صفحات سورية

رئيس روسيا يجدد دور الاتحاد السوفياتي في… سوريا

null
سليم نصار
قبل ان يطير الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف الى دمشق احتفل رئيس الوزراء فلاديمير بوتين بذكرى النصر على النازية.
وأقيمت للمناسبة منصة خاصة في الساحة الحمراء، مرت امامها الدبابات والمدرعات وفرق الجيش والخيالة.
وشوهد الرئيسان يرفعان الأيدي بالتحية، مثلما كان يفعل ستالين وبيريا وجوكوف وكوسيغين ومولوتوف.
واحتار المراقبون في تفسير اهداف هذا الاستعراض العسكري الضخم الذي أحيا ذكرى امبراطورية انهارت منذ عشرين سنة. ولكن الجواب وصل الى دمشق مع ميدفيديف الذي أعلن امام حليفه القديم ان “روسيا لن تقف مكتوفة الايدي اذا ما تعرضت المنطقة لانفجار جديد”.
ومع ان ميدفيديف لم يذكر صراحة اسم الدولة التي يحمّلها مسؤولية الانفجار المتوقع، الا ان تهديدات اسرائيل المتواصلة بضرب لبنان وسوريا كانت بمثابة اتهام للدولة المعنية.
والملاحظ ان اسرائيل باشرت منذ اربعة اشهر، في اطلاق اتهاماتها ضد سوريا لأنها تقوم بتهريب صواريخ سكود الى “حزب الله”. ولما نفت دمشق هذه الافتراءات عادت حكومة نتنياهو لتهاجم موسكو وتتهمها بتزويد الجيش السوري بنظام صاروخي دفاعي مضاد للطائرات من طراز (أس – 300) وهو طراز يمتاز بقدرته على تدمير الطائرات الاسرائيلية من مسافات بعيدة.
ومع ان دمشق التزمت جانب الصمت حول هذا الموضوع، الا ان الحديث عن تعزيز القدرات  الدفاعية السورية بأسلحة حديثة، قاد اسرائيل الى هذا الاستنتاج.
كذلك انتقدت تل ابيب النشاط السياسي الذي قام به ميدفيديف معتبرة ان اجتماعه مع خالد مشعل يخدم الحركة الارهابية. علما بأن وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف سبق له ان التقى زعيم حركة “حماس” مرات عدة. كذلك زارت قيادة “حماس” موسكو وأجرت محادثات سياسية مع كبار المسؤولين عن منطقة الشرق الاوسط في الخارجية.
في هذا السياق، يرى الصحافيون في دمشق، ان زيارة الرئيس الروسي كانت موجهة الى ادارة اوباما عقب قرار تمديد العقوبات الاميركية على سوريا. خصوصا بعداعلان تعيين السفير روبرت فورد واعتماد سياسة الانفتاح الاقتصادي والسياحي تجاه دولة قوطعت مدة طويلة من قبل الولايات المتحدة. وغاية تمديد العقوبات، كما يراها الاسرائيليون، هي ابعاد سوريا عن ايران وقطع تعاونها مع “حزب الله” و”حماس”. اما ثمن الانتقال الى محور الاعتدال فقد لمحت واشنطن الى استعدادها لحض اسرائيل على تجديد المفاوضات حول مرتفعات الجولان.
في معرض ردها على الضغوط الاميركية – الاسرائيلية، قالت دمشق ان سياستها الخارجية لا تخضع لاملاءات الدول الاخرى. وعليه قررت اعتماد استراتيجية دفاعية مبنية على نظام صاروخي قوي ضد الطيران ووحدات مضادة للدروع والدبابات، اضافة الى ترسانة “حزب الله”. ومع ان هذه الوسائل لا تشكل ادوات الانتصار على اسرائيل، الا انها بالتأكيد ستحدث اضرارا في الارواح والممتلكات تحاول دولة اليهود تحاشيها. وقد اتبعت سوريا هذه الاستعدادات لحرب مفاجئة بتشكيل تكتل اقليمي في مواجهة التهديدات.
وظهرت بوادر هذا التكتل في الاجتماع الاول الذي عقد في دمشق بين الرئيسين بشار الاسد ومحمود احمدي نجاد وامين عام “حزب الله” السيد حسن نصرالله.
الاسبوع الماضي، عقد الاجتماع الثاني في انقرة بحضور الرئيس الاسد ورئيس وزراء تركيا رجب طيب اردوغان وامير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ورئيس الوزراء حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني.
وفي هذا الاسبوع قدمت روسيا دعمها السياسي والعسكري للتكتل الذي ضم سوريا وايران وتركيا تحت غطاء التعاون الاقتصادي. وكان ذلك كافيا لاعلان تطابق المواقف في القضايا الدولية والاقليمية، وخصوصا قضية فلسطين. وظهر هذا التطابق جليا في محادثات انقرة التي استنكرت استبعاد حركة “حماس” من عملية السلام.
وترى قيادات فلسطينية محايدة ان رئيس السلطة محمود عباس، يتعرض لضغوط اميركية متواصلة قد تدفعه للانسحاب من عملية المفاوضات غير المباشرة. والسبب ان الرئيس اوباما حضه في اتصال هاتفي، على بذل قصارى جهده لمنع اعمال التحريض على اسرائيل او الطعن بشرعية وجودها. ويخشى ابو مازن ان تكون المفاوضات التي تتم عبر المبعوث الاميركي جورج ميتشل مجرد مضيعة للوقت يوظفها نتنياهو من اجل استكمال مشروع تهويد القدس الشرقية وطرد آخر الصامدين من سكانها العرب. والدليل على ذلك ان وزير الخارجية افيغدور ليبرمان اعترف اثناء زيارته هذا الاسبوع لطوكيو، بأنه لا يوجد اي اتفاق مع واشنطن على وقف البناء في القدس الشرقية، علما بأن الوسيط الاميركي كان قد اقنع ابو مازن بضرورة استئناف المفاوضات، لأن اتفاقاً غير معلن مع اسرائيل يقضي بتجميد البناء في القدس الشرقية طوال هذه الفترة.
قبل انطلاق المفاوضات كتب يوسي بيلين، كبير المفاوضين في “اوسلو” يقول ان محمود عباس وضع برنامجه على الطاولة بعدما ضمنه الشروط التي اتفق عليها مع قادة السلطة ويتلخص في التالي:
أولا – الموافقة على ان تضم اسرائيل نحواً من اثنين في المئة من الكتل الاستيطانية الكبيرة مقابل التعويض بمساحة مماثلة تنقلها اسرائيل الى الدولة الفلسطينية.
ثانياً – القبول بأن تكون الاحياء الاسرائيلية في القدس الشرقية، زائدة الحي اليهودي وحائط المبكى، تحت سيادة اسرائيل، في حين تبقى الاحياء الفلسطينية وجبل الهيكل تحت سيادة فلسطين.
ثالثاً – مطالبة اسرائيل بقبول عودة مئة الف فلسطيني من لاجئي 1948 والتعويض على الآخرين.
رابعاً – من أجل ضمان أمن اسرائيل تكون الدولة الفلسطينية المزمع انشاؤها، مجردة من السلاح ما عدا السلاح الخفيف الخاص بالشرطة.
خامساً – الموافقة على قوة متعددة الجنسية بقيادة اميركية تنتشر بين حدود الدولتين.
على الجانب الآخر، حدد نتنياهو شروطه بالتالي:
أولا – ضرورة تأجيل البت بالتسوية الدائمة الى وقت يكون فيه الشعب الاسرائيلي مستعداً لها ومقتنعاً بها.
ثانياً – العمل على تأجيل البحث في القضايا الجوهرية كالحدود النهائية ومستقبل القدس ومبادلة الكتل الاستيطانية والسيطرة الامنية على المناطق التي ستنسحب منها اسرائيل ومصير غور الاردن.
الرئيس أوباما يحض جورج ميتشل على ضرورة اختصار المرحلة الاولى بشهرين بدلا من أربعة، بغرض منح المتفاوضين الفرصة الكافية للانتقال الى مرحلة المحادثات المباشرة، أي المحادثات التي رسمت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، معاييرها في ضوء مبادرة جنيف والمؤتمر الذي عقده زوجها مع ياسر عرفات وايهود باراك. وقد افتتح ميتشل الجلسة الاولى بالتذكير ان القرار 242 هو المرجعية الاساسية لاقامة تسوية دائمة.
الدول الاوروبية غير متفائلة بجدوى المفاوضات التي اقترحها الرئيس أوباما. وهي ميالة الى الأخذ بخطة رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض التي تقضي باعلان الدولة ولو من طرف واحد سنة 2011. وقد صاغها فياض كمخرج محتمل من الطريق المسدود في المسيرة السياسية. او انه على الاقل يستطيع تقديمها للوسيط الاميركي في حال اعلن ميتشل عن فشله في محادثات التقارب.
رئيس السلطة محمود عباس يعارض اعلان الدولة من دون التنسيق مع الادارة الاميركية والاتحاد الاوروبي والجامعة العربية. وحجته ان الدولة لن تصبح شرعية إلا اذا ساندتها القوى الكبرى وإلا اذا اعترفت بها جارتها اسرائيل. وهو يعطي أمثلة عدة على فشل هذا الخيار مثل الدولة التي أُعلنت سنة 1988.
يقول فياض ان اعلان الدولة من طرف واحد ليس الخيار الوحيد، على جدول الفلسطينيين. ذلك ان “حماس” ترى من جانبها ان الانتفاضة الثالثة كفيلة باخضاع اسرائيل الى شروط العدالة الدولية. خصوصاً انها قادرة على توحيد الصفوف المشرذمة، بدلا من انتظار الفرج من طريق اتفاق المعسكرين الممثلين بـ”حماس” و”فتح”. وعلى هذا التشرذم تعتمد حكومة نتنياهو في قبول التسوية الجزئية.
يتوقع رئيس الحكومة فياض ان يحظى باعتراف دولي واسع في حال اقام دولة فلسطينية على اسس اقتصادية – امنية قابلة للعيش. وغايته من كل ذلك خلق أمر واقع على الارض يضطر الاسرائيلي الى أخذه في الاعتبار اذا توافرت الحلول السياسية. ويرى معارضو هذا الطرح ان ميزان القوى يميل لمصلحة المحتل، وانه في استطاعته اعاقة بناء المؤسسات الادارية والاصلاحات الاقتصادية. والدليل ان السلطة الفلسطينية اقامت مؤسسات ناجحة بعد “أوسلو”، وأنشات جهازاً امنياً واسعاً أشرف ضباط اميركيون على تدريبه وتنظيمه. وتبرعت دول اوروبية وآسيوية بنفقات الاجهزة وتأسيس البنى التحتية في الضفة الغربية وغزة. وخلال 16 سنة استغلت اسرائيل عمليات المقاومة لتنسف كل مظاهر العمران داخل الاراضي المحتلة. وهذا معناه إعادة البناء من الصفر.
قيادة “حماس” لا تعطي المفاوضات غير المباشرة اكثر من شهرين على ابعد تقدير، قبل ان يعلن جورج ميتشل تجميدها بسبب عدم توقف موجة الاستيطان. ومن المؤكد ان محمود عباس سيطلب من امين عام الجامعة العربية عمرو موسى الدعوة الى اجتماع طارىء لاعلان استقالته من رئاسة السلطة الفلسطينية. وكان عباس قد اوقف محادثات السلام في كانون الاول 2008. وبرر موقفه في حينه بالقول إن أولمرت لم يعطه سوى الكلام المعسول، وان الضوء الاخضر الذي حصل عليه من الدول العربية والقيادات الفلسطينية، تحول ضوءاً أحمر ينذر بعواقب جمة بينها حرب لبنان صيف 2006 ومجزرة غزة. وكان بهذا التوصيف يشدد على أهمية استمرار المباحثات لملء الفراغ السياسي، لان البديل في حال التوقف، هو القتال.
لهذا السبب تبدو عملية “التخدير” السياسي التي اقترحها ميتشل لمدة أربعة أشهر، فاقدة “المفعول” الذي توقعه باراك اوباما. ومعنى هذا ان الرئيس الاميركي سيضطر الى اتخاذ موقف حاسم من اسرائيل قبل ان تشعل في هذا الصيف، حرباً نجح ميتشل في تأجيلها وليس في الغائها.
(كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن)
النهار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى