صفحات العالم

ويكيليكسيات

سعد محيو
هل ثمة سر كبير يختفي وراء أكمة الأسرار الكبرى التي ينشرها تباعاً موقع “ويكيليكس”؟
الاجتهادات كثيرة، لكنها تكاد تتكثف في معسكرين اثنين .
الأول، يرى أن تسريب الوثائق، خاصة الأمريكية منها، على هذا النحو الكثيف، قد يكون حصيلة قوى متصارعة في الإدارة الأمريكية (الدفاع، الخارجية وغيرهما،) تقوم بنشر غسيل بعضها بعضاً بهدف فرض خياراتها العسكرية أو السياسية على البيت الأبيض .
وبالدرجة نفسها، لايستبعد (وفق هذا المعسكر) أن يكون الهدف من التسريب والنشر، هو خدمة الأجندة السياسية الأمريكية . لا بل يذهب بعض أنصار هذا الرأي من مُعلّقي الإنترنت والمدونات إلى القول بأن “ويكيليكس” ليست سوى الواجهة الأمامية لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (“السي .آي .إي”)، خاصة وأن ثمة أجهزة إعلامية كبرى أمريكية تشارك في تمويل هذا الموقع الإلكتروني .
الرئيس الإيراني أحمدي نجاد أحد أبرز أنصار هذا التحليل . فهو يرى أن هذه التسريبات “لاتُسرّب في الواقع بل تنُشر بشكل منتظم، وتسعى إلى تحقيق أهداف سياسية، أبرزها زرع بذور الشقاق بين إيران وبين دول الجوار العربي” .
بيد أن أحمدي نجاد ليس الوحيد الذي ينسج روايته على هذا المنوال . فعلى سبيل المثال، يرى الباحث في مؤسسة “غلوبال ريسيرش” وليام إنغدال، أن وثائق ويكيليكس هي في الواقع معلومات مُضللة تُستخدم بحذاقة لخدمة أجهزة الاستخبارات الأمريكية و”الإسرائيلية” وربما الهندية .
لماذا “الإسرائيلية”؟
يجيب إنغدال: لأن كل الأحاديث في الوثائق عن تواطؤ الاستخبارات الباكستانية مع القاعدة والحركات الأصولية، وعن مخاوف بعض العرب من “القنبلة” الإيرانية، لايخدم سوى مصالح وسياسات “تل أبيب” الهادفة إلى اجهاض أي تقدم علمي ونووي إسلامي، سواء أكان باكستانياً أو إيرانياً أو عربياً .
والحال أنه كان مثيراً بالفعل ألا تتطرق أي من وثائق “ويكيليكس”، التي ناهز عددها حتى الآن المليون ونصف المليون وثيقة، لا إلى البرنامج النووي “الإسرائيلي” ولا إلى الخروقات “الإسرائيلية” الفادحة لحقوق الإنسان، على رغم أن الهدف المُعلن لويكيلكس منذ تأسيسها العام 2006 كان كشف الممارسات اللاإنسانية في كل أنحاء العالم .
الوثيقة الوحيدة (حتى الآن على الأقل) التي ورد فيها شيء عن “إسرائيل”، تضمنت إشادات برئيس وزرائها بينامين نتنياهو، حيث وُصف بأنه ذو شخصية “أنيقة وجذابة”، على رغم أنه لايفي بوعوده، كما قالت الوثيقة .
ويُعلّق كرايغ موراي، وهو ناشط سياسي وسفير بريطانيا السابق لدى أذربيحان، على هذه الوقائع (أو بالأحرى اللاوقائع) “الإسرائيلية” بقوله: “الوثائق تتضمن كمية هائلة من الأحاديث عن الترسانة النووية الإيرانية، ومعها مبالغات مقصودة حول قدرات طهران الصاروخية الناقلة للقنابل النووية، لكنها لاتنبس ببنت شفة حيال الترسانة “الإسرائيلية” الضخمة . وهذا ليس لأن ويكيليكس ربما حظرت أي نقد ل”إسرائيل”، بل لأن أي دبلوماسي أمريكي يكون صادقاً ويُقدم تقييماً علنياً لجرائم “إسرائيل”، يُصبح سريعاً دبلوماسياً سابقاً وعاطلاً عن العمل” .
أوردنا هذا الاقتباس المطوّل من دبلوماسي غربي، لأنه قد يفيد في تسليط الضوء على طبيعة الاستهدافات السياسية المحتملة لوثائق “ويكيليكس”، على رغم أنه مازال على هذا الأخير أن يثبت بأنه حقاً لايحظر أي نقد ل”إسرائيل” ضمن مايعلن أنه يقوم به من منع نشر أي وثيقة “فائقة الحساسية” .
الخليج

التكنولوجيا تحطم “النفاق الدبلوماسي”
سعد محيو
أشرنا بالأمس إلى وجود اجتهادين حيال ظاهرة “ويكيليكس” أحدهما ناقد وشاك في وجود أطراف أمريكية وراءه . فماذا عن الاجتهاد الثاني؟
هذا التيار يسير تماماً في عكس المعسكر الأول . فهو يرى في هذه الظاهرة ثورة بدأت للتو على كلٍ من المفاهيم الدبلوماسية التقليدية، كما أنها تُعتبر تتويجاً بديهياً للعصر الإلكتروني المعرفي الذي يعتمد على تبادل المعلومات وشفافيتها .
في هذا السياق، تبقى “ويكيليكس” ظاهرة لكنها ليست فريدة . فموقع غوغل قبلها يختزن ملايين السجلات الخاصة والعامة، وكذلك موقع فيس بوك، ناهيك عن موسوعة ويكيبيديا التي تحوّلت بين ليلة وضحاها إلى ثورة أنوار جديدة قائمة بذاتها، وعن موقع “يوشاهيدي” الذي يستخدم الشبكات الاجتماعية لخلق خرائط يستطيع فيها سكان أي بلد إرسال تقارير حول حوادث العنف والاعتداءات التي لا تبلّغ عنها السلطات الرسمية . لا بل إن المعلومات التي حصلت عليها “ويكيليكس”، لم تعتمد على الأرشيفات العادية لوزارتي الدفاع والخارجية الأمريكيتين، بل استندت إلى انترنت خاصة بالوثائق السرية والرسمية للولايات المتحدة يُطلق عليها اسم “سيبرنت” . ومن سرّب وثائق هذه الأخيرة إلى “ويكيليكس”، فعل ذلك بكبسة فأر واحدة، كانت كافية لنقل أطنان من المعلومات في غضون دقائق معدودات .
كتبت هيثر بروك (“الغارديان” 29 نوفمبر/تشرين الثاني): “جرت العادة أن يُسيطر القائد على مواطنيه (أو في المنطقة العربية على “رعاياه”!) عبر السيطرة على المعلومات . الآن بات من الصعب على القوي أكثر من أي وقت مضى السيطرة على ما يقرأ ويسمع ويرى الناس . فالتكنولوجيا تمنح المواطنين العاديين الفرصة لتحدي السلطة، وبدلاً من أن يتجسس القوي على الضعفاء، أصبح بإمكان هؤلاء الأخيرين مراقبة الأولين” .
ماذا يعني كل ذلك؟
إنه يعني بوضوح أن التكنولوجيا بدأت تحطّم المفاهيم القديمة للسلطة، والمعرفة، والجغرافيا، كما للوضعية الدولية والاجتماعية الفردية، وتُحل مكانهما الشفافية و”شيء” من الصدق في العمل السياسي والدبلوماسي .
نقول “شيئاً” وليس الكثير من الصدق، لأن الدبلوماسية كما السياسة اعتمدت طيلة التاريخ البشري على النفاق والخداع . فالدبلوماسي، كما قال بعضهم عن حق، هو “رجل فاضل أرسل إلى الخارج للكذب باسم بلده” . وبالتالي، لن يكون من السهل البتة إحلال العلنية مكان السرية، والشفافية بدل الغموض، والصدق بدل الكذب، في العلاقات الدولية .
وما كشفت عنه وثائق “ويكيليكس” الأخيرة، يدل على أن الخديعة هي سيدة الموقف في العمل الدبلوماسي، وهي أكدت ما ليس في حاجة إلى إثبات: العالم مكان مقرف ومقزز، حيث تحقيق المصالح القومية يتضمن غالباً العمل مع الأشرار، والتحالف مع الخصوم، وتقبّل الأعمال الشريرة لتجنّب ما هو أخطر منها . بالطبع، لا جديد في هذه التوصيفات للعمل السياسي والدبلوماسي . فماكيافيلي أفاض في شرح مضامينه الحقيقية والحض على ممارسة أقذر الوسائل لتحقيق أدنى الغايات، وكبار رجال السياسة في التاريخ كانوا من تلامذته النجباء حتى ولو لم يقرأوا كتابه “الأمير” . وهكذا، حين ترجم رفاعة الطهطاوي كتاب ماكيافيلي لمحمد علي باشا، رد هذه الأخير بعد تلاوة بعض الصفحات له أنه لم ير فيه جديداً، إذ هو ينفذ تماماً كل ما جاء في متونه .
لكن الآن الصورة قد تختلف “شيئاً ما”، بعد دخول التكنولوجيا بقوة على خط السياسة . وهذا سيشمل بالطبع فلسفة الدبلوماسية الأمريكية ومسارها .
الخليج

“اليوم التالي” لزلزال ويكيليكس
سعد محيو
“لم يحدث قط في التاريخ أن فقدت دولة عظمى السيطرة على هذا الكم الهائل من المعلومات الحسّاسة التي تساعد على رسم تصوّر عن الأسس التي تبني عليها الولايات المتحدة سياساتها، كما لن يحدث من قبل أبداً أن تهتز إلى هذا النحو ثقة شركاء أمريكا بها” .
هكذا تحدثت “دير شبيغل” الألمانية الأحد الماضي لوصف مضاعفات زلزلال وثائق ويكيليكس على السياسة الخارجية الأمريكية، وهو وصف دقيق بقدر ماهو مثير ل”الشماتة” .
فوزارة الخارجية الأمريكية كانت القوة الضاربة الأولى المطالبة بإطلاق حرية المعلومات والإبداع التكنولوجي، كوسيلة لتحقيق الديمقراطية في أماكن كالصين وإيران، والرئيس باراك أوباما هو الذي كان يحث الأنظمة السلطوية على وقف مراقبة الإنترنت، مهدداً من لايفعل ذلك بعقوبات اقتصادية وغير اقتصادية .
بيد أن هذا السحر انقلب على الساحر، فوزارة الخارجية الأمريكية هي التي تتحرّك الآن ليس فقط لملاحقة مسؤولي ويكيليكس بشتى التهم والجرائم (بما في ذلك “الجرائم الجنسية”)، بل أيضاً لفرض رقابة مشددة على كل المعلومات الإلكترونية ومواقع الإنترنت، وفي الوقت نفسه، يدرس الكونغرس الأمريكي مشروع قانون يسمح للمدعي العام بوضع لائحة سوداء تتضمن المواقع الإلكترونية التي يجب حظرها، وفي مقدمها بالتأكيد ويكيليكس .
بيد أن الولايات المتحدة ستكون خاسرة سلفاً في هذه المعركة، ومرتين:
مرة، لأنه لن تستطيع، مهما بذلت من جهود، أن توقف سيل التسريبات الإلكترونية، طالما أن ثمة أطرافاً أو مؤسسات أو مراكز قوى أمريكية لها مصلحة في الكشف عن بعض الوثائق .
ومرة ثانية، لأن أحداً في كل دول العالم لن يثق بعد الآن لا بسرّية العمل الدبلوماسي الأمريكي، ولا ل”المجالس بالأمانات” الأمريكية، ولا أيضاً بوجود مؤسسة واحدة تدير كل السياسة الخارجية الأمريكية وتكون قادرة على الاحتفاظ علناً بكل مايقال سراً .
لقد وصف وزير خارجية إيطاليا فرانكو فراتيني وثائق ويكيليكس بأنها هجوم 11 سبتمبر/أيلول جديد ضد الولايات المتحدة، سيؤدي إلى “ذوبان سياسي”(Meltdown)، أي انهيار شامل في السياسة الخارجية الأمريكية، فيما ذكر ديفيد روثكومب، رئيس هيئة الاستشارات الدولية، أن نشر الوثائق أكّد أن الولايات المتحدة فقدت السيطرة على نظام أو ثقافة السرّية الدبلوماسية .
بالطبع، مثل هذه البيانات تتضمن مبالغات واضحة، إذ في حين أن التسريبات قد تغيّر قواعد السرّية، إلا أنها لن تُغيّر من جوهر العمل الدبلوماسي نفسه القائم على مبدأ السرّية منذ آلاف السنين .
ومع ذلك، فالأضرار الجانبية وقعت بالفعل وانقضى الأمر، لا سيما في الشرق الأوسط .
فمَنْ، على سبيل المثال، في أي عاصمة عربية يمكن أن يثق بعد بأن المكاشفات الخاصة بينه وبين الدبلوماسيين، أو حتى كبار المسؤولين الأمريكيين، في الغرف المغلقة، لن تصبح في اليوم التالي العناوين الرئيسة في كبريات الصحف ومواقع الإنترنت في العالم؟ ومَنْ في أي عاصمة شرق أوسطية يمكن بعد أن يثق بأنه إذا مادخل سفارة أمريكية، سيخرج منها “سالماً”، بالمعنى السياسي؟
أجل، العلاقات العسكرية والاستراتيجية بين أمريكا وبعض الدول الشرق أوسطية باقية، لكن غياب الثقة سيلقي ظلالاً كثيفة من الشك حول هذه العلاقات، وقد يتسبّب في تغيير أو على الأقل تعديل السياسات على المديين المتوسط والبعيد .
فرانكو فراتيني على حق: إنها 11 سبتمبر/أيلول أمريكية جديدة .
الخليج

بصمات ويكيليكية تقود إلى تل أبيب
سعد محيو
هل بدأت بصمات الأطراف، أو على الأقل أحدها، التي تقف وراء تسريبات “ويكيليكس”، تتضح رويداً رويداً؟
يبدو أن الأمر كذلك . وهاكم ثلاثة مؤشرات .
الأول، الإعلان الصريح لنائب رئيس العدالة والتنمية التركي الحاكم حسين جيليك، بأن “إسرائيل” هي التي هندست تسريب مئات آلاف الوثائق السرية الأمريكية، “كجزء من مؤامرة للضغط على الحكومة التركية” .
دليل جيليك؟ إنه بسيط: “ليس على المرء (كما قال) سوى التدقيق بمن يشعر بالسعادة مع هذه التسريبات . “إسرائيل سعيدة للغاية، وهي سارعت إلى الإعلان فور بدء نشر الوثائق أنها لن تتأثر بها . كيف عرفوا ذلك؟” .
المؤشر الثاني ورد في المقابلة التي أجراها رئيس الوزراء الروسي بوتين مع ال”سي .إن .إن”، والتي أعرب فيها عن اعتقاده بأن “طرفاً ما تعمّد نفخ “ويكيليكس” وتضخميها وتعزيز صدقيتها، بهدف استخدامها لتحقيق أهدافه السياسية” . وعلى الرغم من أن بوتين لم يُحدد “إسرائيل” بالاسم، إلا أن أجهزة الإعلام الروسية كانت تعج طيلة هذا الأسبوع بالتقارير والروايات التي تشير بأصابع الاتهام إلى تل أبيب .
المؤشر الثالث جاء على لسان جوليان أسانج مؤسس “ويكيليكس” نفسه . فهو في مقابلة مع مجلة “تايم” الأمريكية، لم يشد بأي مسؤول عالمي سوى ببنيامين نتنياهو “كمنوذج (كما قال) للزعيم العالمي الذي يؤمن بأن نشر الوثائق سيساعد الدبلوماسية العالمية” . كما كان جوليان أكثر سعادة وفرحاً وهو يُفاخر بأن إيران ربما قررت العودة إلى طاولة المفاوضات “بفضل نشاطات ويكيليكس” .
البصمات، إذاً، بدأت تظهر . وهي يجب أن تضاف إلى السؤال الأول الذي يطرحه أي محقق قضائي يلاحق جريمة ما مهما كبر حجمها أو صغر: من المستفيد منها؟
وهنا، أي نظرة طائرة على ما نُشر حتى الآن من وثائق (وكل ما نُشر تم وفق اختيارات أسانج وبقرار منه) تؤكد أن كل الطرق تقود بالفعل إلى تل أبيب .
فهي المستفيد الأول والأكبر من نشر تقارير يُفترض أن تؤدي إلى تعميق الهوة بين الأمتين العربية والإيرانية، في وقت تبذل فيه العديد من القوى فيهما جهوداً متصلة لتقليص المخاوف والشكوك المتبادلة وزيادة فرص الحوار والتفاهمات .
لابل أكثر: يعتقد الكاتب البريطاني ألان ديرشوفيتس أن نشر الوثائق على هذا النحو قد جعل الحرب الغربية، وليس فقط الأمريكية، ضد إيران أكثر احتمالاً .
بيد أن الإنجاز “الإسرائيلي” الرئيس قد يتحقق على الأرض الأمريكية . إذ فور نشر التقارير حول الشرق الأوسط، تحرّكت المحدلة اليهودية الأمريكية الضخمة لتعلن أن واشنطن ارتكبت أخطاء كبرى في تعاطيها مع إيران والمنطقة، حين أصدرت الاستخبارات الأمريكية تقريرها العام 2007 الذي تحدث عن وقف البرنامج النووي الإيراني، وحين أتبع زير الدفاع روبرت غيتس ذلك هذا العام بالإعلان أن الخيار العسكري غير وارد، ثم أخيراً حين اعتقدت واشنطن أن في وسعها تسوية المشكلة العربية- “الإسرائيلية” قبل نزع السلاح النووي الإيراني .
هذه الحملة لاتزال في بداياتها الأولى، لكنها توضح حجم الانقلاب الضخم الذي تسعى تل أبيب إلى تحقيقه عبر زلزال “ويكيليكس”، والذي لايقل عن كونه جهداً لتغيير كل خرائط الطريق الخاصة بالعمل العسكري والاستراتيجي، وحتى الدبلوماسي في الشرق الأوسط .
إنها لعنة “حكماء صهيون”، وهي قيد العمل في المنطقة والعالم، مجدداً .
الخليج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى