القول إنه يزيفها. لنتأمل علي سبيل المثال قصة (الشيطان) أو (إبليس) في القرآن من منظور إنساني فلسفي. ألم تكن الخطة الإلهية منذ البداية، والتي أعلنها الله للملائكة هي أن يجعل (في الأرض خليفة)؟ ألم تطرح الملائكة تساؤلاتها التي شاءت الإرادة الإلهية إلا ترد عليها (إني أعلم ما لا تعلمون)؟ ألم يعلِّم الله آدم (الأسماء كلها ثم عرضهم علي الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء أن كنتم صادقين، قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا أنك أنت العليم الحكيم. قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون)؟ ألم يكن ذلك كافيا ليدرك الملائكة حكمة الخطة الإلهية وتفوق آدم الخليفة المنتظر ليسكن الأرض؟

كان لا بد للخطة الإلهية أن تسير في مسارها الخاص، فكان من اللازم أن يأمر الله الملائكة أن تسجد لآدم، وكان من اللازم أن ينبثق (العصيان) من قلب (الطاعة)، وأن يخرج من وسط الملائكة (الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) من يعصي الأمر الإلهي. لكن رغم أن الخطة كانت أن يسكن آدم الأرض، فقد شاء الله أن يسكنه الجنة أولا، وأن يأمره ألا يأكل من شجرة بعينها حددها له مع التحذير من (الشيطان). أليس معني هذا أن الخطة الإلهية تضمنت منذ البداية ما لم يكن معلنا، وأن هذا المضمر أراد انبثاق الشر من الخير، وأن يرتبط كلاهما برباط وثيق بالإنسان؟ أين المقدس وأين المدنس في الخطة الإلهية؟ بنزول آدم الأرض نزل معه الشر ــ قمة الدنس ــ مع الوعد بإنزال (الهدي) ــ مطلق المقدس ــ ليتشابكا معا في مسيرة الإنسان. لو تصورنا من باب الافتراض أن الملائكة سجدوا جميعا ــ غياب المدنس ــ الشر ــ أكانت الخطة الإلهية تتحقق في مسيرتها المضمرة؟ ولو تصورنا غياب الشر فكيف ندرك معني الخير؟ وبالمثل لا معني للمقدس في غياب المدنس، ومن وجودهما معا ينبثق وجود الإنسان. الدين هو ذلك التركيب العضوي المعقد من المقدس والمدنس، الإلهي والإنساني، الفيزيقي والميتافيزيقي الخ. الدين والتاريخ إذن صنوان لا يفترقان، وليس (الإسلام) استثناء من ذلك. واللافت للانتباه أنه في الثقافة الدينية الشعبية، التي تم استبعادها ووصمها بالوثنية والشرك، لا نجد هذه الهوة الواسعة بين (المقدس) و(المدنس)، أو بين (الديني) و(البشري). حول ضريح الولي ــ رمز المقدس ــ تعقد احتفالات يغلب عليها طابع تجاري دنيوي خالص، بل تتسم بعض الممارسات بطابع (مدنس) تمارس جنبا إلي جنب (الأذكار) وتقديم القرابين لالتماس البركة من (الولي). ومن المهم هنا الإشارة، مع الفارق طبعا، أن هذا الجمع بين الديني والدنيوي في الممارسات الشعبية للدين، خاصة في الاحتفالات بموالد الأولياء، يمكن أن يجد مرجعية دينية في ممارسة شعيرة الحج وزيارة الأماكن المقدسة في (مكة) و(المدينة) ألا يحدد القرآن نفسه أن الغاية من الحج ليس فقط دينية (ليذكروا اسم الله في أيام معلومات)، بل هي بالقدر نفسه غاية دنيوية (ليشهدوا منافع لهم). وليس من قبيل المصادفة أن تذكر (المنافع الدنيوية) قبل (ذكر الله) في النص المشار إليه (سورة الحج ــ 28).

الوحي والتاريخ، هل ينفصلان؟

يمكن التميز إجرائيا لا فعليا بين (مرحلة التأسيس) ومراحل التطور التاريخي، لا بهدف (تبرئة) مرحلة التأسيس من أبعادها الإنسانية والتاريخية، بل بهدف دراسة تطور الظاهرة. في مرحلة (التأسيس) يمكن اكتشاف إنسانية الوحي، أو لنقل يمكن اكتشاف ظاهرة الوحي في سياقها التاريخي الثقافي اللغوي. تلك هي القضية الأساسية التي حاولت مقاربتها في (مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن) (القاهرة، بيروت والدار البيضاء ط1 1990م) والذي توالت طبعاته حتي وصلت إلي حوالي عشر طبعات حتي الآن. هل يعني التحليل الاجتماعي التاريخي لمرحلة التأسيس، بما يفضي إليه من فهم ظاهرة (الوحي) بوصفها ظاهرة تاريخية اجتماعية ثقافية، إلي (هدم) الإسلام كما يروج أعداء التفكير العلمي؟ وهل هناك تناقض جوهري بين نهج التفكير العلمي ومنطق الإيمان، فلا يتأسس الإيمان إلا علي إلغاء دور العقل والتفكير العلمي؟

لا شك أن هناك فارقا بين نمطين من الإيمان: إيمان (التصديق والتسليم) وإيمان (الحجة والبرهان)، حيث يكتفي الأول بسذاجة (اليقين) القلبي، ولا يقنع الثاني إلا باليقين المؤسس علي أدلة العقل وبراهين المنطق وحجج العلم. إنهما طريقان لا يجب النظر إليهما بوصفهما طريقين متعارضين بالضرورة. وفي تاريخ الفكر الإسلامي كان هناك دائما محاولات الكشف عن عدم التعارض (بين صحيح المنقول وصريح المعقول) (ابن تيمية)، أو بين (الشريعة والحقيقة) (التصوف)، أو بين (الحكمة والشريعة) (ابن رشد). فلماذا في أيامنا هذه يجفل الناس من التفكير العلمي الفلسفي في قضايا الدين، إلا إذا كانت العلة كامنة في أزمة خلقتها ظروف تتعلق بتاريخنا المشترك ــ نحن المسلمين ــ في العصر الحديث؟ وإذا كان منهج التحليل التاريخي الاجتماعي، وأهم أدواته (النقد) ممكنا للمرحلة التأسيسية ولظاهرة (الوحي)، فإنه يمثل ضرورة لا بديل عنها للفكر الديني في عصوره المختلفة، فالفكر الديني في التحليل الأخير هو خطاب إنساني عن (الدين) يحاول أن يصوغ (العقائد) (والأخلاق) و(التشريعات)، التي يتضمنها (الوحي)، في نسق كلي مترابط ذي طابع عقلاني ما. ألم تكن تلك بعض المهمات التي تصدي لها في تاريخ الفكر الإسلامي (المتكلمون) و(الفقهاء) و(الصوفية)؟ ألا يجب علينا تأمل حقيقة أن علمي الكلام والفقه قد اعتمدا في صياغتهما علي هدف تأسيس (أصول) مرجعية مشتركة، فسمي علم الكلام (علم أصول الدين) وسمي الفقهاء المؤسسون علمهم باسم (علم أصول الفقه)، بينما سمي المتصوفة علمهم باسم (علم الحقائق) وسمي الفلاسفة علومهم باسم (علوم البرهان)؟ نحن إذن إزاء جهد إنساني لصياغة معطيات الوحي صياغة فكرية، ومن الخيانة الفكرية لأصول التحليل العلمي أن نتصور أن هذه الجهود الفكرية الإنسانية تم إنجازها بمعزل عن الظروف التاريخية الاجتماعية للمجتمعات أو الجماعات/الأشخاص الذين أنجزوها.

5 ــ العقائد والأفكار، أنسنة الوحي:

إن الذين يميزون بين (الإسلام) و(المسلمين) من خلال منهج دفاعي اعتذاري سبق شرح بعض أسبابه لا يدركون إلي أي حد أن (الإسلام) الذي يتحدثون عنه صنعه المسلمون أنفسهم. إن (العقائد) ــ والمقصود بها معطيات الوحي بمنطوقه ومفهومه السياقي، أي ما فهمه المعاصرون لمرحلة التأسيس ــ تتمثل في مرحلة التأسيس في معطيات عامة معبر عنها بلغة ملتبسة بحكم بنيتها المجازية المكثفة ــ علي الأقل في المرحلة المكية ــ من جهة، وبحكم استمدادها من المخزون الثقافي العربي ــ في تركيبيته التاريخية (اللغوية واللاهوتية المعقدة) ــ من جهة أخري. وقد قام (الفكر) الديني بإعادة صياغة هذه المعطيات في قالب منطقي متماسك، وذلك عن طريق فك شفرات اللغة المجازية وتفكيك بنية المخزون الثقافي الذي قامت عليه. لننظر علي سبيل المثال لأهم معطي من معطيات الوحي في مرحلة التأسيس، أعني معطي (عقيدة التوحيد)، ونحاول ــ باختصار نرجو ألا يكون مخلا ــ أن نكشف عن بنيتها في لغة (الوحي)، ونري كيف تطورت واتخذت أبعادا ودلالات مختلفة في (الفكر الديني). هناك صياغات دقيقة وصارمة دلاليا لمفهوم التوحيد، الذي هو مفهوم مركزي في بنية الوحي الإسلامي. نجد ذلك ماثلا في سورة (الإخلاص) (قل هو الله أحد. الله الصمد. لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد)، كما نجده ماثلا في (ليس كمثله شيء) (لا تدركه الأبصارُ وهو يدرك الأبصارَ وهو اللطيف الخبير). لكن هذه العقيدة لم تمنع لغة الوحي من تشخيص فكرة (الله) بإسناد بعض السمات والملامح والصفات الشبيهة بالصفات الإنسانية إليه، مثل الأعضاء ــ كالوجه والعين والجنب ــ والصفات والعواطف مثل (الكلام) و(المكر) و(الحب) و(الكره) و(الرضا) و(البغض).. الخ. وفي سياق تأكيد عقيدة (التوحيد) اشتبك القرآن في جدل مع ممثلي الأديان السابقة خاصة ضد عقيدة (التثليث) النصرانية، كما اشتبك بالمثل مع العقائد اليهودية، خاصة في ما يتصل بهجومهم علي عيسي وعدم تصديقهم له، واتهاماتهم الشنيعة للسيدة مريم. والأهم من ذلك أن القرآن ينكر علي اليهود قولهم إنهم (أحباء الله) برغم تكراره الدائم في معرض المَنِّ عليهم بأفضال الله أنه (فضلهم علي العالمين). هل يمكن النظر إلي عقيدة (التوحيد) في صيغتها القرآنية بمعزل عن محاولات المفكرين المسلمين ــ متكلمين وفقهاء وفلاسفة وصوفية ــ صياغة هذه العقيدة، أو بالأحري إعادة صياغتها، وفق نهج منطقي مترابط يزيل الالتباس أو بالأحري يفك شفرة الاشتباه؟ وفي ظل هذا السعي الإنساني ألم تتعدد الاجتهادات والنظريات الشارحة للتوحيد، بين معتزلة وأشعرية وماتريدية وحنبلية، لا حول الصفات الإلهية فقط من حيث علاقتها بالذات الإلهية، بل حول علاقة هذه الصفات بالإنسان فيما عُرِف بقضية (الجبر والاختيار) أو (قضية خلق الأفعال)؟ هل يمكن الآن التراجع عن ذلك التمييز الدلالي، الذي احتكم إليه الفرقاء المسلمون، بين (المحكم) و(المتشابه) في بناء القرآن تأسيسا علي الآية السابعة من سورة آل عمران، وذلك بصرف النظر عن تعددية المعاني وكثرة الدلالات التي اجتهدوا في إبرازها، وبصرف النظر عن عدم اتفاقهم حول تعيين الآيات المحكمات وتحديد المتشابهات؟ إلي أي حد يمكن الفصل بين هذه الاجتهادات وبين النص القرآني، بين المنطوق والمفهوم؟ ما هو الفارق إذن بين “العقائد” في صياغتها القرآنية المجازية وبين (عقائد) الفرق الإسلامية؟ (يمكن متابعة المناقشات في دراستنا عن (الاتجاه العقلي في التفسير، دراسة في قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة) بيروت ط1 1982، والذي أعيد طبعه عدة مرات وصلت إلي ست طبعات). إن عمليات التفسير والتأويل ليست في الحقيقة أنشطة مفارقة لبنية النصوص، إذ أنها تتفاعل إنسانيا وتاريخيا مع النص، بحيث يكون الحديث عن (النص الخام) وهما يتصوره البعض، في محاولة لنفي الإنساني وعزله عن الإلهي. وفي النهاية فإن (العقائد) القرآنية التي خاطبت المعاصرين لفترة التأسيس في حاجة دائمة للصياغة الفكرية الإنسانية، لأن ما يخاطب جيلا في سياق ثقافي بعينه يعجز عن مخاطبة جيل آخر في سياق آخر، فأين الإلهي والإنساني في (الإسلام) الحي التاريخي الذي نتواصل معه عبر بنية التراث؟

6 ــ البنية السياسية للدين:

ليس معني التحليل السابق للفكري والديني، أو للإنساني والإلهي، افتراض غياب السياسي بالمعني الاصطلاحي للفعل السياسي، أي آليات الفعل الاجتماعي في إدارة شؤون الجماعة، مهما كانت درجة أو مستوي تلك الجماعة في التطور. في القرآن مواقف سياسية/أخلاقية واضحة ضد الظلم الاجتماعي والاقتصادي، وهي مواقف يصعب عزلها عن سياق المجتمع التجاري في مكة. التركيز علي معاملة (اليتيم) وإدانة أكل أموال (اليتامي) يعكس، بالإضافة إلي السياق الاجتماعي، حالة (محمد) وتجربة اليتم في مجتمع ذي بنية أبوية صارمة. قصص الأنبياء معروضة في القرآن بوصفها قصصاً للصراع بين (المستضعفين والمستكبرين)، حيث يقود الأنبياء نضال المستضعفين، ويمثل (الكفار) دائما دور المستكبرين الظالمين. ألم يلم القرآن محمدا لوما شديدا لإعراضه عن (الأعمي) وإقباله علي (وجوه قريش) بأمل اكتسابهم للدين الذي يدعو إليه؟ وما دلالة هذا الموقف الصارم ضد (الربا) واستغلال حاجة المعوزين والفقراء لدرجة أنه اعتبر بمثابة تهديد يستلزم إعلان (الحرب من الله ورسوله) ضد من يتعاطونه، إلا إذا كان حماية حقوق المستضعفين في مواجهة قواعد وقوانين اقتصادية ظالمة مسيطرة.

وهل كان قرار الهجرة إلي (يثرب) حماية للمسلمين من اضطهاد قريش، ومحاولة لتوسيع للقاعدة البشرية الصغيرة، إلا قرارا سياسيا في آليات اتخاذه علي الأقل، بالتفاوض مع القبائل في موسم الحج؟ وهل كانت محاولات “قريش” لاستعادة المهاجرين إلي “الحبشة)، والسعي إلي تسميم العلاقة بين المسلمين والنصاري في الحبشة، إلا جزءا من مخطط سياسي للقضاء علي القاعدة البشرية للدين الجديد؟ إن قراءة دقيقة لصحيفة (المدينة)، التي تعرف الآن باسم (وثيقة المدينة) تؤكد أنها كانت اتفاقية سياسية للتعايش والتعاون، بالمعني الدقيق ووفقا لقواعد السياسة في ذلك العصر، بين الجماعات الاجتماعية السياسية ــ الدينية في يثرب من (عرب) و(مسلمين) و(يهود). وكانت هذه (الوثيقة) بداية الاعتراف بالمسلمين كجماعة مستقلة، وبداية الإقرار بزعامة محمد (السياسية) لهذه الجماعة. وقد تم الإقرار بذلك إقرارا رسميا من جانب قريش في صلح (الحديبية)، علي الرغم من استمرار قريش في إنكار (نبوة) محمد كما هو معروف. هذا التحول السياسي في موقع الجماعة المسلمة كان له تأثيره في بنية الوحي لغة وأسلوبا ومضمونا علي حد سواء، فتم تحول في الخطاب القرآني من “المسالمة) و(الصبر” إلي إعلان البراءة من المشركين وإعلان حق المسلمين في شن الحرب عليهم (سورة التوبة). وقد أدي انكشاف أمر التحالف السري، الذي عقده اليهود مع مشركي مكة ضد حلفائهم المسلمين، إلي السماح للمسلمين بتغيير شروط الوثيقة وإعلان الحرب ضد اليهود. الوحي هنا، وفي هذا كله، لا يتجاوب فقط مع الواقع، بل يصاغ وفقا لمعطياته المتغيرة بنفس القدر الذي يسعي فيه إلي تغييره. والأمر في التفاعل بين الديني والسياسي في ما بعد فترة التأسيس لا يحتاج إلي بيان. هل كان اجتماع (السقيفة)، وما حدث فيه من اختلاف، اجتماعا سياسيا أم دينيا؟ هل كان اختيار (أبي بكر) خليفة للمسلمين اختيارا دينيا أم اختيارا قائما علي توازنات سياسية؟ وما معني قول (عمر) عن واقعة (السقيفة) أنها (كانت فتنة وقي الله شرها)؟ وهل كان تعيين (عمر) عن طريق أبي بكر، ووفقا لقواعد التشاور المرعية آنذاك، قرارا دينيا أم قرارا سياسيا؟ وهل كانت الشروط والقواعد التي وضعها (عمر) للاختيار من بين (الستة) قواعد وشروطا دينية أم كانت شروطا سياسية؟ لقد كان المسلمون آنذاك علي وعي كامل بأنهم كانوا يمارسون (السياسة)، فَقٌتِل الخليفة الثاني (عمر) والثالث (عثمان) والرابع (علي) لأسباب مختلفة كلها سياسي. ولقد كانت صرخة (الخوارج) في طلب التحكيم تعكس رغبة عميقة في الفكاك من أسر حكم (مُضر) كلها، فقال قائلهم: (حتي لا يحكمنا مُضَريٌّ إلي قيام الساعة) كما ورد في كتاب (صفين) لنصر بن مزاحم. (ناقشنا الأبعاد السياسية لإشكالية الخليفة تفصيلا في تقديمنا للطبعة العربية الثانية لترجمة كتاب (الخلافة وسلطة الأمة)، والتي صدرت في القاهرة 1992، عن التركية. والكتاب الأصلي صدر في تركيا في سياق الفصل الكماليين في تركيا بين الخلافة والسلطنة سنة 1923، وذلك قبل إلغائها إلغاء تاما سنة 1924).

7 ــ التوظيف السياسي للدين:

حدث الانقسام السياسي الأساسي في سياق (الفتنة)، فظهرت بوادر التشيع، الذي تأججت أبعاده العاطفية والإيديولوجية باستشهاد (الحسين بن علي) في كربلاء. وكان (الخوارج) بكل انقساماتهم وتشعباتهم قد صاروا فرقا وطوائف سياسية ودينية. وكان لزاما علي الأمويين، الذين وصلوا إلي سدة السلطة والحكم بأساليب ووسائل سياسية دنيوية خالصة أن يصوغوا لأنفسهم إيديولوجية سياسية دينية تؤسس مشروعية دينية لسلطتهم. وهكذا صار الدين في خدمة السياسة، أي صار محلا للنزاع حول تحديد معناه تحديدا ينحو إلي تحقيق أغراض سياسية نفعية مباشرة. وانخرط الفكر في هذا السباق فأصبح من الصعب تجاهل تلك العلاقة المعقدة بين الديني من جهة، والسياسي الفكري، أو الفكري السياسي من جهة أخري.

لكن يجب التمييز بين التواصل الطبيعي وعلاقات التفاعل الحتمية وبين التوظيفات الذرائعية لتحقيق مصالح مؤقتة وزائلة. يمكن إعطاء نموذج لهذا النمط من التوظيف، إضافة إلي موقف الأمويين، بموقف الخلفاء العباسيين في ما صار يُعرف باسم (محنة خلق القرآن). هل كان موقف (المأمون) في إصراره علي فرض (عقيدة خلق القرآن) علي الأمة يجسد موقفا عقلانيا، أم يجسد قوة السلطة الغاشمة في محاولة فرض سلطاتها في جميع المجالات، ومنها مجال الفكر؟ وإلي أي حد كان الهدف غير المعلن هو تأديب بعض الحنابلة الذين تصدوا لمقاومة سيطرة عسكر (المأمون) علي (بغداد)، بينما كان مشغولا بقتال أخيه (الأمين؛ في (مرو). في تلك السنوات خضعت (بغداد) بالكامل لحكم العسكر الذين استغلوا حاجة الناس للأمن، ففرضوا الإتاوات علي أغنياء (بغداد) باسم حمايتهم من اللصوص ــ وكانوا هم اللصوص في الواقع؟ (راجع تاريخ الطبري لتجد أن نفس الأسماء ــ أسماء الفقهاء ــ الذين تصدوا لمقاومة سلطة العسكر الغاشمة هي التي ترد في سياق (محاكم التفتيش) التي قرر (المأمون) عقدها لفرض عقيدة المعتزلة علي الأمة. هل هناك فارق بين هذا التوظيف السياسي للدين في التاريخ القديم وبين هذا التوظيف في العصر الحديث؟ حين سقطت الخلافة العثمانية في عصر سقوط الإمبراطوريات سعي كل الحكام العرب ليعتلوا سدة الكرسي الذي صار خاويا. وفي هذا السياق اضطهدت السلطات السياسية المفكرين الذين وقفوا بالفكر ضد مسألة أن (الخلافة) نظام ديني. واستطاعت هذه السلطات أن توظف المؤسسات الدينية لاضطهاد مفكرين من أبنائها كما حدث مع (علي عبد الرازق) مؤلف (الإسلام وأصول الحكم) سنة 1925. وكان هذا مؤشرا علي حالة الانقسام والتشظي في تاريخنا الحديث كما سبق لنا الإشارة. استطاع التحالف بين المؤسسة السياسية والمؤسسة الدينية أن يخنق تيارات الإصلاح والتجديد.

فانبثق تيار (السلفية) من عباءة (الإصلاح)، كما في حالة (رشيد رضا) و(محمد عبده). والسؤال (كيف ينبثق عن تيار (الإصلاح) تيار سلفي تقليدي)، يعود بنا إلي ما سبقت الإشارة إليه من عجز تيار الإصلاح ــ بحكم ظروف ميلاده ونشأته وتطوره في رحم الضغوط الاستعمارية وتحدياتها ــ عن بلورة (وعي نقدي) حقيقي، اكتفاء بخطاب اعتذاري دفاعي إلي حد كبير.

8 ــ نقد الخطاب الديني:

من رحم هذا الوعي بالتوظيف السياسي للدين في تاريخنا القديم والحديث أصبح (نقد الخطاب الديني) مطلبا معرفيا ملحا بالنسبة للباحثين، بدءا بالدراسة النقدية للتاريخ في تجلياته الأدبية والثقافية والسياسية. وقد بدأ هذا المطلب في التبلور تدريجيا في كتابات “طه حسين” في تأريخه للأدب العربي، بالإضافة لكتاباته وأبحاثه التاريخية مثل “علي هامش السيرة) (الفتنة الكبري) (الشيخان) (علي وبنوه). كما تبلور في كتابات “احمد أمين” في تاريخ الفكر من (فجر الإسلام) إلي (ظهر الإسلام)، وكذلك في مساهمات “عبد الحميد العبادي) في مجال التاريخ السياسي. وتطور مشروع (الإصلاح الديني) علي يد (الشيخ أمين الخولي) وتلاميذه، خاصة (محمد احمد خلف الله، صاحب (الفن القصصي في القرآن الكريم)، و(بنت الشاطئ صاحبة (التفسير البياني للقرآن الكريم)، هذا بالإضافة إلي كوكبة من علماء (الأزهر) مثل مصطفي عبد الرازق ومحمد محمود شلتوت وغيرهما. لكن هذا التطور ظل يعاني من مثبطات داخلية وخارجية عديدة. تمثلت المثبطات الداخلية في استفحال تيار (التقليد) بحكم تنامي قدرته علي الحشد الجماهيري وسيطرته علي مجالات الوعظ والإرشاد في المساجد، بالإضافة إلي سيطرته علي المؤسسات التعليمية الدينية. ولقدرة هذا التيار علي التعبئة والحشد مع رفع شعارات مقاومة التغريب ومقاومة الاحتلال، تحالفت معه السلطات السياسية بهدف إضفاء مشروعية دينية علي نفسها. ولا يمكن هنا التقليل من شأن عنصر خارجي حاسم في إعطاء مشروع تأسيس (دولة دينية) قوة سحرية جماهيرية. هذا العنصر هو تأسيس دولة إسرائيل سنة 1848 علي أساس ديني، بصرف النظر عن الصياغات المراوغة لإيديولوجيتها: (دولة يهودية) أم (دولة لليهود). ومما له دلالة أيضا في هذا السياق انفصال المسلمين الهنود وتأسيس دولتهم المستقلة (باكستان) علي أساس ديني كذلك. ومما هو جدير بالتأمل أن أوروبا الاستعمارية ــ ممثلة في بريطانيا ــ كانت وراء تأسيس الدولتين: الأولي بهدف تقسيم العالم العربي بزرع كيان غريب في قلب جسده الجغرافي والتاريخي، والثانية بهدف تقسيم شبه القارة الهندية إلي دويلات متنازعة. ثم كانت الهزيمة الشاملة للعالم العربي أمام القوة العسكرية الغاشمة للاحتلال الصهيوني سنة 1967 عاملا قويا في ترسيخ مفهوم أن طريق الخلاص الوحيد يكمن في قيام دولة إسلامية تحكمها “الشريعة)، وعن طريقها يمكن استعادة التاريخ الذهبي للإمبراطورية الإسلامية في عصر الخلافة. ثم أضاف نجاح “الثورة” في إيران، وتأسيس الجمهورية الإسلامية علي أنقاض عرش الطاووس، عرش أعتي نظام ديكتاتوري فاشي في تاريخ العالم الإسلامي، مزيدا من الوقود في محركات حركات الإسلام السياسي في سيطرتها علي الشارع، الأمر الذي زاد من فعاليتها وقدراتها علي الحشد والتجييش.

وفي اللحظات السياسية التي سمحت فيها السلطات السياسية لممثلي هذا التيار في المشاركة السياسية كانت تنكشف طبيعة الشعارات التي يرفعونها، ويتجلي واضحا ما يختبئ خلف صياغاتها البراقة من أطماع ومصالح سياسية واقتصادية نفعية ضيقة. حين أمكن لهذا التيار أن يكون له عدد من الممثلين في البرلمان المصري يقود المعارضة تركز سعيهم في استصدار قوانين وقرارات ضد مصالح المواطنين العاديين من فقراء مصر، فقد اكتشفوا ــ هكذا فجأة ــ أن (قانون الإصلاح الزراعي) ــ الذي بمقتضاه تم تفتيت الملكية الزراعية وتوسيع رقعة الملاك ــ مخالف للشريعة. وبالمثل تم اكتشاف أن “قانون ضرائب التركات) (ورسوم الأيلولة)، التي تستهدف تحقيق العدل الاجتماعي ــ أحد المقاصد الكلية للإسلام ــ قانون مضاد لشريعة الإسلام، لأنه يورِّث ــ في زعمهم ــ من لم يورِّثه الله. هذا بالإضافة إلي صك الفتاوي بأن تجارة العملة حلال ومعاملات البنوك حرام، لأنها تعتمد نسبة فائدة ثابتة علي الإيداع والاقتراض، وهذا هو (الربا) الذي حرَّمه الله، واستشهدوا بقول الله (وأحل الله البيع وحرَّم الربا). لم يكن مهما في كل تلك الاكتشافات الباهرة، أن (تجارة العملة) تضر الاقتصاد القومي ضررا بالغا، وأن تأثيرها الاقتصادي تأثير فادح مدمر، خاصة بالنسبة لذوي الدخل المحدود الذين يمثلون أغلبية المواطنين. لم يكن مهما أن (الضرائب) ومنها (ضريبة التركات) هي السبيل لتحقيق عدم تركيز الثروة بتوزيع المال إعمالا للمبدأ لقرآني (حتي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم)، هذا بالإضافة إلي أن (ضريبة التركات) علي وجه الخصوص معمول بها في قوانين الدول التي تمثل أعتي الأنظمة الرأسمالية في العالم. ولم يكن مهما إدراك أن (الربا) الذي حرمه الله، وتوعد المتعاملين به بالحرب من الله ورسوله، ليس هو تعاملات البنوك العصرية، التي يقترض فيها رجال الأعمال من مال الفقراء المودع في البنوك، بل هو تشريع ضد استغلال حاجة الفقير للاقتراض لسد الرمق. كل ذلك لا قيمة له ولا اعتبار بالنسبة لخطاب كان جل همه أن يفتح الطريق ممهدا أمام شركات (توظيف الأموال الإسلامية)، لتستولي علي أموال المودعين، الذين يغريهم الربح الحلال، والأعلي فائدة في الوقت نفسه. وقبل أن ينكشف المستور وراء الشعارات ــ المصالح السياسية والاقتصادية الدنيوية العاجلة لفئات بعينها يمثلها منتجو هذا الخطاب ــ تصدي (نقد الخطاب الديني)، بأسلوب تحليلي علمي نقدي صارم لكشف النقاب عن ما وراء سطح هذا الخطاب الذي يزعم امتلاكه للحقيقة الدينية المطلقة، بل يصل إلي حد ادعاء الحديث باسم الله. وفي هذا التحليل النقدي تم اكتشاف أن الفوارق بين الخطاب الديني (الرسمي) ــ خطاب المؤسسة الدينية ــ والخطاب الديني المعارض ــ والموصوف عادة بالمعتدل في الإعلام الحكومي ــ من جهة، وبين خطاب الجماعات الموصومة إعلاميا بالتطرف ــ فوارق سطحية لا تتجاوز أفق (المنطوق). وتنعدم الفوارق بين هذه الخطابات من حيث (المنطلقات الفكرية) التي يتأسس عليها الخطاب معرفيا، ومن حيث (آليات) ووسائل إنتاج الخطاب. والنتيجة الأكثر مفاجأة كانت هذا التماثل بين (الخطاب الديني) في مجمل اتجاهاته المشار إليها وبين (الخطاب السياسي) للسلطة الحاكمة، خاصة في الاعتماد علي مفهوم سياسي (للحاكمية)، بمعني احتكار الحقيقة التي تؤسس احتكار السلطة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.