الرئيسية » صفحات البلد » صفحات الناس » المواقع الإباحية والشبكة المباحة

المواقع الإباحية والشبكة المباحة

null
شكري الريان
في حديث أجراه صحفي أمريكي معروف مع أحد مؤسسَِي محرك البحث العملاق (غوغل).. سُئل الأخير عن أكثر الموضوعات التي يجري البحث عنها من خلال محركه، فأجاب مُسلسِلاً المواضيع المطروقة بكثرة، واضعاً البحث عن المواقع الإباحية في المرتبة الأولى.
الموضوع لم يستوقف كثيراً الصحفي الذي أجرى الحوار لغاية مقال يتناول تطور صناعة المعلومات في عالمنا المعاصر، ولا أظن أنه كان سيعنيه كثيراً كون الأمر موجوداً ومباحاً، ربما على ناصية شارع المبنى الذي كان يكتب فيه مقالته، ولكن لو كان السائل صحفياً عربياً لربما حول مجرى الحديث كله في هذا الاتجاه.
لا أريد من خلال هذه المقالة القول إن تركيزنا على الجنس دليل تخلف عن غيرنا فالدلائل، والحمد لله، أكثر من أن تحصى، ولكن موضوع الإباحية والمواقع الإباحية والصناعة الإباحية، وكل ما يتعلق بهذا النوع من (البزنس) الذي بات الأكثر انتشاراً عبر الشبكة الدولية، هو أمر بات يفرض نفسه مؤخراً كاشفاً عن جوانب من “اللقاء” بين كل المجتمعات والثقافات المتنوعة المنتشرة فوق سطح هذا الكوكب الذي بات مؤخراً صغيراً جداً جداً.
فأن يتحول الأمر إلى مادة البحث رقم واحد على المحرك الأوسع انتشاراً في الأرض يجب أن يستوقفنا قليلاً لنفهم إن كانت هناك مجاعة جنسية تجتاح العالم، والأمر ليس كذلك بالطبع، ولكن أيضاً علينا أن نأخذ بعين الاعتبار مجموعة من النقاط الهامة إن كنا نريد أن نفهم السياق الذي تم فيه هذا النوع من “الثورة”…
فأولاً نحن نتحدث عن وسيلة تواصل فردية بالكامل. هل تتصورون أن شبكة الإنترنت موصولة عبر كيبل أو عبر جهاز التقاط لا سلكي وموضوعة ليشاهدها الجميع في غرفة الجلوس؟ طبعا لا.. حتى التلفزيون بات، من كثرة الأقنية الفضائية والأرضية التي تبث برامجها، موضوعاً لنزاع بين جميع أفراد العائلة لدرجة بات معها من الدارج ومنذ فترة طويلة أن يكون هناك أكثر من جهاز تلفزيون واحد في البيت الواحد، وهذا بعد أن كان أيام القناة الواحدة مناسَبة للقاء الجميع في أوقات محددة لمتابعة نفس البرامج والمسلسلات (الله يرحم هديك الأيام)، وبالتالي فقدت غرفة الجلوس سمتها بصفتها مكان اجتماع العائلة اليومي للقيام بنشاط مشترك، وانتقل مكان النشاط إلى غرف جانبية، وحتى إلى غرف النوم التي تحولت إلى مكان النشاط الرئيسي، ربما لمعظم شباب هذا الجيل. والشبكة دخلت بصفتها وسيلة استخدام فردية كاملة ولم تدّع يوماً أنها وسيلة للقاء جماعي إلا عبر مواقعها، بحيث يمكن للفرد أن يختار أقرانه وأصدقاءه ومحاوريه حسب ميوله هو وليس حسبما فرض عليه في وسط محيط لم يختره، وربما لم يعد يعجبه بعد أن كبر وبدأ بتحديد خياراته بنفسه. الشبكة باتت وسيلة للفكاك من الوسط هذا (الذي هو الوسط العائلي دائماً.. للأسف)، ومجال مفتوح بالمطلق لحرية اختيار الطرف، أو الأطرف الأخرى، لأي نوع من أنواع الحوارات والتبادل.
وثانياً، الشبكة لم تكن يوماً وسيلة للتلقي فقط، بل أيضاً وسيلة للإنتاج والرد والعرض، وللجميع.. إنها الوسيلة التفاعلية رقم واحد في العالم المعاصر.
وثالثاً، مع تطور تكنولوجيا الاتصالات مؤخراً وبطريقة باتت مدوِّخة للجميع، مضافاً إليها التطورات المدوِّخة الأخرى في باقي حقول التكنولوجيا الحديثة من الكترونيات وضوئيات وغيرها من الحقول المختلفة، وما يمكن أن تحدثه من تطور في وسائل التواصل والتصوير والإنتاج، لم تعد وسائل المشاركة عبر الشبكة تقتصر على الوسائل التقليدية بحيث يبقى المشارك من خارج المؤسسات المحترفة على الهامش، بل بات المشارك سواء كان هاوياً أو محترفاً في المتن تماماً. أكثر من نموذج وحالة شاهدناها دلت وبوضوح إلى أن موقع، (يو تيوب) مثلاً، بات حقل البحث الرئيسي عن المواهب الجديدة التي تبحث عنها الشركات المحترفة، والأمر الأشد إدهاشاً (ربما لفترة وجيزة فقط) سيكون أن هؤلاء الهواة لن يعودوا بحاجة إلى معونة المحترفين لإنتاج أعمال جديدة وستمدهم التكنولوجيا الجديدة بأدوات أكثر فعالية وأقل تكلفة لتنفيذها، ربما أفلام كاملة على حواسيب شخصية ستكون بدورها استوديوهات كاملة التجهيز بدون الحاجة إلى المحترفين، الذين سيجدون أنفسهم مضطرين ليس فقط لمواجهة أشكال المنافسة الجديدة والمتزايدة، بل وإعادة تعريف أنفسهم من جديد.
ضمن هذا السياق يمكن فهم ظاهرة تزايد انتشار المواقع الإباحية على الشبكة. إنه الموضوع الأكثر سهولة للتناول والأكثر جذباً للآخرين، لأسباب معروفة بالطبع. ويبقى السؤال كيف يمكن الخروج من أمر هو في حقيقته ورطة ربما لجيل بأكمله؟ وأنا هنا، أكرر، لا أتحدث عن شبابنا فقط، والحقيقة أنني سعيد جداً بذلك، فأخيراً هاهي مشكلة تخص الجميع ولا تخصنا وحدنا.
من المؤكد أن الحلول لا يمكن أن تتم من خلال الشبكة وحدها، أو من خلال ذم أو ردح أو تحويل مستهلكي مثل هذه النوعية من المواد، الإباحية يعني، إلى مدمني جنس. المصطلح الذي كثر ذكره مؤخراً وبالذات بعد فضيحة “المعتـّر” تايغز وودز.
فالمسألة لا يمكنها أن تكون إدماناً، وهي تتعامل مع غريزة باقية وستبقى ما دامت الحياة باقية. وتكبير الموضوع لن يساهم في حله، بالعكس قد يعطي مفعولاً عكسياً تماماً. الحل هو في اتباع استراتيجية تستند إلى إعادة الاعتبار لأشكال الحياة البشرية الأخرى بعيداً، ولو قليلاً، عن شاشات الكومبيوتر. وإن كان لابد من الحديث عن إدمان، فهو في حقيقته هنا وليس في جزئية واحدة من جزئياته، بمعنى أنه علينا أن نرى المسألة بشموليتها وليس من خلال زاوية واحدة فقط. ونحن أصبحنا أكثر التصاقاً بشاشات كومبيوتراتنا الشخصية أكثر من أي وقت مضى. ونحن، أقصد بها الآباء والأمهات، كثيرو التشكي والتفجع والتخوف على أولادهم من هذه الشبكة العجيبة، دون النظر إلى أننا نساهم في خلق المشكلة وليس في حلها عبر عزل أنفسنا عن محيطنا، حتى ولو كان بداعي العمل، وكأن أمر الفردية والعزلة عن المحيط العام مبرراً ومقبولاً مادام يتعلق بالعمل أو حتى توسيع الأفق الشخصي لصاحبه، ومذموماً إن كان يتعلق بالدخول إلى تلك المواقع، الإباحية يعني، وفي كلتا الحالتين نحن فعلياً نقوم، عبر التصاقنا بشاشاتنا وبشبكتنا، بعزل أنفسنا عن محيطنا وعن أشخاص ربما يكونون بأمس الحاجة إلينا في فترة لن تطول قبل أن يعثروا على ضالتهم وعبر نفس الوسيلة.
إذاً، وإن كان لابد من الحديث عن إدمان ما، فهذا هو شكل الإدمان الذي يجب أن يتم تناوله بصفته سبباً لمشاكل أخرى، لن تحل عبر اعتبارها سبباً وهي في حقيقتها نتيجة.

http://www.bostah.com/?option=content&view=article&id=1693&catid=7

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.