صفحات سوريةنصر حسن

الديمقراطية مدخل تفكيك الديكتاتورية وإحياء الدولة الوطنية

null
1 -4
د.نصر حسن
الجزء الاول والثاني من هذه المقالة
يشهد عالم اليوم تقدما تكامليا سريعا ثقافيا اقتصاديا تجاريا سياسيا  (جيوإنسانيا) ,بتأثير ثورة المعلومات الرقمية وتعميم العلم والتكنولوجيا والتنمية البشرية الكونية , ووعي متصاعد في مجالات الحقوق والحريات وقيم العدالة والمساواة وتجاوز المحددات التقليدية والولوج في فضاء التجمعات الكبيرة , تلك المتغيرات البنيوية العالمية المتجهة إلى الأمام ,ومن نافل القول أن الزمن التاريخي لا يرجع إلى الوراء ,هذه التغييرات في عالم بات منبسط ومفتوح على بعضه ولأول مرة في التاريخ البشري ,تلك التطورات تضغط بقوة على حياة الشعوب والدول وبشكل خاص الدول والمجتمعات المغلقة التي تحكمها أنظمة سلطوية تمشي عكس سير التاريخ والعالم ,وتحاول وقف تلك الحركة التفاعلية التبادلية الكونية ,هذا نهجا عبثيا عدميا لا ينتج سوى التبعية المهينة والعزلة العاجزة والانغلاق  والتخلف العام والدوران الواهن في الفشل  والإخفاق
فسورية اليوم تتعرض لكل ذلك في حالة داخلية هي استثناء في فسادها, مضروبة بسوء معامل الاستبداد والفساد والفقر وغياب الحريات وانتهاك الحقوق , بتكثيف الأمر ومباشرته ,إن مجمل ذلك يضع أمام القوى السياسية قضايا راهنة مصيرية ترتبط بالتغيير الوطني الديمقراطي السلمي وطي صفحات الديكتاتورية والظلم والإقصاء ,والانتقال السريع لبناء الدولة الوطنية الحديثة ومواكبة سير العالم المعاصر , فالأمر يفرض نفسه على قوى العمل الوطني في سورية ,ويطرح السؤال المنهجي حول أسباب التعثر الذاتية والموضوعية ,الداخلية والخارجية المتداخلة في مشروع التغيير والإصلاح والتنمية والتقدم , آلياته ,حوامله ,زمنه , مرجعيته , وأهدافه , هذا المشروع أراد النظام فعليا أن يكون خارجه ,وتبنته نظريا قوى التغيير الوطني في سورية , ورغم أن المفارقة هي في غياب العلاقة المهمة ( سلطة – معارضة ) اللهم سوى علاقة سلبية للغاية تتلخص في انتهاك الحريات وحقوق الإنسان وعرقلة نشاط المجتمع المدني , وكل ذلك تقع مسؤوليته كاملة على النظام ,وعليه نترك النظام إلى حين في تخبطه الذي المستمر فقد استنفذ نفسه ,ونتوجه بدراسة وتحليل تفاعل قوى العمل الوطني مع مشروع التغيير الديمقراطي المطروح, والبحث الجدي عن أفق ما جديد ,ولاشك أن هذا المشروع  شهد في السنوات الأخيرة حالة تعثر واضطراب داخل محدداته العامة التي تؤطر سورية اليوم , من تردي عام وتحديات متعددة على المستوى الوطني والقومي والدولي , ضمن تلك المشهدية الوطنية الدرامية تحاول قوى العمل الوطني الحية أن تخرج من عنق الزجاجة وتجاوز حالة التعثر تلك , في معالجة موضوعية تبحث عن حل وطني ناجع يعطي المشروع أبعاده الفعلية التي تحدد نقطة البداية لعمل وطني ديمقراطي نوعي مؤسسي قادر على التفاعل مع المجتمع وإعادة الشعب إلى العمل العام على طريق تحقيق مصالح وآمال الشعب السوري , نقطة البداية تلك هي الخطوة المفتاحية التي تحدد اتجاه التغيير .
وليس من المبالغة القول أن حالة التردي العام والخراب الوطني والتدمير المنهجي المتسلسل للقيم الفكرية والثقافية والقانونية والأخلاقية الذي أنتجه النظام في سورية , يعادل موضوعيا ضرب الشعب السوري (بقنبلة نووية ) دون وسائل إسعاف تساعد على احتواء الكارثة بل محاصرته فيها وبارتداداتها الداخلية والضغط المستمر من قبل النظام لتكسير أسس البناء الاجتماعي والسياسي والأخلاقي وإدخال المجتمع في حالة فريدة من القمع والاعتقالات والقتل الفردي والجماعي في السجون والمعتقلات وخارجها كما حدث سابقا في حماه وتدمر وسجن صيدنايا واليوم تتكرر مع المواطنين الكرد وهم في أداء الخدمة الإجبارية في الجيش العربي السوري !لقد اصبح واضحا أن  هذا النظام لا عمل له سوى تعميم العنف والإهانة والترويض والتهجير والتجويع وكسر الإرادة الوطنية واحتكار الحياة العامة والسيطرة على الثروة الوطنية وإضعاف الدولة ومؤسساتها , نظام اغتصب الحريات والحقوق ومارس العنف والتطرف بأقسى مظاهره وأعاق تقدم المجتمع ,بل أعاده إلى زمن العصبيات بشتى أشكالها , ليحصر الشعب في حالة فريدة من التهميش والإقصاء والتخلف والشلل العام , حالة تفرض البحث المجسم في عللها وتحديد مدخل جديد وفكر جديد وآلية جديدة لتجاوزها , وقبل كل هذا وذاك حوار وطني من نوع جديد , لأن  تدهورالحالة مع فشل النظام في كل شيء وعناده ضد الإصلاح الداخلي وتماهيه في القمع والفساد والغوغائية ,أصبحت خطيرة على مستقبل سورية ومفتوحة على كافة الاحتمالات الكارثية , لقد حان الوقت بعد تأخر لدخول قوى التغيير الوطني الديمقراطي على خط الأزمة بجدية ومنهجية وحركية واستمرارية ,لضبط هذا الفلتان الأمني والتدهور السياسي والفشل الاقتصادي والتدني الأخلاقي والإنساني الذي أنتجه النظام ,وأيضا تجاوز التوتر والتخلخل والارتباك الداخلي الذي أشاعه على الساحة الوطنية .
في مثل هذه الحالة يلزم  تأسيس  وعي وطني نوعي جديد في الحراك السياسي والاجتماعي , دالته ومتغيره هما الحياة العامة للشعب ، نلاحظ بعض تجليات هذا الحراك في نشاط  قوى مختلفة على الساحة السورية , لكنها  ماسورة بمنطق ذاتي تمليه مصالحها الجزئية ,الأمر الذي زاد الارتباك وأطال زمن الاستبداد والظلم ,وعليه لن تستقر الأمور وطنيا سياسيا وأهليا ,سوى بقناعة جميع الأطراف بضرورة تأسيس جديد للوعي , يكون المقدمة لعمل وطني ديمقراطي تكاملي على أسس واضحة وشروط موضوعية وبرامج عملية ممكنة التحقيق تكون تعبيراً عن المصلحة العامة، ذلك لأن الاختلافات السياسية والاجتماعية والاصطفافات التي شهدها العمل الوطني انتهت إلى إضعاف قوى المعارضة وعدم قدرتها منفردة في تحقيق نجاح يذكر في مواجهتها مع الاستبداد ,حان الوقت لإدراك أن طغيان المصالح الخاصة على المصلحة الوطنية في جميع المجالات ,هو أحد الأسباب الرئيسية في تعثر مشروع التغيير الوطني الديمقراطي, لأن نتائج العمل أثبتت أنه ما من طرف وطني بمفرده  قادر اليوم على مواجهة الاستبداد وأن يعبر عن المصلحة العامة , وهذا يدفع  مشروع التغيير الديمقراطي المؤسسي ليكون مطلبا عاما وملحاً أكثر من أي وقت مضى, هذا المشروع  نظريا هو شعار كافة الفصائل ,لكن عمليا لم تستطع القوى الوطنية  من اشتقاق إجماعا أو توافقا وطنيا على الخيارات الأساسية التي تحدد اتجاه المشروع الديمقراطي ,برامجه ,مضمونه , وأفقه الوطني العام , اللهم سوى بكلام نظري عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والدولة المدنية دون تحديد الأطر الفكرية والسياسة والقانونية التي تمثل الحاضنة العملية المؤسسية لنمو هذا المشروع في الحياة العامة للشعب.
فلاشك أن الفردية والفئوية والاستقطاب السلبي والقبول اللفظي بالعمل الديمقراطي ,وعدم تكامل البرامج أعاق العمل الوطني , بل أضعف تلك القوى وانعكس هذا الضعف على البنى السياسية والثقافية والحقوقية وقوى المجتمع المدني في سورية وأدائها العام , ولم ينتج التوافق الضروري المطلوب , فالسجال الذي يدور حول أساسيات التغيير الوطني شبه على أنه حوار , لكنه في حقيقته كان أقرب إلى الخطوط المتوازية التي لم ولن تلتق إذا استمرت بهذا المستوى من الفهم والنهج والعمل ,لاشك أن هناك كم كبير من العقبات الداخلية والخارجية والضغوط المتعددة وتراكمات معيقة ,وأيضا بعض التشوهات الداخلية في بنية وعمل بعض أطراف المعارضة , والأمر هنا ليس مرهونا بسوء النية أو حسنها أو استنقاص جهد أي طرف , بقدر ما هو مرهون باحترام كل الجهود المخلصة وتحفيز الإرادة والعزم على الحوار لإنتاج برنامج البديل الوطني الموضوعي القادر على مواجهة الديكتاتورية وتحمل كل طرف مسؤولياته وحسم ذلك لصالح الشعب وحريته ومستقبله ….

لديمقراطية مدخل تفكيك الديكتاتورية وإحياء الدولة اوطنية( 2- 4).
ما العمل إزاء هذا الضعف العام في العمل الوطني ؟! هذا هو السؤال المركزي المطروح على طاولة العمل الوطني الديمقراطي في سورية , السؤال الذي ينتظر الإجابة الصحيحة من قبل قوى العمل الوطني, إجابة صريحة قوية شفافة مسؤولة , بدون لف أو مواربة وعلى شكل برامج مكتوبة واضحة في هذه المرحلة العصيبة التي يعيشها الشعب ,على هذا الطريق يمكن أن يكون هكذا حوار وطني ,بمبادئه ,أهدافه , زمنه , وهياكله المؤسسية اللاحقة, بداية العمل السياسي الفعلي على طريق تحقيق المشروع الوطني للتغيير الديمقراطي في سورية.
والحال بما هو عليه , فإن الحوار الوطني الديمقراطي هو المدخل الضروري لإحياء الثقة البينية وتثبيت أسس الوحدة الوطنية, وتوهين العصبيات وتنظيف العمل الوطني من العلاقات المضرة المؤذية التي تعمق إفرازات النظام في التفكك والتطرف وشيوع ثقافة الخوف واللامبالاة والعودة إلى العصبيات المتعددة التي تفتك بالمجتمع , إن الحوار الحر هو المؤهل لنقل قوى التغيير إلى نهج العمل السياسي الوطني الفعلي, يضع في أولوياته كيفية إعادة الشعب إلى السياسة وتخليصه من عواهن الخوف والتعصب والتطرف واللامبالاة , بعيدا عن الأفكار المجردة الجامدة المعيقة لكل عمل تكاملي وطني منتج , بالاعتماد على الصراحة والصدق والنزاهة والواقعية , فالإستبداد لم يهبط من السماء ,ولم يتم تهريبه عبر الحدود ,ولم يتم إستيراده من الخارج , إنه من هذا الواقع , من هذا المجتمع, وابن تلك العلاقات والمحددات غير الوطنية وغير الديمقراطية وغير السياسية التي كانت الحاضنة الأساسية والسبب المباشر لنمو هذا السرطان في الجسم الوطني , حان الآن لتفكيكه وتجاوزه وتأسيس بديل وطني ديمقراطي جديد, جدير بالذكر أن أساس استمرار الديكتاتورية ضمن الصورة المعقدة داخليا وإقليميا ودوليا مع ما يتداخل فيها من علاقات متنوعة وتشابك مصالح النظام مع قوى إقليمة ودولية , سببه الأساسي هو في طبيعة عمل القوى الوطنية الديمقراطية الذي طبع المرحلة الماضية , بشاقوليتها التنظيمية وبذاتيتها وتفككها وهشاشة بنائها وطوباوية أهدافها وتخبط معاييرها الفكرية والسياسية وتعدد ولاءاتها وعزلتها عن الشعب , وسجالها الذي يشي بضعف قدرتها على التجديد وإنتاج المفاهيم الجامعة والمعايير السياسية الوطنية الثقافية المطلوبة , لضبط العمل التنظيمي والحفاظ على اتساقه الفكري الوطني وتطويره في صفوف الشعب , هذا الحوار يؤسس لمرحلة جديدة لتعريف دقيق بطبيعة الهدف وتحديد علاقاته ومتغيراته وموازين قواه ,ورسم برامجه على أساس المشترك الوطني العام ,وهو الوطن ومفهوم المواطنة بأبعاده الوطنية والاجتماعية والسياسية والقانونية والإنسانية .
واستطرادا , إن حوار بهذا المستوى والنضج هو ضرورة وطنية تمهيدية لعمل وطني منتج ,تكون الصراحة بدايته ,والنقد الجريء البناء وسيلته ,والإرادة الوطنية الإنسانية عتاده ,واحترام أسس العمل العام فضاؤه ,واشتقاق أو إنتاج وعي وطني سياسي جامع مشترك ,يكون هو مجال العمل العام بين جميع المواطنين وفئاتهم الاجتماعية والعرقية وتعبيراتهم الثقافية والسياسية والمدنية هدفه , يكتسب شرعيته من قدرته على تبني قضايا الشعب الأساسية ,ومدى فعاليته الوطنية في توحيد الموقف من الاستبداد ونتائجه , وفتح أفق جديد في المجال السياسي الاجتماعي الذي يعيش نتائج الفردية التي اغتصبت السلطة وعسكرتها وطيفتها وقضت على طابعها المدني الاجتماعي السياسي , الفردية العصبية التي اختطفت الدولة وأجهضدت مشروع النهضة الوطني والقومي ,وكل ما نعيشه اليوم هو إنتاج تلك البدايات التي أسست للديكتاتورية والفساد والفشل والظلم والاضطهاد واغتصاب حقوق وكرامة الشعب , جدير بالذكر أيضا فهم وتحليل العوامل التي مهدت وساعدت الفردية والطائفية للسيطرة على الحياة العامة في سورية , لعل في مقدمتها هو انقسام الأحزاب السياسية على نفسها وصراعها البيني وبعدها تخليها عن العمل في المجال العام , حصرتها الديكتاتورية والطائفية في صراعاتها الداخلية وغيبتها عن الساحة الوطنية ,وسرحت ومرحت وسجنت وقتلت وصادرت الحقوق دون رقيب أو حسيب وتحت شتى المسميات اللفظية الواهية , وأجهضدت بداية الحراك الوطني الديمقراطي النهضوي التحديثي التي شهدته سورية , ودفعت إلى ساحة العمل الوطني مفاهيم التفكك والعصبية والطائفية ,وأنعشت البنى والعلاقات ما قبل الوطنية وما قبل القومية غير الإنسانية وشوهت علاقات المجتمع المدني وواجهاته, واحتكرت السلطة والثروة والقوة وألغت الدولة وجعلت منها ديكتاتورية ثم طائفية ثم وراثية ثم عائلية كما هي اليوم , أي ألغت الديكتاتورية المجال السياسي ,واحتكرت مفاهيم الوطنية ,فضعفت علاقات المواطنة وتقلصت وتطابقت مع الولاءات الشخصية والطائفية والعرقية والمصلحية ,وتحولت بتسلسل القمع عبر عشرات السنين إلى نسق سلطوي عام يعيشه الشعب, إن تغييب المجال السياسي هو النقطة المفصلية الأخرى التي نرى أن يدور عليها النقاش الموضوعي لإعادة التأسيس له وعودته إلى أن يكون المحرك السياسي والثقافي ,والحاضنة الوطنية التي تنتج علاقات إيجابية لصالح المجتمع وسبل وحدته وتقدمه .
إن الحوار بأفق سياسي وطني واضح يهدف إلى توليد علاقات وطنية جديدة ضمن المتغيرات الداخلية والخارجية , يفرز المفاهيم والبرامج والخطابات الماضية ,ويعطي صورة موضوعية لواقع المجتمع بدون تضخيم وبدون إهمال وبدون إسقاطات نظرية في غير إحداثياتها الصحيحة وتجنب المراوحة في دوغما إيديولوجية أو عصبية , وأيضا يتجاوز الصيغ التي تصدرت العمل الوطني العام وأفرزت التباين والتفرقة والضعف في مواجهة الديكتاتورية ,بمحصلته يفرض التكامل المؤسسي ويكون أولى أهدافه هو إعادة الاعتبار للثقافة النقدية وللقيم الوطنية والأخلاقية والتوافق الوطني ,وجعلها أسس التربية السياسية الوطنية ومحددات العمل الوطني في المرحلة المقبلة …يتبع
خاص – صفحات سورية –

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى