صفحات سوريةعبد الرزاق عيد

اقتحام كذبة المقدس الإيراني…! متى اقتحام كذبة المقدس العربي؟ لا العراق ولا لبنان… أرواحنا فداء للجولان

null
عبد الرزاق عيد
إن أهمية ما حدث في إيران (المعركة الانتخابية) لا يكمن في قيمته السياسية من حيث هو فعل اعتراض على سلطة الملالي (الثيوقراطية)، بل إن أهميته تكمن في قيمته المعرفية ودلالتها الفكرية من حيث هو فعل تصديع وتفكيك لصلابة ايديولوجيا المقدس وتحدي لمهابته اللاهوتية الممنوعة اللمس أرضيا، المتمثلة في صورة ولي الفقيه (المرشد العام) الذي هو روح الله وآيته، ومن ثم اقتحام لاهوتية هذا المقدس، ليس كممارسة نظرية ثقافية فكرية نخبوية عليا فحسب، بل وفعل شعبي وممارسة مجتمعية أيضا. عند ذلك تكتسب الأفكار قوتها الملموسة من خلال تحولها إلى وعي مجتمعي، بعد أن تمت ترجمته في صياغته الشعارية: “لاغزة ولا لبنان، أرواحنا فداء ايران… لا غزة ولا لبنان، شهادتنا في سبيل ايران..”… إن هذه الصياغة تقوض المرتكزين الأساسيين لنظرية الخميني عن “تصدير الثورة”، وهما مرتكزا: ( الأسلمة والفلسطنة) لمشروعه الطامح عالميا، وذلك في خدمة المصالح القومية الإيراينة المتطلعة لقيادة العالم الإسلامي، وذلك عبر الدمج بين المستويين (الفقهي الديني والوطني الفلسطيني)، حيث نزع الطابع الوطني المدني والمواطنوي: الحقوقي والقانوني عن فلسطين، ومن ثم نزع الطابع القومي العربي عنها بعد تصدعه وانحداره بل وتهاويه مع القيادة الأسدية للبعث منذ هزيمته الأولى كوزير دفاع في حزيران 1967، ومن ثم اعتبارفلسطين “وقفا إسلاميا” كما يحلو للخطاب الإسلاموي أن يتفقهن أو يتفيهق… أي إعادة اكتشاف الهوية الإسلامية لفلسطين…
بل وتبلغ صدمة الوعي ذروتها في إعلان هذا الشعار (أي أولوية إيران على غزة ولبنان بالنسبة للشعب الإيراني)، في اليوم ذاته الذي خصصه الخميني لاعتباره (يوم القدس)، وهو يوم الجمعة الأخير من شهر رمضان،حيث اكتشف رمزيته القدسية والمقدسة بعد هزيمته أمام (العدو الأصغر صدام حسين)، فكان لا بد له من تمويه الهزيمة الإقليمية (مع العراق) بتوجيه فوهة البنادق إلى العدو الأكبر (خارج فسطاط الإسلام ) من خلال اللعب على آلام القدس ورشوة العرب والمسلمين بجعلها هدفا مشتركا للجميع ضد قوى الاستكبار العالمي بعد خسارته لمعركة الاستكبار الإقليمي في (قادسية صدام)…!
هذه الأسلمة كانت بمثابة غلاف تعبوي وتحشيدي لتحقيق الطموحات الإقليمية التي عجز عنها شاه ايران وذلك من خلال ضخ المشروع القومي الفارسي (الشاهنشاهي) ببعد جديد (طائفي) –وهو قديم قدم التاريخ الإسلامي- وذلك عبر إحياء الفتنة الكبرى: التي شقت العالم الإسلامي أكثر من أربعة عشر قرنا فيما يمكن أن يسمى أطول معركة تافهة في التاريخ بين بيتين (الهاشمي والأموي) من قبيلة واحدة (قريش)، حيث سيتبدى موقف الملالي عن تطفل مقيت ليس على مسائل العرب الراهنة فحسب، بل وحتى على تاريخ خلافاتهم القبلية ـ حيث جعل فقهاء قم من البيت الهاشمي بيتهم الطائفي، بل ليغدو هذا المذهب الطائفي ايديولوجية قومية كما هي اليهودية، لكي يستعان بهذا المذهب على الاختراق والهيمنة الإقليمية عربيا واسلاميا … وذلك عبر استعادة وعي قروسطي لمفهوم الأمة والأوطان والكيانات وفق منظومات الفقه الشيعي الإمامي، حيث ليس بإمكان الامامية الشيعية الايرانية الأقلية إسلاميا احتياج العالم العربي (السني) إلا باستعارة قضيتهم القومية المركزية الأولى(فلسطين) ومن ثم استخدام الرمزية المأساوية الدامية لمقدس القدس في أغراض دنيوية سياسوية للسيطرة والهيمنة ومن ثم الاستيلاء على القضية الفلسطينية ككل، دون أي شعور بالحرج الأدبي والمعنوي بالتقديس الإيراين لقاتل مدشن ومؤسس عروبة وإسلامية (القدس) وهو عمر بن الخطاب الذي تقام المزارات المقدسة لمغتاله (ابو لؤلؤة)…
وقد أصبح على العالم العربي مع خمينية ايران الشيعية، أن يتذكر سنيته دائما أمام البرنامج الشيعي الايراني، وكأن هذا العالم العربي الغارق في الماضي كان ينقصه هويات ماضوية إضافية…!
إن هذه الإستراتيجية التشييعية لسدنة هياكل وهم الفقه الإمامي، كان من شأنها أن تدفع إلى المزيد من الانكشاف الطائفي والمللي والأقوامي والنكوص والانكفاء إلى ما قبل الوعي الوطني والقومي العربي أو الكردي وانبعاث شتى الفسيفساءات ما قبل الوطنية، إذ يعيش هذا العالم العربي حالة إخفاق مشروعاته الوطنية والقومية التحديثية، لتدفع ايران العالم الإسلامي بمجموعة إلى فضاءات الاستقطابات والانحيازات القروسطية الطائفية، وذلك بعد أن تجرع كأس سم الهزيمة بتوقيع وقف إطلاق النار مع عراق صدام، فكان عليه أن يقفز إلى الأمام في الفراغ عبر إعلان اليوم العالمي للقدس من جهة، والتي تزامنت-من جهة أخرى- مع فتواه بإهدار دم سلمان رشدي، وذلك لفك عزلته العربية بتقدم صفوف العرب في اللعب الديماغوجي بشعاراتهم وأهوائهم والتسوق في بازار قضاياهم لإعادتها إلى ساحة (الميثوث) السحري بعد أن بدأت تدخل في حيز النسبي العقلاني المعتدل المستفيد من دروس الهزائم، وذلك بالعودة إلى خطاب المزاودة والهتاف الشعائري الطقسي والضجيج الشعاري الشعبوي المبتذل والمقاولة البازارية والسوقية على مقدساتهم: قوميا عبر الاستيلاء على الرأسمال الرمزي (القدس)، ودينيا باسم الدفاع عن نبيهم العربي (محمد) المهان من قبل سلمان رشدي…!
تفرد البعث بالتوثين (القوموي) للقضية الفلسطينية، سيما بعد تفريغه من النخبة المدنية المتكيفة مع السياق الديموقراطي البرلماني القائم في سوريا منذ مرحلة الاستعمار الفرنسي وما بعد الاستقلال، حيث الانتقال إلى الانقلابية العسكرية الريفية ومن ثم لاحقا الطائفية الرعاعية،فكان على الانقلابيين أن يوثنوا فلسطين شعاريا لإسقاط استحقاقات الشرعية الدستورية والمدنية الديموقراطية التي كان يعيشها المجتمع السوري شعبا ودولة، على طريق التلاشي التدريجي للدولة: دولة الحزب فدولة الشخص/ الأمن، ثم التحلل إلى سلطة أمنية طائفية عارية… والمآل سلطة العصابة العائلية..
سيجعل البعث من فلسطين (قضية عربية)، لانتزاع حقهم في تقرير المصير الوطني، ومن ثم إلحاقهم بعثيا وتوحيدهم قوميا مع شعوبهم العربية في حقوق المساواة في الإخضاع والقمع والاعتقال والحبس بل والتصفية والإبادة (من تل الزعتر إلى حماة)…وهكذا ستغدو فلسطين القميص القومي للبعث لتصدير شعاراته التي كانت ضرورية للبعث –لاسيما- في المرحلة (الأسدية) كغطاء ضروري اعلاميا وديماغوجيا على عملية تطييف الجيش السوري، والانتقال بالاشتراكية من الراديكالية (الجديدية نسبة إلى صلاح جديد) إلى الشراكة النفعية الوظيفية (الطائفية والعائلية الوراثية)، ومن ثم التحول بعد حرب تشرين 1973 والفشل في تحرير الجولان، إلى استراتيجية خوض حروب الجولان على أراضي لبنان وفلسطين والعراق…
وعلى هذا كان على الفلسطيني أن يكون أول الدافعين لثمن (عربنة فلسطين وبعثنتها ) بأن يصبح (رهين المحبسين)، محبس الأعداء والأشقاء على السواء: محبس الاحتلال الإسرائيلي الاستيطاني لأرضه أولا…ومحبس الاحتلال الايديولوجي البعثي لقضيته ثانيا، حيث بات عليه أن يعيش تجربة تصفية مزدوجة لوطنه: تصفية مادية تتمثل في الاحتلال الاسرائيلي للأرض والوجود، ومعنوية تتمثل في الاحتلال البعثي للمعنى الوطني الفلسطيني باسم عروبة سديمية تتقبل كل الألوان لتتلاشى كدخان، أي احتلال القضية الفلسطينية لتصبح مجرد ورقة من أوراق صون البقاء في السلطة داخليا: وذلك من خلال إخراس صوت التداعي المجتمعي للحريات السياسية من جهة، ومن ثم إخراس صوت الحريات الوطنية عبر فرض السكوت عن احتلال الجولان إلى ما بعد تحرير فلسطين بوصفها (أم القضايا والمعارك)….!
أما خارجيا: فكان لابد من ضمان إسكات إسرائيل عن حرائق شعاراتهم البعثية و نارية خطاباتهم (الثورية)، وذلك بالتوازي مع بلاغة الصمت عن احتلال الجولان وكسر أي يد تمتد منها بشر أو أذى لإسرائيل ولو برمية حجر، كما يقال وكما أصبح معروفا لدى العالم أجمع، ما عدا بعض الأخوة الفلسطينيين المقيمين في فنادق الصمود والتصدي الممانع في دمشق الذين يتبارون على الفضائيات لإعادة الاعتبار إلى الشعار البعثي عن (قومية المعركة وعروبتها) الذي لا يعني –ولم يعن من قبل-سوى تسليم زمام فلسطين إلى البعث (وفي أحط مآلاته الأسدية) لكي تكون ورقة توت تواري تنازلاته الوطنية عن الجولان… مثلما تنازل من قبل عن لواء اسكندرون…
وإذا كان ثمة نبوغ في العقل العسكري للطاغية (حافظ أسد) في قيام واستقرار نظامه إلى اليوم فإنه يعود لاختراع هذه المعادلة: (سكوت إسرائيل على بقاء نظامه مقابل سكوته على بقاء إسرائيل في الجولان)، حيث يقطف الابن الوريث اليوم ثمار هذه الإستراتيجية، إذ أنه لم يبق في العالم من هو أكثر حماسا لحماية نظام أسد أكثر من إسرائيل، وربما تكون هي صاحبة الفضل في استمراره حتى الآن رغم كل جرائمه نحو شعبه والشعب اللبناني والفلسطيني والعراقي،ومن ثم واللعب (المتذاكي والمتشاطر) على الفتن والتوترات الإقليمية في لبنان وفلسطين والعراق … إذن إذا كان ثمة نبوغ في امساك مقاليد السلطة في سوريا خلال هذه العقود – خارج ثلاثية: ( الجيش – المخابرات – العصبوية الطائفية )، فإنه يكمن في اكتشاف هذه القاعدة القائمة على تبادل البقاء: (البقاء في الجولان مقابل البقاء في النظام) التي لازالت تشكل أساس نظامه القائم وراثيا وأمنيا وعسكريا وطائفيا.
ولهذا فإن استعادة الشعب الإيراني للوعي المدني في صيغة وعي وطني وقومي حديث لهو انجاز عظيم لثقافة المنطقة على طريق تحررها من الشموليات الديكتاتورية (الدينية ايرانيا والقوموية العروبية بعثيا)، هذا الوعي الجديد المنبثق بقوة هو القادر على كشف حقيقة الشعبذات الهذيانية للإيديولوجية الثيوقراطية- القروسطية لمتهوسي ملالي طهران وقم، حيث هذه الاستعادة ليست مكسبا فكريا ديموقراطيا للمجتمع المدني الإيراني فحسب، بل هي مكسب سيترك تأثيره الشامل على ولادة عربي عقلاني مدني قادر على تفكيك مراوغات ايديولوجيا المقدس، ومن ثم مواجهة صناعات المقدسات العربية التي لا مهمة لها سوى الدفاع عن مقدس واحد أوحد وهو مقدس السلطة، سيما من قبل أولئك العروبويين الذين يراهنون على الشعبوية الاسلاموية الإيرانية بالتوازي مع شعبويات مقدساتهم الوثنية (وثنية السلطة)، وذلك على طريق كشف الشعبذات الايديولوجية للرفاق القومويين البعثيين بطبعتهم الأسدية، ومن ثم امتداداتهم واشتقاقاتهم في المحيط العربي فيما يسمى بالمؤتمرات القومية الإسلامية…
إن انكشاف كذبة المقدس الديني الإيديولجي الإيراني المراوغ (وطنيا وإسلاميا) سيعزز انكشاف المراوغة الايديولوجية العروبوية لكذبة المقدسات القومية ومراوغاتها التي تغلف مقدس (السلطة وثن بعثيا –أسديا -طائفيا)، حيث (أسد الطاغية المؤسس) قائد التشرينين: (التصحيح والتحرير) قام بتصحيح مقومات تكوين سوريا على قدر مقاس الأوراك (الأسدية) العجفاء لتحريرها من أي حراك اجتماعي أو سياسي أو ثقافي وطني ديموقراطي… هذه القناعة الأسدية الراسخة كانت تستند إلى حدس غريزي بأن كيان نظامه لا يمكن له أن يبقى قائما إلى الأبد كما يحلم ويتشهى- حتى ولو دمر مجتمعية المجتمع السوري- إلا إذا ما كسب موافقة إسرائيل على بقائه…وقد نجح أسد في ذلك، وهذا ما يفسر ويبرر لنا الثقة الشديدة لعصبة النظام بهتافها الأثير: (إلى الأبد إلى الأبد… يا حافظ الأسد ولاحقا ابنه الصغير الوريث)، فقد كان له أن يحقق أبديته المزعومة والمشتهاة في وريثه المزعوم….
ولهذا فان الاكتشاف الفكري للاحتيال الايديولوجي والسياسي الإسلاموي الولايتي (الخميني)، هو اكتشاف مهم جدا لاكتشاف الاحتيال الايديولوجي القوموي (الأسدي)، وذلك من أجل وضع تصور برنامجي صحيح نحو المستقبل الوطني لسوريا، والقومي لفلسطين ولبنان والعراق الذين يتلاعب النظام بقضاياهم كـأوراق أمنية في خدمة تسلطيته الطامحة إلى الأبدية…
وعلى هذا فإن شعار الحراك الديموقراطي الايراني “لاغزة ولا لبنان أرواحنا فداء إيران”، يصح كشعار للحراك الديموقراطي السوري في استبدال كلمة إيران بـ(الجولان)… فيصبح الشعار الوطني الديموقراطي للحراك المدني السوري متقاطعا مع الحراك المدني الديموقراطي الإيراني المعارض وبالتلاقي في مواجهة التحالف الشمولي الطائفي للنظامين…
حيث يمكن استعارة الشعار المدني الإيراني سوريا عبر إعادة صياغته: “لا غزة ولا لبنان… أرواحنا فداء الجولان… لا العراق ولا لبنان… قضيتنا ضد الطغيان… لا لبنان ولا بغداد مصائبنا مع الاستبداد…الخ هذه العناوين يجب بعثها من تحت أطمار القصف الايديولوجي والشعاري التضليلي الهادف إلى طرد الأهداف الحقيقية الوطنية على الأرض من ساحة (الجولان) لإحلال أهداف أخرى تمويهية باسم العروبة في لبنان وغزة والعراق، أي بإحلال أهداف للشغب الإقليمي (المقاومة بهدف المقاولة) من خلال اللعب المكشوف على المطلق القومي (فلسطين والعراق ولبنان)، لتضييع (النسبي الوطني المحدد والمتعين والملموس (الجولان) ..لأن استبدال النسبي بالمطلق لا يزعج العدو الإسرائيلي بمطالب محددة وملموسة ما دامت تلتزم اتفاقات الصمت عن الجولان…
الجولان ذلك هو المدخل المادي والملموس الأول لتعرية المنظومة الخطابية التلفيقية للنظام ومرتزقته من المهللين الهتافين له في المؤتمرات القومية والإسلامية كما كانوا يهتفون لصنوه وربيبه الذين سبقهم إلى حبل المشنقة…رغم كل ما يفعلونه للهروب من مشنقة المحكمة الدولية القادمة رغم قدوم الأمريكان والفرنسيين والعرب إلى وكر العصابة في دمشق… لكن العقل الغريزي العصبوي هيهات له أن يغدو عقلا وطنيا ومدنيا ومجتمعيا قادرا على التموضع الحضاري في المنظومة القومية والعالمية والدولية…ولذا فهو يسير على طريق تفككه وتقوضه وانهياره… وذلك إن بقي أحد ليعارضه في الداخل الوطني أم لم يبق… وفق تباهي وأمنيات وشماتة المثقف العصبوي الطائفي الذي هو آخر ما تبقى لعصابة التفريط بالأوطان والإنسان استجابة لندائهم الداخلي الغريزي لممارسة الطغيان… فلنبدأ بأولوية تحرير الجولان كمدخل لتحرير الأوطان والإنسان من الخيانة والطغيان….

• كاتب سوري- باريس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى