برهان غليونصفحات العالم

المؤتمرات كبديل عن السياسة

د. برهان غليون
شهدت العديد من الدول والمدن العربية منذ منتصف هذا الشهر اجتماعات وندوات مختلفة حول القدس. وآخر هذه الاجتماعات ذاك الذي عقده البرلمان العربي يوم السبت 26 ديسمبر في مقر الجامعة العربية في القاهرة. وعلى العموم، تتصدر جدول أعمال معظم هذه الاجتماعات إن لم يكن كلها أبحاث وكلمات عن المخاطر التي يتعرض لها المسجد الأقصى، وعن الحركة الاستيطانية اليهودية في المدينة المقدسة، وما تعنيه من مصادرة الأراضي، وهدم بيوت المقدسيين، وتنكيل بهم لدفعهم إلى الخروج من بلادهم. ولا تخلو هذه المؤتمرات من فقرة تبحث في السبل القانونية والإجراءات الضرورية لمواجهة محاولات إسرائيل طمس الطابع العربي للمدينة تكريسا لقرار ضمها وجعلها عاصمة أبدية لاسرائيل، وبالمناسبة ذاتها قطع الطريق على أي أمل فلسطيني في الحصول على موطئ قدم سياسي فيها، وبالتالي إجهاض مشروع قيام دولة فلسطينية.
وقد أتيحت لي المشاركة في كثير من هذه الاجتماعات التي يحشد لها في الغالب مئات الأفراد من مختلف المشارب والملل والاختصاصات. وللأسف يكاد المرء يشعر في معظم هذه المؤتمرات أن حرص منظميها على التذكير بما قدموه للقدس من خدمات يكاد يخفي قضية القدس نفسها أو يجعل منها قضية ثانوية. أما بقية المدعوين من الاختصاصيين والسياسيين وغيرهم فغالبا ما يتحولون إلى شهود يشكل وجودهم شرطا لا غنى عنه لإضفاء طابع المشروعية على المؤتمر وموضوعه الحقيقي معا. وليس المقصود من الشهادة هنا إعلان الموافقة والقبول. بل إن هؤلاء هم الذين يقدمون المساهمة الأساسية، العلمية والقانونية والسياسية الجدية، التي من دونها لا يمكن ضمان نجاح أي اجتماع أو مؤتمر. إنما يبقى هذا الخطاب الجدي والعملي أحيانا هامشيا بالمقارنة مع خطاب سرد الإنجازات وتعداد الأقوال والأفعال الذي يملأ فاتحة الاجتماع أو المؤتمر وخاتمته. فهو المتن وما يضيفه العلماء والخبراء والمتعاطفون مع القدس وفلسطين هو الهامش.
وقد أصبحت هذه المؤتمرات تقنيات موصوفة ومضمونة النتائج لتجنب طرح المسائل السياسية الرئيسية، ومواجهة حقيقة غياب خطط عملية، ليس في موضوع القدس فحسب، ولكن في جميع المشكلات المصيرية التي تعاني منها شعوبنا الضعيفة, وهي تقدم مناسبات دورية للتنفيس عن النقمة المتزايدة والشعور بالقهر والاحتقان عند شعوب ضائعة ويائسة معا. ولا يمكن لأي مشارك، مهما كان وعيه بأهدافها وآلية اشتغالها أن يتغلب على منطقها هذا. فهو إما أن ينسجم مع منطقها ويساهم بدوره في إنجاحها، حتى عندما يكون موقفه نقديا منها، أو يظهر متوترا بل موتورا ومتطرفا، غير قادر على التعاون مع الآخرين والتكيف مع المعطيات الواقعية.
والواقع، تتعايش في جميع هذه المؤتمرات خطابات ثلاثة وتتنافس، من دون أن تتصادم أو يصطدم أحدها بالآخر، كما لو كان هناك تواطؤ ضمني في ما بينها. فكما أن من مصلحة أصحاب خطاب الاحتفاء بالإنجازات والخدمات أن يضعوا الخطاب هذا في إطار خطاب الخبراء والتقنيين الأكثر حيادية وشمولا. وهو الخطاب الثاني، فإن من مصلحة الأطراف جميعا أن يتوج الحديث في الإنجازات والملفات القانونية بخطاب التعبئة النضالية. فبذلك تتكامل المساهمات لتحول الاجتماع إلى مناسبة حية تؤكد على الثوابت وتسمح للجمهور الذي يعاني من الشعور بالإحباط والعجز والخيبة بتنفيس الاحتقان، والعودة إلى الحالة الطبيعية.
لكن نادرا ما نطرح على أنفسنا المردود النهائي أو الفعلي لهذه المؤتمرات التي نهدر فيها غالبا الكثير من الوقت والجهد والمال. ففي مثل هذه المؤتمرات التي هي ليست مؤتمرات علمية ولا مهرجانات سياسية ولا ندوات نقاشية أو حوارية وإنما خليط من كل ذلك، من الصعب أن يخطر سؤال الجدوى هذا على أي من الأطراف المشاركة. فجميع هؤلاء يعتقدون تلقائيا أن مهمة النظر في حصيلة المؤتمر الكلية ومردوده على القضية تقع على المنظمين، وهي بالتأكيد قائمة. والواقع أن هدف المؤتمر لا يتجاوز عادة عند هؤلاء عقد المؤتمر نفسه. ولدى هؤلاء عادة، تجنبا للوقوع في مثل هذه الإشكالات، جواب مفحم. وهو ليس ردا علميا ولا سياسيا ولا استراتيجيا، وإنما بيان كتب مسبقا يثمن مساهمات جميع الأطراف: المنظمين الحكوميين والباحثين والخبراء العلميين والناشطين السياسيين، واضعا كل مساهمة في مكانها الصحيح في نظام تراتب الخطابات والمقامات والصلاحيات.
هكذا يستكمل طقس المؤتمرات دورته، فتعيد الجلسة الختامية لم الشمل الذي غيبته الاختلافات في الرأي، وتزول الخصومات والصراعات التي غذاها تباين الخطابات. وبقراءة البيان الختامي الذي يفترض توجه جميع المشاركين موحدين إلى الرأي العام، تتكرس وحدة الشعب والنخبة ويتحقق الانتصار. وما بدا لفترة ثلاثة أيام أو أربعة صف كلام، كما تقول اللغة العامية، يتحول إلى ما يشبه الفعل، ويزيد من استثنائية الحدث تناقله من قبل الصحافة وأجهزة الإعلام. وللحظات يشعر كل مشارك أنه لم يهدر جهده عبثا، وأنه شارك بالفعل في تحرير القدس أو على الأقل في وضع بعض اللبنات على طريق تحريرها. والحال تكاد معظم المؤتمرات أن تتحول إلى مجالس عزاء تلهينا عن ضياع مصائرنا وأهدافنا، وفي أحسن الحالات إلى مناسبات للاحتفاء بالذات، لا ناقة فيها للقضايا الكبرى التي نروم تحقيقها ولا جمل.
الوطن السعودية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى