صفحات العالممحمد علي الأتاسي

غـــــزة: الطرق الملتوية للحجاب

null
محمد علي الأتاسي
تواردت الأخبار المتضاربة من غزة: “حماس” فرضت الحجاب على الطالبات في غزة! “حماس” لم تفرض الحجاب على الطالبات في غزة! “حماس” أنّثت مدارس البنات ونقلت الأساتذة الذكور منها؟ “حماس” لم تفرغ مدارس الإناث من الأساتذة الرجال! نفى مسؤول في وزارة التربية في غزة أن تكون حكومة “حماس” بصدد فرض الحجاب وتأنيث المدراس، في حين أكد مسؤول آخر في الوزارة ذاتها أنها ألزمت الطالبات بارتداء الزي الشرعي مطالبا جميع الطالبات بالتزام الزي الفضفاض.
هذا التناقض والغموض في الأخبار التي حملتها وكالات الأنباء من غزة مع بداية العام الدراسي بخصوص حجاب الطالبات وتأنيث مدارس الطالبات، لا يشبه بشيء إلا الغموض الذي أحاط قبل أسابيع عدة بالقرار الذي اتخذه المستشار عبد الرؤوف الحلبي، رئيس المحكمة العليا ورئيس مجلس العدل الأعلى في غزة، بفرض غطاء الرأس على المحاميات الفلسطينيات بحجة ضرورة ارتدائهن زيا مخصوصا تظهرن فيه بمظهر لائق أمام المحاكم النظامية، يشمل الإضافة إلى “روب” المحامين الأسود المعهود منديلا يغطي الشعر. طبعا لم يفت المستشار وقتها أن يذكر “نحن لا نفرض عليها حجاباً أو منديلاً… فلترتدِ طاقية أو قلنسوة”. النتيجة في المحصلة كانت فرض غطاء الرأس على محاميات غزة.
بالمثل، ورداً على اللغط الذي أثاره تقرير لـ”وكالة الصحافة الفرنسية” من غزة حول فرض الحجاب على طالبات المدارس، فإن وزارة التربية والتعليم في غزة أصدرت بياناً ملتبساً نفت فيه وجود قرار صريح من قبلها بفرض الحجاب على طالبات الثانوية العامة، لكنها أوردت في الوقت ذاته العبارة الآتية: “إن فتيات قطاع غزة لسن بحاجة إلى قرارات تلزمهن بلبس الحجاب والجلباب تحت التهديد، فالمجتمع الفلسطيني بشرائحه كافة مجتمع ملتزم، وإن الالتزام أصل وجزء من عقيدتنا”. وهذه العبارة بحد ذاتها تشي بالكثير حول آلية عمل “حماس” (كما العديد من التيارات الإسلامية في بلدان أخرى) في سعيها الدؤوب إلى أسلمة المجتمع الغزاوي بالتدرج المدروس وفقا لمبدأ “الموعظة الحسنة” أو “الأمر بالمعروف”، والذي يتجسد على أرض الواقع بضغط أسري واجتماعي وديني ومؤسسي متصاعد، تصبح محاولة التصدي الفردي له والوقوف في وجهه بالنسبة للكثير من الفتيات المسلمات بمثابة انتحار اجتماعي محقق.
من هنا يخطئ من يظن أن “حماس” يمكنها أن تصدر قراراً سياسيا واضحا وصريحا تفرض فيه الحجاب بالقوة على النساء في غزة، وتقوم قياداتها السياسية بتبنيه والدفاع عنه. فهذا ليس في مصلحتها سياسيا في المرحلة الراهنة ولا هو يدخل في إطار أسلوب عملها الدعوي الذي أخذته عن التنظيم الأم لـ”الإخوان المسلمين”. لكن في الوقت ذاته من السذاجة الظن أن “حماس” ستترك وسيلة من الضغط المباشر أو غير المباشر تفوتها لتجعل من ظهور الفتاة السافرة في المجال العام الغزاوي أمرا في غاية الصعوبة.
إذا نظرنا إلى موضوع فرض الحجاب على طالبات الثانوية العامة من هذا المنظار، فإن “شطارة” “حماس”، حتى لا نقول مراوغتها، تجلت بقرار الحكومة في غزة إعفاء الطلاب والطالبات من التقيد بالزي المدرسي الرسمي (الذي لا يلحظ الحجاب والجلباب للفتيات)، بحجة “التخفيف على أولياء الأمور في ظل الحصار والظروف الاقتصادية الخانقة”، كما جاء في تصريحات إعلامية لوزير التربية محمد عسقول وفي بيان صادر عن مطيع النونو الناطق باسم حكومة “حماس”. ابتداء من لحظة صدور هذا القرار، تم إلغاء الزي الرسمي المرجعي الذي يمكن أن يحتكم إليه الكادر الإداري والتدريسي، وصارت الساحة خالية لإدارات المدارس المقربة من “حماس” ولقراراتها الشفهية (وأحيانا المكتوبة) للضغط على الفتيات من أجل ارتداء الحجاب والجلباب بحجة التمسك بالملابس المحتشمة.
ويكفي في هذا المجال أن نورد ما صرح به خالد راضي الناطق الرسمي باسم وزارة التربية والتعليم في غزة لـ”شبكة فلسطين الإخبارية” في معرض نفيه لما أثير في وسائل الإعلام من حول تأنيث المدارس وفرض الزي الرسمي بالقوة على مدارس القطاع بكاملها، لافتا إلى أن مبادرة بعض إدارات المدارس بفرض الحجاب نابعة من “أن عدة مدارس بغزة تحافظ على التقاليد وأخلاق طالباتها في ذلك، والى قيام ناظرة في إحدى المدارس بمتابعة زي بنات مدرستها، وبتوجيه النصيحة لبعضهن بالتقيد بزي يليق بهن فقط ولم يكن هناك أي حالات طرد لعدم ارتداءهن الجلباب” بحسب ما جاء على لسان خالد راضي!
وإذا كانت بعض المصادر المسؤولة في وزارة التربية في حكومة إسماعيل هنية، صرحت لموقع “إسلام أون لاين” المقرب من التنظيم العالمي لـ”الإخوان المسلمين”، بأن إلزام إدارات بعض المدارس الطالبات مع افتتاح السنة الدراسية بارتداء الزي الشرعي “اجتهاد شخصي” من بعض المديرات، فإن مصادر تربوية رفضت الكشف عن هويتها صرحت للموقع الإسلامي أن تركيز حكومة “حماس” على مدارس غرب غزة، التي توجد بها أحياء تقطنها الطبقات الميسورة، يعود لسلوكات تصفها الحركة بـ”الحرية الزائدة” لعدد من الطالبات، وارتدائهن ملابس ضيقة في هذه المنطقة، فضلا عن شكاوى من تعلق بعض الطالبات بأساتذتهن من الشباب، وهو ما جعلها تمنع وجود المدرسين الرجال في تلك المدارس.
طبعا، وكما هي العادة، فإن وزارة التربية والتعليم الحمساوية في بيانها الذي أصدرته رداً على التقارير الصحافية التي اتهمتها بفرض الحجاب على طالبات الثانوية العامة، لم يفتها أن تخوِّن منتقديها وأن تتهم هذه التقارير بأن وراءها ايادي خفية تعبث لأهداف خاصة “تتقاطع مع أهداف الاحتلال الرامية إلى تجهيل أبنائنا وإشغال الوزارة في قضايا جانبية”.
أما اعتبار بيان وزارة التربية أن فرض الحجاب على طالبات غزة هو من القضايا الجانبية التي يحاولون إلهاء الوزارة بها، فيستحق التوقف عنده قليلا لما فيه من مراوغة وقلب للحقائق. فالتجربة علمتنا أن لا حكومة “حماس” ولا غيرها من التيارات الإسلامية المنبثقة من حركة “الاخوان المسلمين” تعتبر قضايا حرية المرأة وحجابها من القضايا الجانبية التي لا تستدعي التوقف عندها والانشغال بها. يكفي في هذا المجال أن نذّكر فقط بأن جبهة العمل الإسلامي توأم “حماس” في الأردن، والمنبثقة مثلها من تنظيم “الاخوان المسلمين”، لم تجد قبل أسابيع عدة سببا أفضل من تصديق الحكومة الأردنية على اتفاقية رفع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) وإلغاء تحفظها عن بعض الفقرات التي تؤكد على حرية السكن والتنقل للمرأة المسلمة، من أجل المطالبة بإقالة هذه الحكومة، لا أكثر ولا أقل!
ويكاد لا يمر أسبوع دون أن تحمل لنا وكالات الأنباء خبرا إما عن تضييق متزايد على الحريات الفردية، وفي مقدمها حرية المرأة، في البلدان التي تسيطر على مقاليد الحكم فيها تيارات مقربة من الإسلام السياسي، أو في الجهة المقابلة عن احتجاجات شعبية تقوم بها بعض التيارات الإسلامية المعارضة في وجه أي محاولة لقوننة الحريات الفردية وعصرنتها في البلدان التي لا يزال الإسلاميون فيها بعيدين عن الحكم. وهذا إذا دل على شيء فعلى المكانة المركزية التي تحتلها القضايا المتعلقة بالحريات الفردية، وفي مقدمها حرية المرأة وحرية الاعتقاد والأحوال الشخصية وأساليب الحياة والمساواة بين الجنسين وحرية الملبس والمسكن وارتياد الأماكن العامة، في خطاب التيارات الإسلامية التي تنتسب إلى فكر “الأخوان المسلمين” وممارساتها. والمقصود هنا بهذه التيارات، الأحزاب والحركات الإسلامية في العديد من البلدان العربية والإسلامية التي قبلت مبدئياً بالديموقراطية وبالانتخابات الحرة وبتداول السلطة كنموذج سياسي لنظام الحكم المنشود، لكنها لا تزال تتلكأ، وفي أحيان كثيرة ترفض، بعض المبادئ الأساسية التي نص عليها الميثاق العالمي لحقوق الإنسان، وبالأخص منها تلك المتعلقة بالحرية الفردية وحرية الاعتقاد وحرية المرأة.
المشكل هنا أن معظم الفصائل المنبثقة من حركة “الاخوان المسلمين”، وبالأخص منها الفصيل الأم في مصر، رغم أنها قبلت في إطار خطابها السياسي مبدأ الديموقراطية السياسية والشكل البرلماني لممارسة الحكم على أمل أن يوصلها هذا الطريق إلى السلطة، فإنها لا تزال أسيرة المبدأ الفضفاض القائل بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية ولو بالتدريج، كما أنها لا تزال تعاني قصورا حادا على المستوى الفكري والاجتهادي لجهة تأصيل مبادئ حقوق الإنسان والحريات الفردية وثقافة التسامح وقبول الآخر، والتي هي جزء لا يتجزأ من أي عملية ديموقراطية.
من هنا، ومع القليل من التبسيط، يمكن القول إن الفرق بين “حماس” أو غيرها من الفصائل المرتبطة بـ”الاخوان المسلمين” من جهة، والتيارات السلفية الجهادية من جهة أخرى، لا ينبع من اختلاف هذه الأطراف على ضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية وعلى أن الشرع يلزم الحاكم والمحكوم معاً. لكن الاختلاف هو بين من يرضى أن يعمل في ظل القوانين الوضعية لتنقيتها تدريجيا مما يعتبرونه مخالف لشرع الله وهذه حال “الإخوان المسلمين”، ومن يرفض أن يعترف أصلا بالقوانين الوضعية التي يسنها البشر ولا يرضى أن يحكم بغير ما أنزل الله، وهذه حال الكثير من التيارات السلفية الجهادية.
إجراءات تقييد السباحة ومنع الاختلاط على شواطئ غزة؛ حظر دمى عرض الملابس من واجهات محلات الأزياء؛ منع المحاميات من المرافعة أمام المحاكم من دون غطاء رأس؛ دفع طالبات الثانوية العامة لارتداء الحجاب والجلباب؛ ما هي إلا حلقات متدرجة ومتواصلة من سلسلة طويلة تنفذها حركة “حماس” في اتجاه الأسلمة المفروضة بقوة الأمر الواقع على سكان قطاع غزة. لكنها كذلك حلقات مظلمة وبائسة في سياق الطريق الطويل والشائك الذي يجب ويا للآسف أن تجتازه الحركات الإسلامية في منطقتنا قبل أن تكون قادرة فعلا على التنطح لممارسة الحكم بشكل ديموقراطي. المأساة هنا أن لا حكم في ظل الحصار والاحتلال، لكن “حماس” فضلت الإمعان في تركيع مجتمعها بحجة أسلمته، بدلا من الانصراف إلى مواجهة الاحتلال. أما سلطة رام الله فإنها لا تزال تعد شعبها بمزيد من المفاوضات وبمزيد من الفساد علّها تعيد بعضا مما راح. أما الخاسر الأكبر في كل هذا فهو فلسطين القضية والشعب!

( كاتب سوري)

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. أشكر للكاتب دفاعه المستميت عن حرية المرأه, ولكني أرى الحرية هي المعنى السامي و المطلب الحق للمرأة كما الرجل, وإن سألت ما ينقص عزة اليوم وفلسطين عامة ستكون الحرية أولى الغائبين عن أرض فلسطين, هذا ما يسعى له كل فلسطيني بما أوتي من وعي وقوة. وهذا ما فهمه أبطال حماس و جعلوا أرواحهم فداء للحرية, فمنع المرأة من الحياة ببنادق الصهاينة لايوازي فرض الحشمة على نساء غزة (ولو اختلفنا في ذلك), ومنع المرأة من الأمومة وقتل أطفالها أمام أعينها ومنعها من التنقل وفصلها عن ذويها بجدار عنصري كلها مواد دسمة لقريحة أي كاتب يتوق للحرية.

    وشكرا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى