جورج كتنصفحات العالم

الفتنة، من أيقظها ؟

جورج كتن
ادعت السلطات المصرية أن إطلاق النار على المصلين أمام أحد الكنائس في نجع حمادي هو حادث معزول وليس طائفي!! كما روج آخرون أنه انتقام من اغتصاب فتاة مسلمة في نوفمبر الماضي رغم أن الانتقام جرى بعد الحادث مباشرة إذ اندلع الشغب في نجع حمادي خمسة أيام متوالية أحرقت فيها ممتلكات للمسيحيين في المنطقة. كما أن الحادث الأخير أطلق سلسلة من أعمال الشغب وحرق الممتلكات من قبل الطرفين.
الحادث الأخير عمل مخطط له ارتكب عمداً لإرهاب الاقباط. وهو ليس الاول من نوعه إذ تعرضوا خلال السنوات الماضية للعديد من تعديات المتطرفين الإسلاميين، فيما السلطة المصرية تصر كل مرة على أن ما يحدث هو أعمال جنائية تواجهها بحلول أمنية، مثل نشر البوليس بشكل مكثف وإجراء اعتقالات أو منع التجول وغيرها.. وهي بذلك تدفن رأسها في الرمال لا تريد أن ترى حقيقة المسألة وجذورها في أن الأقباط، أكبر تجمع مسيحي في الشرق الأوسط، ويشكلون 10% من السكان،     7 إلى 8 مليون عدا 1.5 مليون قبطي مهاجر لشتى أنحاء العالم، يعانون من تمييز على خلفية انتمائهم الديني حيث يعاملون كمواطنين من الدرجة الثانية.
التمييز يجري في كافة المجالات ومنها حق بناء دور العبادة أو ترميم القائم منها، والتمثيل في المجالس المنتخبة والنقابات، وفي مجال التوظيف والإعارات والترقيات والإعلام والبث الفضائي، وحتى في المجال الامني حيث الجرائم المرتكبة بحقهم لا تلقى اهتماماً كافياً من الاجهزة الرسمية التي تضم بعض المسؤولين المتعاطفين مع الحركة الأصولية أو يخشون مواجهتها، والتاريخ القبطي القديم -600 عام- لا يدرس بشكل كاف في المدارس. وحتى في الاحوال الشخصية فالزواج بين المسيحي والمسلمة محرم فيما العكس ممكن، كما يكفر ويهدر دم من يغير دينه منتقلاً إلى المسيحية. والمسيحيون ممنوعون من التبشير السلمي بدينهم بعكس الدين السائد، رغم أن الدعوة لجميع الاديان وحرية الانتقال من دين لآخر والزواج المختلط، حقوق كفلها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تتبناه السلطة المصرياً رسمياً.
مصر مثل معظم الدول في الشرق الاوسط دولة دينها ودين رئيسها الإسلام حسب الدستور، وليست دولة لكل مواطنيها على اختلاف دياناتهم ومذاهبهم وقومياتهم، سلطاتها فقدت دورها منذ زمن كطرف محايد يعمل لصالح جميع مواطنيها بشكل متساوٍ. وتفضل اتهام من يطالبون بوقف التمييز الديني بأنهم يتحركون وفق “مخططات أجنبية” لإحداث فتنة طائفية في البلاد.
لا يمكن إرجاع الفتنة الطائفية في مصر لأحداث فردية عشوائية أو تدخلات خارجية، بل يجب تحديد موقظها الحقيقي إذ هي نتاج ما سمي ب”الصحوة الإسلامية” في المنطقة عموماً التي أفرزت الإرهاب السلفي التكفيري الذي كفر العالم كله: “فسطاط” الغرب، مسيحيي المنطقة، المسلمين من المذاهب الاخرى –الروافض-، ومعظم السنة الذين ينددون بالتطرف. وقد اعتمدوا القتل العشوائي في أي مكان بالعالم كوسيلة أفضل لنصرة الدين القويم كما يأولونه.
لا يمكن لمنظمات الإسلام السياسي المسمى معتدلاً أن تنفض يديها مما يجري، فهي مسؤولة ولو فكرياً عن أجواء التطرف الديني السائدة، كما أن معظم الإرهابيين الاصوليين تخرجوا من صفوفها، وهي لم تفعل شيئاً لمواجهتهم كخطر داهم على المجتمع المحلي والعالمي وحتى على صورة الإسلام نفسه كدين متسامح. بالعكس فإنهم يصبون الزيت على النار إذ يفتون مثلاً بحرمة تهنئة المسيحيين بأعيادهم!!، وكان المرشد الإخواني السابق في مصر قد طلب تدفيعهم الجزية صاغرين ومنعهم من الخدمة في الجيش خوفاً من انتقالهم لصفوف العدو!! ورأى أن أي مسلم أفغاني أو باكستاني أو ماليزي.. أفضل من أي قبطي مصري كرئيس لجمهورية مصر!!
أقباط مصر ومسيحيي المشرق إلى جانب غالبية مجتمعات المنطقة بأديانها وقومياتها المختلفة وقعت بين سندان الانظمة الإستبدادية المدعية للعلمانية ومطرقة “الصحوة الإسلامية” ورأس حربتها مسلحي المنظمات الأصولية التي أعلنت “الجهاد المقدس” لنشر الحكم الديني بالعنف. ف”الأسلام هو الحل” شعار الحركة الإخوانية وشعار الإرهاب الاصولي، البديل المطروح للأنظمة الاستبدادية السائدة، لن يؤدي إلا لأنظمة مستبدة أخرى تستغل الدين والنصوص المقدسة لتبرير حكمها المطلق، كما يحدث حالياً من خلال السلطة الدينية في إيران التي نصبت فقيهاً كحاكم مطلق بديلاً لنظام الشاه الديكتاتوري.
الطرفان في تنافسهما على السلطة في مصر وغيرها من دول المشرق جعلوا من المواطنين ضحاياهم ورهائنهم وأهداف هيمنتهم، حيث السلطة تنافس الحركة الإخوانية على “أسلمة” المجتمع، والحركة الاصولية تدعي أن السلطة الراهنة كافرة ويجب إزالتها وأقامة حكم الإسلام الصحيح الذي يدعون تمثيله. وبين الطرفين يتعثر المسار الحقيقي لحل أزمات مجتمعات  الشرق حيث “المواطنة المتساوية هي الحل”، و”حقوق الإنسان حسب الإعلان العالمي هي الحل”، و”العلمانية هي الحل”، التي تعيد الدين إلى مجاله الحقيقي كعلاقة فردية بين الإنسان وربه.
هل تسير مصر على طريق بناء دولة حديثة ذات دستور ديمقراطي علماني وسلطة منتخبة لا يتم توريثها بل تداولها تعمل لصالح جميع مواطنيها بلا تمييز، أم تتحول إلى دولة طالبانية؟
– كانون ثاني 2010
خاص – صفحات سورية –

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى