صفحات العالمما يحدث في لبنان

المحكمة الدولية تعطل تشكيل الحكومة … ووقفها ثمن إعادة الحياة إلى تفاهم «السين السين»

عباس ناصر
لمــاذا يرفــض الحريــري منــح فريــق الأقليــة وزارة الاتصــالات؟
في كل مرة يزور فيها رئيس الحكومة المكلف، القصر الرئاسي، يتم السؤال عما إذا قدّم الرئيس للرئيس تصوره للتشكيلة الحكومية. والسؤال هنا، أشبه بتساؤل عما اذا كان زعيم الاغلبية قد قرر القول «اللهم اني قد بلغت»، على ما يحمل هذا القول من تبعات سياسية، تنعى امكانية التوافق، وترفع القناع عن الهدوء الكاذب بين اهل السياسة.
ليس سرا ان جيب الرئيس المكلف لا يخلو من التشكيلة تلك، وهي على النحو الاتي:
وزراء الجنرال الخمسة بأربع حقائب هي ذاتها حقائب الحكومة المنتهية صلاحيتها، عدا الاتصالات التي يقترح ان تُستبدل بالتربية، ومن دون «الصهر» الراسب في الانتخابات. اما حصة الشيعة، فمتفق عليها مع اهلها، ولا خلاف هنا لا على الاسماء، ولا على الحقائب التي تبقى على حالها.
لكن موقفا كهذا وان مثل على مستوى الداخل، وجها من اوجه رفع الحريري للحرج، بإحراج الاخرين، الا ان آثاره على مستوى الخارج اشد وابقى. وهي بالمناسبة ليست آثارا جانبية، وانما مضاعفات مباشرة، اذ ان هذا الامر لن يُفهم، ولن يكون حقيقة، الا رسالة داخلية وخارجية بان الامور خرجت عن المضبوط، وانها باتت برسم التصعيد، الذي يعيد السياسة في لبنان الى حافة الهاوية.
على أية حال يبدو ان الرئيس المكلف قرر اتخاذ خطوات استباقية تحميه وتعزز موقفه ان اضطر للوصول الى هذه المرحلة، ومنها ترؤسه لاجتماع سوف يعقد يوم الاثنين المقبل لنواب الاكثرية. اجتماع لن يكون الا تأكيدا بان الاكثرية ما تزال على اكثريتها، وانها موحدة في حماية الرئيس المكلف، وفي حماية نفسها أولا وآخرا. وقد صار هذا الاجتماع ممكنا، عندما استعادت العلاقة بين الحريري وبين وليد جنبلاط، الحليف المؤذي احيانا، عافيتها، في الاجتماع الذي عُقد بينهما مؤخرا.
في ذلك الاجتماع انتهى الطرفان الى اتفاق ينص على الاتي:
إعادة شد عصب الاكثرية من جديد، بعد الاهتزازات التي اصابتها، جراء النيران الصديقة.
التوافق الكامل في الرؤية السياسية للمرحلة المقبلة.
الدعم السياسي الكامل لتشكيل الحكومة وفقا لوجهة رئيس الحكومة المكلف. (مع الابقاء على الهامش غير السياسي، لليساري القديم الجديد، في قضايا حياتية كالخصخصة وما شاكل. علما بان هذا الامر مرتبط بمرحلة ما بعد التشكيل، ورغم ذلك تم الاتفاق على تنظيم الاختلاف في ما خصها).
لا شك اذاً ان الرئيس المكلف استعاد، ويستعيد داخلياً، بعضاً مما خسره جراء يسارية وليد جنبلاط المستجدة. لكن هل هذا الامر سيجّير لصالح الاشتباك مع فريق الاقلية؟.
في اللقاء الاخير الذي جمع الحريري بمعاون الامين العام «لحزب الله» الحاج حسين الخليل، لم يتم الوصول الى ما يساعد في تشكيل الحكومة. فعقدة الوزير الراسب ووزارته ظلت قائمة. فالحريري يبدو انه حسم امره بان لا حكومة مع راسبين، وبلا استرجاع لحقيبة الاتصالات. بكل الاحوال هو طلب من «حزب الله» التدخل لدى الجنرال لحل الازمة، فرد الحزب بانه يتدخل دون ان يضغط على الحليف المسيحي، ما يعني ان الامور ظلت مكانها، على الاقل في مهمة الرئيس المكلف الذي لم يجد بعد من يُعينه على الجنرال وصهره. علما بان الحريري وعد، كما يقول المطلعون على ما دار في اللقاء، بان يطرح بشفافية بالغة كل الهواجس التي يطرحها عون، وتطرحها قوى الاقلية عموما، ومنها قضية نقل النفوس خلال الانتخابات، والتعيينات الادارية، والقضايا المرتبطة بالضباط.
المهم ان الامور داخليا ما تزال على تعقيدها. واما خارجيا فهي ازدادت تعقيدا، بعد الاصابات المباشرة التي مُني بها تفاهم سوريا ـ السعودية، لا سيما في تفجيرات بغداد وما رافقها من اتهام عراقي واضح لتورط سوري ما. فالتفجير أتبع بخطوة عراقية اعتراضية، تم فيها سحب سفير بغداد من دمشق، فردت دمشق بالمثل، وسحبت هي الاخرى سفيرها من بغداد، العاصمة التي عادت صندوقا للبريد المتفجر المستعجل. كما عادت مؤشرا مرة اخرى على ان ما كان يرسم للمنطقة قد خرجت تلاوينه عن المساحة المخصصة له، وان التفاهم السوري السعودي الذي لا زال في غيبوبته، قد يصاب اصابة قاتلة في اي لحظة جراء تعاظم التفجيرات السياسية والامنية في غير مكان، او ربما تكون التفجيرات الامنية والسياسية نفسها، اشبه بصدمة اعادة بث الحياة في ذلك التفاهم.
واذا كانت اوساط في الاقلية، تشير باستمرار الى ان الرئيس المكلف واكثريته المُعّطلة، ينتظران حدثا خارجيا، يقلب المعادلة في المنطقة ويشيران همسا وعلنا بان الحدث المرتقب قد يكون المحكمة الدولية، فان اوساطا في الاكثرية تشير هي الاخرى بان «تعطيل» الاقلية لتشكيل الحكومة مرتبط هو الاخر بأحداث خارجية، منها ملف ايران النووي، وابرزها المحكمة الدولية. اذ تقول اوساط متابعة عن قرب لما يجري، ان دمشق قد طلبت وقف المحكمة الدولية كثمن لاعادة الحياة لتفاهم «السين السين»، (وبالتالي حلحلة امر لبنان وغيره). وتشير هذه الاوساط الى الحيوية المفاجئة التي عادت الى حلفاء دمشق المحليين في مهاجمة المحكمة. انظروا الى ما قاله وئام وهاب، وناصر قنديل، تقول هذه الاوساط. انظروا الى ما قاله ايضا نائب رئيس المجلس السياسي في «حزب الله» محمود قماطي في هذا الخصوص، تضيف الاوساط. ثم انظروا الى المؤتمر الصحافي الذي سيعقده يوم غد اللواء جميل السيد تتابع الاوساط نفسها.
على ان الغريب هو ذاك الربط بين امر المحكمة، وبين وزارة الاتصالات. اذ تقول جهات في قوى الاكثرية ان تمسك قوى الاقلية بالاتصالات، دافعه امني، مرتبط بالمحكمة الدولية على نحوين:
الاول: امكانية عرقلة اي تحقيق لا تراه الاقلية موضوعيا من وجهة نظرها.
الثاني: الاستفادة من المعلومات التي تطلبها المحكمة الدولية من وزارة الاتصالات لجهة اتخاذ المناسب ازاءها. بمعنى اخر انه في حال طلب التحقيق الدولي معلومات عن شخص ما او جهة ما، فان هذا الطلب يساعد في فهم عمل المحكمة، وفي فهم من تتعقب، وبالتالي يمكن على اساسه إجراء المقتضى.
وإذ تهزأ قوى الاقلية من هذا الزعم، وتلك العبقرية المتوقدة كما تصفها لدى قوى الاكثرية، ترد تمسكها بالاتصالات الى امرين بسيطين:
– أولهما نجاح جبران باسيل في وزارته، ومحاولة سرقة ذلك النجاح.
– والثاني محاولة منع الاكثرية من الاستفادة من المعلومات التي تقدمها حركة الاتصالات عن بعض الشخصيات او الجهات بطريقة غير شرعية.
لكن ايا يكن وضع حقيبة الاتصالات، فان تقاطع الهمس بين الاكثرية والاقلية، لا يشي الا بحقيقة واحدة. ان المحكمة الدولية تبدو الحدث الاخطر والابرز المنتظر. قد ترفده احداث اخرى خطيرة، كملف ايران النووي او ملف خلية «حزب الله» في مصر، لكن ما هو موضوع للخلاف والاختلاف اليوم، هو المحكمة.
إنها اذاً، معركة حول المحكمة، اقليميا ومحليا. معركة قد تجعل من سياسة حافة الهاوية، هاوية بذاتها. اما الحكومة فلا يعدو كونها، والحال هذه، تفصيلا يؤشر على اتجاه الامور.
السفير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى