صفحات مختارةنصر حسن

القومية العربية بين فكر البعث وسلطته !.

(1 ) –  مدخل تمهيدي  نقدي ( الخطوط العامة لمفهوم القومية لدى البعث ).
د.نصر حسن
يتلخص مفهوم القومية لدى البعث بالعمل على بناء كيان سياسي واحد قائم على أساس الانتماء العربي , بقراءة أولية تعكس هذه المقاربة بعدا إيديولوجيا بشكل ما لإعادة تشكيل المستقبل العربي,ومن المعروف أن المد القومي شهد نشاطه القوي في الخمسينات من القرن الماضي ,وعبر عنه البعث بوضوح ولعب دورا كبيرا في حياة العرب اللاحقة ,الجدير ذكره أن البعث اتصف بتعدد الحركات والنظريات ضمن وعلى حواف النسق الفكري الذي اختطه منظره ميشيل عفلق أحد قادة الحركة القومية والبعث البارزين  في العصر الحديث, حيث أعطى فكرا قوميا عربيا إنسانيا جريئا ,وصاغه بدقة وعمق بليغين ,مثل ذلك بداية انطلاق الفكر القومي العربي السياسي الحديث , لاشك أن البعث على المستوى القومي كان أكثر جاذبية وغنى وإنسانية, ومثل أفقا جديدا في الوعي القومي العربي الحديث .
وواضح في التاريخ العربي المنظور تواتر استعمال كلمة القومية كثيرا في الخطاب السياسي العربي الحديث ,لكن البعث جددها في شكل الانتماء إلى أمة عربية ,متجاوزا الوطنية القطرية التي تعني الانتماء لجزء أي الوطنية أو القومية المحدودة , فالقومية لدى البعث تعني أمرين أساسيين,الأول هو التضامن العربي على المستوى القومي,والثاني هو تحقيق أحلام العرب في أمة واحدة وإعادة الدور الإنساني لها ,أي أنه ربط الوجود العربي بكينونة الأمة كمصير,مستندا على وحدة اللغة والثقافة والجغرافية كوقائع موضوعية ومحددات عامة للضمير العربي ,فالأمة عند البعث موجودة وتتجلى كحدث ملموس ,لكنه ميز بين الشكل والمحتوى,أي بين الأمة العربية الأبدية وبين النظرية القومية الوحدوية ,وحدد محتوى الأمة في الوحدة والحرية والاشتراكية كإطار تاريخي وأيضا القوى الشعبية الحاملة لتحقيق الأمة ,ضمن وعي واضح وعميق بتنوع المستقبل ,لاغيا كل ربط مسبق بين الهدف النهائي وبين تجلياته الحاضرة,أي أبعد ببراعة ثقل التاريخ وتناقضاته, خاصة على المستوى الشكلي الذي تعيشه الأمة ,فهي(الأمة) لديه تعبيرا عن إرادة جماعية آنية تمثل النهضة القومية الحديثة في أكثر مستوياتها ضرورة وحسما ,مركزا على ضرورة أن يتجسد العربي بوضوح في التاريخ ويندمج فيه, في سياق حيوي فاعل يعيد هيكلته البنيوية من جديد ,هنا يجب التأشير بأن هذا المشروع القومي نظريا هو كبير وطموح,إذ يؤسس لبناء الشخصية القومية العربية,ويعمل على مصالحة العرب مع التاريخ من جديد,ويمهد عمليا لإمكانية التجاوب الخلاق مع العصر,وبالتالي إدخال العرب من جديد إلى محور حركة الحضارة الإنسانية .
بعدا آخر جدير بالفحص والتحليل,هو كيفية الربط لدى البعث بين القومية العربية في واقعها الموضوعي وصورتها الذهنية التي هي الأمة, والعالمية الإنسانية أيضا,بالتركيز على مصير الأمة ومكانتها في المجموعة البشرية,لكن ليس على حساب غيرها من الأمم,فالأمة العربية في منظوره هي إطارا ملموسا ضمن صياغة عالمية مجردة( الإنسانية),وتكوين الأمة الواحدة هو بوابة دخول العالمية والإنسانية الحضارية,بخلاف ذلك  إن كل تصور آخر للأمة هو غامض يمثل تلاعب على الأمة والإنسانية في آن.
كيف تصور البعث الأمة العربية ؟هنا يكمن المفتاح النظري للفحص والتحليل والاستنتاج , لقد بنى البعث هذا التصور الضخم فكريا ووجدانيا على عملية مركبة عميقة جذرية, وصفها ميشيل عفلق بكلمة ذات دلالة لغوية شعورية كبيرة سماها (انقلاب ), أغرى هذا الوصف عساكر البعث بالوصول السريع إلى الحكم , وأدخل مدنييه في صراع داخلي مرير على هامش قوى العسكر والسلطة , لكن مؤسسها فهمه (الانقلاب ) على أنه التغيير الداخلي الروحي المادي العميق لدى العرب , بما يشبه ثورة وجدانية شاملة في التفكير والضمير القومي العربي الحديث , يتجاوز الفهم السطحي الإصلاحي السريع ,أو التطور البطيء , كما ويتناقض كاملا مع المفهوم الأوروبي الحديث للقومية , عكس ذلك ,القومية العربية مشروع قوة خيرة وبناء وحضارة وتفاعل إنساني لخدمة البشرية مستمدا ذلك من مخزون الأمة الحضاري الكبير , فالماضي يقول أن الأمة العربية لم تعرف طوال تاريخها سوى نمطين من الحياة ,هما الانقلاب أو الانحطاط , الثورة أو التراجع ,أي ليس هناك من حل وسط في تاريخ العرب , قنن ميشيل عفلق ذلك ببراعة نادرة ,وأقر بعقلانية ويسر وجوب الخضوع الإيجابي لعبقرية الأمة العربية التاريخية , بذلك ألغى أو تجاوز فرض صورة تطورية غريبة عن شخصيتها وتاريخها ومزاجها العام , مثبتا بجدارة ومنطق فكري متماسك أن الانقلاب الجذري هو الطريق الوحيدة لتحقيق ذات الأمة وكيانها ورسالتها , عبر حركة فاعلة داخلية تجتاح الأمة كلها في وعيها وشعورها وشخصيتها الحاضرة , وتعيد تشكيل الضمير الفردي والجماعي لها بشكل جديد , وتنقذها من  واقع عربي ممزق رث بائس  مرير .
فبديهي أن النظرة الموضوعية للواقع العربي , تقر أنه مضطرب متأخر رديء,بلا أفق وفاقد لأي مشروع استراتيجي نحو المستقبل , لكن نظرة البعث تلك كانت في بعض جوانبها غير دقيقة وغير واقعية , وتنبئية في بعض جوانبها الأخرى, لأنها انطلقت كليا من تصورات تتجاوز الأطر السياسية الحالية ,وتقفز إلى معالجة قضايا الأمة قبل معالجة قضايا الدولة القطرية ,ورأينا لاحقا في التطبيق العملي عند استلام البعث السلطة ,كيف فعل خلاف ذلك وحصل العكس تماما , فالطليعة الثورية الموكل لها قيادة عملية الانقلاب العميق في حياة الأمة ,أصبحت هي المعيق , وارتدت بسرعة وتراجعت أو انحدرت الفكرة القومية إلى القطرية والدولة المحدودة ومن ثم الطائفية والفردية والديكتاتورية وطغيان العنف الفظيع ,وغاصت في السلطة القطرية وانحرفت عن المبادئ الأساسية التي بشر فيها البعث , ودخلت وأدخلته معها في مرحلة الصراعات والانكسارات والهزائم والطغيان والعصبية القومية التي حذر منها البعث مرارا وتكرارا ,وباتت القطرية هي المسيطرة بشكل وفعل هما نقيض القومية ,وتحررت عمليا ( القطرية) عن تحمل ميراث التاريخ العربي الروحي الحضاري الذي أسس له البعث قبل استلام السلطة , فهيكلت نفسها على خطاب لفظي غوغائي هدفه ملكية السلطة ,وأسلوبه العنف والقمع ,ونتائجه الفشل الوطني والقومي الشاملين .
عمليا إن الدولة القطرية عاجزة عن تحقيق عملية التغيير العميق في الذهنية العربية , وبالتالي عن القيام بدور ما مفيد في عملية توحيد الأمة والنهوض الحضاري لها , فالوحدة هي مشروع عمل مدني سياسي منظم متسلسل وليست ثمرة علاقات أنظمة سلطة غير شرعية ومرور الزمن وهبة الظروف كما تقول عقلية التجزئة , وأن السلطة القائمة على تقوية النزعة القطرية هي معاكسة تماما لفكر البعث ومضادة له ,بل تمثل عنفا مفروضا على الفكرة القومية نفسها , ترجمته العملية هو كم العنف الكبير الذي لقيه مؤسس البعث ومفكريه وكوادره الأوائل , فالوحدة هي مشروع قومي مؤسسي ضخم لا يمكن أن ينمو سوى بالنضال وشيوع الذهنية القومية الثورية الديمقراطية بما هما جوهر كل تحول عميق في تاريخ الأمة , لقد ربط البعث بحق بين النضال من أجل التحرر والتقدم, والنضال من أجل الوحدة العربية والعدالة الاجتماعية , لكن تجاربه القطرية في السلطة شطبت كل ذلك وافترقت عنه وسارت فيه عكس اتجاه سيره الافتراضي .
من جهة أخرى ,هناك إشارات جلية  في فكر البعث حول مفاهيم الحرية والاشتراكية والنظرة الحيوية إلى الإسلام ,يتبين منها أنه أفسح مكانا لإنسانية حسية,تتحقق في الأمة عبر علاقة جدلية بين الماضي والمستقبل وبين الحرية والاشتراكية ,لا تستلب الفرد ولا تلجم طموحه المشروع , وركز على أن الاشتراكية العربية لها خصوصية ,مصدرها المباشر هو تاريخ الأمة العربية وعبقريتها المتجددة , مواجها بذلك  طرحين فكريين خارجيين ,الأول تمثل بمجاراة الخارج في النظر إلى مفهوم الاشتراكية والعدالة (ليبرالية), والثاني ,الطرح الماركسي العربي الذي يدور كليا حول محور خارجي ( الشيوعية) , ولا يرى الواقع العربي بمحدداته وعلاقاته الداخلية ,مطعما ( البعث ) مفهوم القومية العربية بالعدالة والاشتراكية , رابطا إياها بمصير غلبة الشعوب العربية الفقيرة , حيث إرادة الخير للأمة تتكثف في إرادة مصلحة وتقدم الأغلبية الاجتماعية التي تتركب منها الأمة العربية , وهي الطبقات الشعبية الفقيرة , أي أعطى القومية العربية بعدا اجتماعيا , لكن بكل أسف حولته القطرية إلى بعدا طائفيا .
(2) – الفكرة القومية البعثية بين النظرية والتطبيق .
والحال بما هو عليه , يمكن القول أن  حلم البعث في الوحدة العربية والعدالة والنهضة ومجاراة التاريخ ,قد تعثر وتقهقر وتعرض لانكسارات عديدة نقرؤها في واقع سلطته اليوم في سورية , فلم يعد البعث في المنظور الشعبي العربي العام يمثل أو يجسم حلم المستقبل كما بشر فيه قبل أكثر من نصف قرن مضى , هذا المعطى لابد من التوقف النقدي الطويل الجريء عنده , ورصد دقيق منهجي عقلاني للمسافة بين النظرية والتطبيق , فتجارب البعث في السلطة برهنت بما لا جدال فيه  ,أن هناك نقصا ما أو قصورا ما في الجوانب النظرية والتطبيقية في آن , لن ندخل في لغة الحماس أو الاستنقاص ,بقدر ما يتوجب فحص الأسس أي منطلقاته الفكرية, لمحاولة فهم الكيفية التي طرح فيها البعث قضية القومية العربية الوحدوية ,ولماذا تغلبت القطرية وافترقت عنه وتعثرت  مسيرته القومية ,وإلى أين وصلت اليوم ؟!.
تلك هي الخطوط العامة لفكر البعث باختصار وتركيز شديدين ,وقد قيل بخصوصه وخصوص مفكريه سلبا وإيجابا الكثير , لكن هذا الكثير في مجمله يمثل كلمة (حق ) يراد فيها باطل , وتم تغييب متعمد لحق فكر البعث , وخلط غير نزيه بينه وبين باطل سلطته  في سورية , بمعنى لم يشهد البعث لا من الداخل ولا من الخارج عملية تقييم ونقد منهجية علمية نزيهة محايدة تحمل أفقا فكريا سياسيا واضحا للتقييم والتصحيح ,واختلطت الأمور في صراعات وانشقاقات وكوارث داخلية متمركزة حول السلطة في معظمها ,وأعاصير إقليمية خارجية عصفت بالشرق العربي ولا تزال , بتكثيف الأمر في مشهدية الواقع العربي اليوم التي هي أبعد ما تكون عن فكر البعث بل متناقضه كليا معه,الأمر الذي يفرض العودة النقدية إلى البعث التاريخي الأصيل وإلى سلطته الهجينة ,التي طغت عليه إلى حد العدمية ,وشوهت الفكرة ومضمونها وسارت بالشعب العربي عكس هدف البعث وسير التاريخ في آن , جدير بالذكر أن أهم صفة حاول أعداء البعث من مختلف الاتجاهات نعته فيها ,هي العصبية والشوفينية وأحيانا النازية ! إذ في المنظور السياسي العربي العام ,نلاحظ غلبة التطابق المتعمد أو القاصر بين فكر البعث وسلطته !نرجع لفكر البعث مرة أخرى نستنطقه فلا نعثر على أي صلة أو إيحاء أو استبطان ما يثبت صلة أو تشبه الفكر القومي العربي بيقظة العصبية القومية ,فالقومية لدى البعث هي حب وتسامح ورسالة إنسانية , وأكثر من ذلك ,البعث من الناحية الفكرية التحليلية للواقع العربي يكاد يكون متسقا ودقيقا وصائبا وجديدا على واقع عربي مجزأ متخلف بشكل كبير , فهو لا تنقصه المنهجية العلمية ولا شحنة الحماس الوطني والقومي المطلوبة في أي عمل تاريخي ,ولو أنه كان قياسيا  في فهم الأمة والتاريخ واليقظة القومية ,هنا يمكن تأشير قدر من المثالية ربما تجاري الأحلام في بعض أطوارها .
على الجانب الآخر ,رغم أن البعث زمنيا في فكره العام ينتسب إلى مرحلة المد العصبي الشامل للقومية العربية الذي أنتجه الاحتلال والاستعمار ,إلا أن نظامه النظري ونشاطه التنظيمي ينفصل عن ذلك ,ويسمو على المستوى النظري فوق كافة تلك التجليات أو ردود الأفعال المرحلية التي فرضتها ظروف العرب آنذاك , وقد نجح نظريا في تأسيس صلة بين الوحدة العربية والطموح الإصلاحي النهضوي العام , تلك الثنائية نراها بوضوح في الفهم المزدوج لفكر البعث بالذات , التي تعني امتدادا حيا للماضي ,بقدر ما تعني التحريض على الاندفاع الحضاري من جديد , لقد اكتسب مفهوم البعث بفكره القومي الطموح وبدلالاته اللغوية المحفزة على الثورة الداخلية بعدا تاريخيا ,فالأمة لن تتكون إن لم ترافقها إرادة يقظة أو انبعاث جديد , خلافا لذلك لن تتجسد تلك الإرادة ما لم تتحقق الأمة في التاريخ , هذا ما جعل البعث متفوقا فكريا في حركة القومية العربية الحديثة .
لكن ما حصل على مستوى التطبيق ,يوحي أن البناء النظري للبعث اصطدم بعقبات أساسية , تعكس ضعفا بنيويا من حيث المحتوى , فلا جدال أن توحيد المصير العربي لا يمكن أن يتم بدون تكامل الجهود والتعبئة الكاملة للطاقات المطلوبة للانبعاث التي هي اليوم مشتتة ومتعارضة , لذا في الواقع والممارسة عطل هذا الربط المفتاحي بين الضرورتين ,إمكانية بناء الوحدة العربية وتحقيق المستقبل العربي ,موضوعيا كان الأجدر من ذلك ,أن تكون الأولوية في البدء من الواقع باتجاه تحقيق الحلم ,وليس العكس من الحلم إلى الواقع , بمعنى أن تكون الأولوية لبناء ذهنية الوحدة وتنمية موقفها وتعزيز إرادة التطور الداخلي في الإطار السياسي الموجود وتنمية موازين قواها المادية ,إذ ليس حكما أو فرضا طرح التوحيد كشرط مسبق وتأخير جهود الإصلاح العميق إلى حين تحقيق الوحدة في منهج البعث ,هذا هو أحد مظاهر عدم التماسك النظري في فكر البعث ,كان يمكن أن يتم البدء في بناء النموذج القطري القيمي للتطور الحقيقي للبعث , ومن ثم يتم تعميمه على بقية الأقطار العربية سلميا تفاعليا بمفعول القدوة المغرية في تقليده أو إتباعه أو الاندماج الحقيقي معه , كانت نظرة البعث في الحقيقة رهان على حصان السلطة الخاسر الذي أعطى أسوأ تجربة للعمل القومي وأوضح مثال للفشل والعنف وأدنى مستوى للتطور وسوء العلاقة القومية وقلة الضمير والأخلاق على مستوى بنيته التنظيمية السلطوية , هنا نرى أن اختزال البعث عملية النهضة في بوابة وحيدة هي الوحدة ,لم يتم التفكير والتنظير له بالشكل المؤسسي المطلوب ,ورأينا أن العملية كانت أجدى لو تم التنظير العكسي القائم على تكبير مؤسسي متدرج لدور القطر وصولا إلى الوحدة الكاملة , وهذا عمل ميداني مؤسسي وليس تنظيرا وحسب ,هذا الضعف يجب أن يتم صياغته من جديد من قبل البعث وعموم حركة القومية العربية , وتلك خطوة مفتاحية تأخرت كثيرا !.
الأمر الآخر هو مفهوم الأمة العربية لدى البعث,مرة أخرى غلب التنظير على الواقع,ولسوء الحظ أنه لم تسمح تجارب البعث في السلطة من القيام بعملية الترميم الفكرية المطلوبة,مفهوم أن البعث قدم الأمة العربية كمعطى جاهز يجب التعبير عنه سياسيا وتحقيق تجسده سريعا في التاريخ,في حين أن الأمة العربية موضوعيا ليست معطى أو أمرا واقعيا,فهي غير موجودة ككيان اليوم وأكثر من ذلك لم تكن موجودة في الماضي القريب,وعليه ليس من الدقة والأمانة الفكرية تبنيها كواقع لا يقبل النقاش,لاشك أن الشعب العربي كان موجودا عبر التاريخ وقبل الإسلام,وكان يتطور في هياكل موحدة من اللغة والثقافة والدين والأخلاق,لكن بصورة ذاتية دون هياكل سياسية وإدارية محددة,ولابد من ذكر بجلاء شديد أن الإسلام هو الذي جسم ونمى شعور الوحدة لدى العرب,مع أن المجتمع العربي في ذلك الحين لم يكن خاضعا للمبدأ القومي في أسس التحامه ووحدته العامة,هنا نلمح بالجملة تحليل غير صحيح للظاهرة القومية بصفتها مركبا مختلف المستويات تترابط فيما بينها بعلاقات جدلية تاريخية .
وواقعا في تجربة الحكم اثبت البعث أنه فقيرا جدا في نظرية الدولة وإدارتها ولا نقول السلطة وعنفها , وهذا النقص نعتقد أنه نتاج  مقدمته النظرية الإطلاقية لمفهوم الأمة , بهذا الشكل يكون تقديم معطى الأمة العربية وفق فرضية منطقها القومي البعثي تلك , هي مفروضة بدون توفر شروطها الموضوعية ,أو بشكل أدق تمثل بشكل ما عنفا إراديا على الواقع , وهو عنف بالمحصلة ظهر واضحا في سلطته الفعلية , أي انعكاسها العملي عنفا مخيفا على مستوى سلطته وحكمه , ففي منظوره  يجب أن تنتج الدولة الأمة وتبنيها ,لكنها عمليا فشلت في ذلك ,لذا كان من الأجدر تدقيق النظر أو تحليل إمكانات الدولة القطرية وتطورها في بعد وحدوي قابل للتحقيق الملموس , أي يجب ربط نظرية الدولة القطرية في الفكر القومي الوحدوي العملي ,واتباع الطريق الأقدر المؤدية إليه , عمليا لم يفعل أو يطرح البعث شيئا يذكر في هذا السياق , وكل ما برع فيه هو السطو على أجهزة الدولة الموجودة سابقا ( التأميم ) ,واكتفى بتدشين خطاب لفظي شديد وللحقيقة فقد استبسل في ذلك , على أن غياب التحليل العلمي الدقيق لدور الدولة القطرية وتعبيرها الفعلي عن حقائق قائمة وتمثيلها لمرحلة تاريخية معينة يمكن تطويرها باتجاه البناء القومي العربي العام , هذا ما ابتعدت عنه سلطة البعث بقوة وتعمد وسوء نية ’وعوضته بخطاب لفظي غوغائي من العيار الثقيل , لكن من نافل القول أن استجداء اللغة أو النداء العاطفي للوحدة المقدسة هو الذي سوف يحققها ويلغي الدولة القطرية !, هذا بالإضافة إلى ضعفا واضحا في التحليلات الاجتماعية والتركيز على رفع الشعارات الجيوسياسية  , نعتقد أن تلك هي أهم النواقص في المنطلقات النظرية للبعث.
أخيرا يجب إنصاف البعث بالإقرار أنه كان موقظا للضمير العربي ومربكا له في آن , بمعنى طغيان منطقه القومي الشكلي شديد التجريد والصرامة , لقد فات مفكريه أن الشعارات الوحدوية المجلجلة لا يمكن وحدها أن تحقق وحدة الأمة العربية ومستقبلها , وأيضا فاتهم مد جسور التفاعل الفعلية مع الحركات العربية العلمانية الأخرى ,ومع الطبقة المفكرة المتنورة المستقلة أو التي من اتجاهات فكرية مختلفة وتتردد بالانخراط في إيديولوجيا قومية بحته دون ربطها بوضوح بأفق إنساني ,لاسيما في مرحلة تتفاعل كل عواملها باتجاه إنساني كوني , لذا من الضرورة  ربط الفكر القومي العربي بالفكر العالمي الإنساني بوضوح, وبالرغم من كل ذلك , يمكن القول بدون تردد ,أن البعث حدد داخل حركة القومية العربية الحديثة نظرية متماسكة فكريا بدرجة ما , ورغم كل الإخفاقات نعتقد موضوعيا أنها لم تستنفذ كامل طاقتها بعد , وقادرة من جديد لكن بأدوات جديدة وفهم عملي جديد على المساهمة الجدية في رسم المستقبل العربي الحديث .
أهي دعوة صريحة للدوران إلى الوراء والمراوحة فيه ؟! أو القفز الفراغي عن واقع سلطة البعث ونتائجها الخطيرة على العالم العربي ؟! أو رغبة تبيض صفحات ماضية وحالية لسلطته رغم صعوبة ذلك أخلاقيا وفكريا وواقعيا؟! أو محاولة الهروب اليائس من واقع بائس مرير تعيشه حركة القومية العربية ؟! أم هو نداء الضرورة الصريح إلى مواجهة الحقيقة بعد تأخر وتعثر وخوف وانتظار مركبة ومربكة في آن ,والبدء بعملية نقد شاملة منهجية فكرية عقلانية ذاتية وموضوعية جريئة ل(تجربة البعث المرة ) التي خلفت مرارات وويلات في سورية والعالم العربي ؟! .
خاص – صفحات سورية –

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى