صفحات الحوار

إبراهيم أصلان: الكتابة سلاحى الوحيد لمقاومة المرض والخوف

null
حوار: دينا يسري – فوتوغرافيا: راندا شعث
يوشك الأديب إبراهيم أصلان على الانتهاء من مجموعته الجديدة “حجرتان وصالة”، التى تصدر قريبا، والتى يسميها “متوالية منزلية”، وهى شكل جديد من كتاباته بدأه بـ”خلوة الغلبان” و”حكايات من فضل الله عثمان”، و”شىء من هذا القبيل”.
حساسية أصلان المرهفة وولعه بالتفاصيل هما مدرسته فى الحياة، عبرتا عن نفسيهما فى مجموعته القصصية الأولى “بحيرة المساء” (1971)، ثم حوّل تجربة عمله فى التلغراف إلى مجموعة بديعة “وردية ليل” (1991)، وحكى علاقته التاريخية مع إمبابة، فى روايته “عصافير النيل” (1999)، التى يتم إعدادها سينمائيا فى فيلم من إخراج مجدى أحمد على، وكانت امبابة أيضا هى المكان البطل فى روايته الأولى ” مالك الحزين” التى تحولت إلى فيلم سينيمائى شهير هو “الكيت كات” الذى أخرجه داود عبد السيد.
عن الناس والأمكنة يدور هذا الحوار الحميم معه.
< كتابك الأخير “شىء من هذا القبيل” نصوص تراوح بين القصة القصيرة والمقالة، فهل تراه نوعا جديدا من الإبداع؟
ــ منذ نشرت “خلوة الغلبان”، طلبوا منى فى جريدة “الحياة” أن أساهم بالكتابة فيها، وطبعا أنا لست مفكرا، ومقالاتى درجة عاشرة.. “يضحك”، وعادة أحتفظ بتفاصيل لا تصلح كقصص وفق المعايير الفنية، لكن أعتقد أن النثر اليومى يعطى إمكانيات إنسانية وفنية وقيم شعرية عالية، لذا استعنت بهذه المشاهد واشتغلت عليها بأدوات فنية لأشكل صيغة توسّع مجال التعبير لنفسى ومجال إدراكى، ولا أرى أنى أكتب شيئا جديدا ولا قديما، أكتب شيئا يشبهنى الآن، أو فى لحظة الكتابة، أى مادة سواء واقعية أو متخيلة، إذا نجحتُ فى إكسابها قواماً بأدوات فنية وأعطيتها شخصية تكتسب قدرتها على التأثير، وربما على البقاء أيضا، وعندما فعلت هذا وجدت صدى إيجابيا جدا، وهذا حل بعض المشكلات فأصبحت أكتب أكثر.
< هل تخطط لكتاب جديد؟
ــ نعم.. إحدى قصصى الأخيرة فى “الأهرام” أحاول العمل عليها لتكون كتابا، وهى عن “اتنين عواجيز.. عواجيز جدا.. عاشوا مع بعض لمدة طويلة فى حجرتين وصالة ثم رحلت هى، وبقى هو وحيدا” وغالبا سيكون اسم الكتاب “حجرتان وصالة”.
< هل موضوع “حجرتان وصالة” يدور فى امبابة أيضا؟
ــ هى شقة معلقة، ممكن تكون فى أى مكان، وأنا فى هذا المشروع لا أنظر إلى الخارج كثيرا، الحيّز الذى تدور فيه التجربة هو “حجرتان وصالة”.
< كل أعمالك تقريبا تدور فى امبابة، من “بحيرة المساء” إلى “حكايات فضل عثمان”.. ذكريات على ضفاف النيل، وشخصيات، وأحداث، فما طبيعة علاقة الإبداع بالمكان فى تقديرك؟
ــ امبابة هى المكان الذى تكوّن فيه وعيى، وعرفت فيه أول الأصدقاء، وأول العواطف، وأول اللعب، وأول كل شىء، والمكان يكتسب قيمته بطبيعة الذاكرة المشتركة بينك وبينه، ولا يمكننى الكتابة دون الإحساس بجغرافية المكان وإن لم أذكره، فلو كتبت عن اثنين يقفان على ناصية، فلابد أن أعرف أين تقع؟، والمنطقة المحيطة بها كلها رغم عدم ذكرها، وأقيم النص من خلال البحث عن علاقات بين التفاصيل الصغيرة، فلو دخلت حجرة “ولقيت سرير عليه بنطلون بيجاما وفوطة فى الأرض وشباك موارب ودرجة ضوء ودولاب مفتوح شوية”، فيجب أن ألتقط العلاقة بين هذه الأشياء، تلك العلاقات التى صنعها صاحب المكان الغائب، وما دامت هناك علاقة بين التفاصيل فهناك إمكانية لحوار بينها، ففى أى مكان إذا ركزت جيدا ستلاحظين العلاقات الإنسانية لحدث ينمو ويعينك على إنشاء شىء، ولأنى أعتمد على هذه التفاصيل أحاول أن أحس بالمكان، بدلا من أن أظل فى الهواء الطلق أبحث عن الحيز.
< هل شكّل نيل امبابة هذا الحوار مع المكان؟
ــ أيامها كان ده مكان لعبنا، الطريق العام كان هادئا جدا، مفيش عربات كثيرة، وكان الشاطئ كله طمى، كأنك تلعبىن على شيكولاتة، طول الوقت الواحد عامل السنارة بتاعته وواقفين نصطاد البسارية.
< والبلطى تمسكوه بإيديكم؟!
ــ البلطى نمسكه بإيدينا أيام الفيضان، والبسارية كنا نصطادها بعجينة نزفرها بسمنة أو مش، وتبقى مثل حبة الأرز، نعملها فى سن السنارة وخيط حرير، والبسارية سمكة صغيرة جدا فيها 3 نقط سود، والراية سمكة صغيرة فضية لها ذيل أحمر. طول النهار، وقتك كله ضائع فى المية. وده علمنى حاجات كتير، أولا إنك تبقى صبور جدا، لغاية ما السنارة تغمز، تعلمك اللحظة المناسبة، السمكة ممكن تنط من السنارة، فيه لحظة ما مناسبة، تتخلق معك مع الوقت، لو شديت السنارة فيها هاتمسك السمكة، لو بعد منها هاتكون أكلت الطعم وتوكلت على الله. لكل حدث فى الدنيا لحظة أساسية، فى الكتابة أيضا هناك لحظة أساسية، هى التى اهتم بها ويتخلّق حولها كل شىء.
< كتبت فى استهلال “شىء من هذا القبيل”: “أنزع الآن عن امبابة ــ كما تنزع قطعة لحاء جافة، وإن كانت حية ــ عن جذعها الطرى، كما تلتصق بجذع آخر”. كيف تطورت علاقتك بامبابة بعد أن تركتها؟
ــ لم تنقطع العلاقة، مايزال إخوتى هناك، وما تزال الشقة القديمة موجودة، بالمكتبة. أنا فى المقطم منذ أربع سنين فقط وساكن سكن جديد، فاحتمالات رحيلى واردة، من أولى المفارقات التى عشتها، إنى كنت أعيش فى حى شعبى، والناس الموجودين قد يكونوا بوابين أو “بينضفوا فى البيوت”، أو “صنايعية”. لما رحت المقطم، المكان شيك، فتغيرت المتطلبات، مثلا واحدة “تيجى علشان تنضف الشقة”. هذا كان بالنسبة لى كائنا غريبا جدا: امرأة تأتى وتدخل المطبخ، تخلع ملابسها وتلبس ملابس العمل، تتناول الإفطار، تقوم بتوضيب الشقة، ثم تقعد تعمل تليفوناتها، وأنا أعطى لها نقودا. مسألة إنى أمد يدى فى جيبى لكى أعطى لأحد نقودا مسألة مستغربة بالنسبة إلى. علاقتى مع الناس كانت دائما علاقة متكافئة، وعشت عمرى كله عندى قدرة على إقامة علاقة مع مستويات مختلفة من الناس، وأصدقائى يتفاوتون ما بين “سائسى عربيات” وناس “مبسوطين بشدة”.
< قرأت فى مدونة “هكذا أنا” لشابة تحكى كيف انتقلت من الهرم إلى امبابة، تقول: “أنا أحب امبابة حيث الأطفال والنيل وأم فارس وحكايات إبراهيم أصلان”، وكأنك أصبحت، أنت وقصصك، جزءاً من مشهد امبابة. هل هذا يصادفك كثيرا؟
ــ جدا، وأحصل على إيميلات كثيرة، وهذا مدهش، من مصريين فى واشنطن ونيويورك، يقرأون ما أكتبه، ويقولون إنهم يشعرون بروح مصرية فى قصصى، تذكرهم بمصر. اتصل بى أحدهم يسألنى لماذا لا أكتب كل يوم، قلت له إنى أكتب كل أسبوع “بالعافية” (يضحك).
< كثيرا ما تقول إنك لا تكتب “عن تجربتك”، بل بـ”تجربتك”؟
ــ المادة المستبعدة تعطى غورا وعمقا للقليل الذى يُكتب، وتبقى موجودة كإحساس وراءه. كنت دائما أضرب مثالا ببعض الفنانين التشكيليين، فان جوخ مثلا. أختاره لأن تجربته الحياتية من أصعب التجارب، رجل عاش حياته دون أن يبيع لوحة واحدة، وقتل نفسه. بالرغم من هذا لا نجد هذه التجربة المأساوية متناولة فى لوحة واحدة بشكل مباشر. غرفته فى آرل، جوز حذاء، كرسى، حقول الشوفان، والناس اللى بتستريح، هى أعمال عظيمة لأن همومه الكبيرة تحوّلت إلى علاقات لونية وأصبحت أداة للتناول ليس موضوعا للتناول.
< أنت قلت مرة إنك تكتب “بالأستيكة” أكثر مما تكتب بالقلم، ولغتك تتميّز بالاقتصاد. كيف تكتب اليوم؟
ــ الكمبيوتر عاوننى كثيرا. من أكثر الأشياء التى أغرتنى فيه هى قدرته على الحذف. فى البداية، عندما وجدته أمامى كنت خائفا أن أمد يدى. وبالرغم من هذا، شعرت أن العلاقة بالكتابة ممكن تنميتها، ممكن تتغير لوسيط آخر. أنا كنت أكتب بالقلم الرصاص والأستيكة، ولكن من “عصافير النيل” وأنا أكتب على الكمبيوتر.
< روايتك الأشهر، “مالك الحزين” حوّلها داوود عبد السيد إلى فيلم “الكيت كات”. ما مدى إخلاص الفيلم لشخصيات وروح الرواية فى رأيك؟
ــ على وجه الإجمال الفيلم أعجبنى مثلما أعجب به آخرون. الشىء الوحيد الذى أزعجنى هو تغيير العلاقة ما بين “الشيخ حسنى” و”يوسف”. هو فى الرواية صديق وفى نفس الوقت رجل ضالع سياسيا وله نشاط، استبعدت هذه العلاقة كما أستبعد محور المظاهرات، بسبب المشكلات الرقابية. علاقتى بالسينما قوية. عندى شغف بالتعرّف على إمكانيات تعبيرية موجودة فى فنون مختلفة.
الوسيط الذى أعمل به هو اللغة. ذاكرتى فى الأساس بصرية، واللغة ليست هى الوسيط الأمثل لتقديم ما هو مرئى. إذا دخلنا الحجرة التى تكلمنا عنها، سأتنقل من السرير إلى الدولاب من جملة إلى أخرى، هذه الحجرة ككادر سينمائى تراها على بعضها، بالنسبة للغة فيه مشكلة لأنك تنتقل من جملة لأخرى، فتبعد عن تفاصيل هذه الجدارية. “خناقتى” مع الكتابة، إنى أسعى نقيضا لفعل القراءة، لا أريدك أن تشعر أنك تقرأ، أسعى إلى أن أجعلك ترى، وتسمع، وتشم.. أسعى إلى تحويل المشهد إلى مشهد مرئى، وهذه إمكانية لغوية صعبة جدا. ولإغناء الوسيط لابد من التعرف على إمكانيات تعبيرية أخرى.
فى السينما ليس فى هذا مشكلة، أنت تجد الإجابات، مشكلات فن من الفنون موجودة فى فنون أخرى. عندى ولع بمعرفة مشكلات تعبيرية عاشها فنانون كبار. العلاقة ما بين الأدب والسينما مشكلة قائمة، وليس هناك صيغة مثلى لحلها، إنما أنا أتصور أن الأحداث أحيانا ليست مهمة، ولكن تأثير هذا الحدث، قد تكون مشكلة بالنسبة للسينمائى، فعليه أن يبحث عن بدائل تحدث نفس تأثير النص الأدبى. فى هذه الحدود أنا راضٍ جدا عن الفيلم.. الحوار حوارى، باستثناء 5 أو 10٪، الشخصيات شخصياتى كلها، والروح هى روح الرواية. والذى أسعدنى أكثر هو أن عددا كبيرا من الناس انبسطوا من الفيلم.
< أنت قلت إن “الكتابة لحظة فرح حقيقية.”؟
ــ لحظة الكتابة هى معركة صعبة جدا، و”خناقة”، لكنى أشعر أن مع الوقت ومع اكتساب مهارات أكثر، أصبحت أشبه بلعبة فيها درجة من المراوغة، أنت تريد أن تمسك شيئا فى المخيلة، تحوله إلى شىء حى بقوام يتحول إلى عالم كامل رغم إنه شىء صغير. ومع التقدم فى السن أصبحت الكتابة سلاحى الوحيد فى مقاومة المرض والخوف.
< كيف تتجاوب مع الكتابات الجديدة؟
ــ أقرأ وانبسط جدا. من مميزاتى أنى لا أقرأ عبر تصورى الشخصى للكتابة. عندى إحساس، أو يقين، أن مجموعة منهم تتمتع بدرجة عالية من الحساسية. طبعا التجربة ستزداد مع الوقت على شرط أن يعيشوا أكثر وينتبهوا للأشياء حولهم. يمكننى أن أقول باطمئنان إن مستقبل الكتابة فى مصر جيد جدا، وهناك إضافات مهمة لرصيد الكتابة الجيدة.
< سنة 2000 نشرت رواية “وليمة لأعشاب البحر” للكاتب السورى حيدر حيدر فى سلسلة آفاق عربية التى ترأسها، وأسفرت عن أزمة شديدة. اليوم مازلت مسئولا عن السلسلة نفسها؟
ــ عدت إليها منذ حوالى عام، بعد أربع سنوات من الغياب، وبعد إصرار من أحمد مجاهد وأحمد نوار. استغربت إنهم “بيرجعوا رجل عنده سابقة ضخمة جدا” (يضحك)، أدركت أن النشر الرسمى فى حالة غير طيبة على الإطلاق، لأن بعد أزمة “الوليمة” أصبحت هناك مخاوف، مثلا لابد أن نأتى بتقريرين لكاتبين، وبعضهم يقرأ بحس رقابى.
قبل “الوليمة”، كنت اختار الكتاب وأقرر نشره. عندما أرى أن العمل يستحق النشر، أكتب أنا، وأوافق عليه، وأنا بشكل عام أرحب جدا بأى عمل جيد، أيا كانت صيغته. كما أن هناك أعمالا عربية كثيرة جيدة ليس فيها تجاوزات قد تكون مقلقة أحرص على نشرها، ومع إلحاحهم قبلت العودة.
جريدة الشروق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى