صفحات مختارةعبد الهادي عيد

النقد الثقافوي للثقافوية

عبد الهادي عيد
درج السيد ياسين الحاج صالح في كتاباته الصحافية على إثارة عدد من القضايا المركزية في الفكر العربي المعاصر وهو أمر يسجل له ايجابا اذا ما قورن بالكثير من الكتابات الصحافية العربية التي غالبا ما تقتصر على ترداد كليشيهات فارغة من أي محتوى. كذلك يسجل للسيد الحاج صالح نزوع نحو الاستقلالية الفكرية في زمن تم فيه استتباع غالبية الصحف العربية واخضاعها سواء لسيطرة رأس المال او للمحاور والاستقطابات السياسية والمحلية منها والاقليمية. على ان هذا شيء ومعالجة السيد الحاج صالح للقضايا التي يثيرها شيء آخر.
في ما يلي بضع ملاحظات على مقالة نشرها في جريدة “النهار” (20 كانون الاول 2009) بعنوان: الثقافوية العربية المعاصرة، خصائص منهجية ومحددات اساسية. لكن قبل طرح هذه الملاحظات هنا تذكير بالنقاط الأساسية التي تضمنتها هذه المقالة.
يعرّف الحاج صالح الثقافوية بكونها “شرحا للمجتمع والسياسة بالثقافة”، ويقرر ان هناك تنويعتين للثقافوية العربية: واحدة علمانية والأخرى إسلامية تشتركان ليس فقط في “تعريف مجتمعاتنا المعاصرة بالدين غير مكتفية بتفسير أحوالها بالدين”، بل وكذلك في الرؤية والمنهج وان تخاصمتا سياسيا. هذا ويرى الكاتب انه “في الحالين تغيب الأبعاد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والجيوسياسية والثقافية (كذا) لأوضاعنا المعاصرة، هذا حين لا تفسر هي ذاتها بـ”الاسلام”. ليس هذا فقط ما يعيبه الحاج صالح على الثقافوية العربية بل إنه يوجه الى هذه النظرة الكثير من الانتقادات المحقة في نظرنا وهي انتقادات تطول منطقها الثنائي ونظرتها المعيارية (الغرب كمعيار بالنسبة للتنويعة العلمانية والاسلام بالنسبة للاسلامية) التي تقودها الى تقليص تخلفنا، من تخلف “تاريخي ومركب” الى تخلف محض ثقافي. وفي هذا الاطار يسجل الحاج صالح “أنه جرى التحول من قاموس التخلف الاقتصادي الى قاموس التأخر الثقافي في سبعينات القرن العشرين، على يد عبدالله العروي ثم ياسين الحافظ، قبل ان يلتحق بهما من آل امرهم الى ثقافوية خالصة أو شبه خالصة مثل جورج طرابيشي”. يرى الكاتب ان هذا التقليص المطرد الذي قامت به الثقافوية العلمانية يبيح له اعتبار هذه الثقافوية “اعلى مراحل “التقدمية””. اضافة الى ما تقدم يوجه الحاج صالح سهام نقده الى واحدية الثقافوية التي لا تعرض تماثلا بنيويا فقط مع الواحديات الاخرى (الماركسية الاقتصادوية، السياسوية، الاقتصادوية الليبرالية، القوموية، الاسلاموية) إذ يعتبر انها “ليست واحدة بين هذه الواحديات، بل هي مقولة عامة تشملها”. على هذا يرى الكاتب ان نقد الثقافوية يمر بنقد الواحدية وبالانفتاح على الكثرة، وهذا الانفتاح لا يتيسر “دون تراجع هاجس العمل والنضال قليلا. أعني دوما العمل التاريخاني الموجه نحو “الحل” و”الخلاص”.
اذا كانت هذه هي حال الثقافويين العلمانيين، التاريخانيين الذين ينطبق عليهم تعريف المثقف الانتلجنسي الذي طرحه الطاهر لبيب فماذا إذن عن الاسلاميين؟ “ثمة تماثل بنيوي كبير بينهم وبين الانتلجنسوي العلماني الذي تحول من “مثقف” تغييري متفائل الى “ثقافوي” محافظ ومتشائم” يجيب الكاتب. كيف ذلك ولماذا؟ لأنهم يشتركون في اغتراب زماني ومكاني أي في نظرتهم الى الماضي والحاضر والمستقبل وكذلك بالنسبة للداخل والخارج وتحديدا العلاقة بالغرب التي يحكمها “التماثل التام معه” عند العلمانيين و”الاختلاف الوسواسي عنه” عند الاسلاميين. وفي ما يشبه الخلاصة لمقالته يعلن الكاتب ان “المدرك الاساسي لهذا التناول هو الواقع بالتقابل مع “التغيير” ومع “الهوية” خصوصا”. ولسوف نرى ان الاستعمال الكثيف لمصطلح الواقع وضرورة العودة اليه يلخصان النقد الذي يوجهه السيد الحاج صالح للثقافوية العربية (وهو للمناسبة نقد وجه منذ عقود للتراثيين ولدعاة تقليد الغرب على السواء) وكذلك نقطة الضعف الاساسية لهذا النقد.
أولى ملاحظاتنا على مقاربة السيد الحاج صالح للثقافوية العربية تخص تعريف المصطلحات الرئيسة في مقالته: الثقافوية، العلمانية والاسلامية. بالنسبة الى الثقافوية هل يكفي القول انها “شرح للمجتمع والسياسة بالثقافة” وإنها في الحالة العربية تقلص الثقافة الى الدين الذي هو الاسلام؟ هل يفيدنا كثيرا التمييز السريع بين “ثقافوية عالمة” كما هي الحال بالنسبة للعروي وياسين الحافظ واخرى “عامية خالصة” كما في حال طرابيشي؟ هل صحيح ان الثقافوية العربية، بتنويعيتها تقلص الثقافة الى الدين؟ وكيف يصح اذن وصفها بالثقافوية في حين تغيب فيها ليس فقط العناصر الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بل الثقافية ايضا لينحصر تفسيرها لأوضاعنا بالدين وحده على ما يقرر الكاتب؟ اللهم الا اذا كان الكاتب قد استبطن بشكل لا واع نظرة يتنطح لنقدها تقصر الثقافة العربية على الدين كما فعل ثقافويون غربيون ولا يزالون؟ اذا كان تعريف الثقافوية ناقصا فان تعريفات العلمانية والاسلامية غائبة تماما. ما المقصود هنا بالعلمانية؟ اهي العلمانية الفرنسية الصارمة ذات الطابع الحقوقي والسياسي التي تفصل كليا بين الدين وكافة مؤسسات الدولة ام هي العلمانية الأنغلوسكسونية التي يتحرر المجتمع فيها من سلطة المقدّس دون رفضه بالضرورة او محاربته بشكل ناشط؟
هل تتجسد الثقافوية العلمانية حصراً في العروي والحافظ والجابري وطرابيشي؟ هل ينطبق عليهم فعلا الوصف الثقافوي الذي يعرّف مجتمعاتنا المعاصرة حصراً بالاسلام؟ في اية مؤلفات لهم واين؟ الم يخصص العروي فصلاً لنقد الانتروبولوجيا الثقافية العربية في معرض نقده لمنهج غوستاف فون غرونباوم وذلك في الكتاب الوحيد الذي يشير اليه الحاج صالح ليس كمرجع بل كوسيلة للتعريف بصاحبه؟ اما بالنسبة الى مصطلح الاسلامية فهناك صمت مطلق. أهي الاسلاموية بمعنى تلك الفئة التي ترى ان الاسلام هو الحل الاوحد ليس لمشكلاتنا كلها فقط بل لمشكلات العالم اجمع؟ واذا كانت اسلامية فلماذا يضع الكاتب كلمة الاسلام بين مزدوجين في العبارة التي استشهدنا بها اعلاه وهو ما ينفي عنها طابعها الاسلامي الفعلي؟ اي انها اذا كانت لا تفسّر (بالكسر) بالاسلام فبماذا تفعل؟ وهل يصح حينئذ وصفها بـ”الاسلامية”؟ على ان الأهم من كل هذا هو عدم الاشارة الى اي من ممثلي هذه الثقافوية الاسلامية، ولا الى اي مرجع او كتاب واحد تتحلى فيه هذه الثقافوية. هل المقصود جماعة الاخوان المسلمين ومثقفيها؟ اي تيارا من تياراتها؟ هل المعني “حزب الله”، “حماس”، “القاعدة”؟ واذا كان المقصود مثقفين مستقلين افلا يستحق الامر مجرد اشارة الى واحد منهم والى مصدر واحد من كتاباتهم؟ تصبح الثقافوية الاسلامية هكذا في مقالة الكاتب مسألة اشباح، تنطبق على الجميع دون ان تنطبق على احد ونقدها نقد للجميع دون ان يكون نقداً لأحد. هل نظلم الكاتب اذا طبقنا عليه ما يقوله هو ذاته عن المثقفين العرب الذين يتكلمون على العالم العربي والبلاد العربية والأنظمة العربية والثقافية العربية، كلاماً مرسلاً يفترض ان ينطبق على الجميع فلا ينطبق عملياً على احد”؟
اولى نتائج غياب التعريف الدقيق للمصطلحات، وهذه ثانية ملاحظاتنا، هو هذا الالتباس الذي يقع الكاتب فيه حين يرى انه في الحالين (الثقافوية العلمانية والاسلامية) “تغيب الابعاد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والجيوسياسية والثقافية لأوضاعنا المعاصرة، هذا حين لا تفسّر هي ذاتها بـ”الاسلام”. هل تغيب هذه العناصر فعلا عن الثقافويتين؟ وهي ان غابت افعن المنهج ام عن المواضيع التي يعالجها؟ لا تحديد لهذا الغياب. على ان الكاتب يقول لنا ان هذه العناصر تفسّر بـ”الاسلام” ضمن الثقافوية العربية بنوعيها وبعد اسطر معدودة يقرر ان “الثقافوية ليست نظرية مفسّرة فقط وإنما هي تتضمن سياسة عملية” ثم يعود في ثنايا النص ليشير صراحة الى مشروعين سياسيين تعمل كل من الثقافويتين على تحقيقهما دون اية اشارة الى طبيعة هذه المشاريع اللهم الا سعيهما للسيطرة. في اعتقادنا انه ليس في الامر غياب بل تغييب تحاوله الثقافويتان وفقاً لآليات اشتغال الايديولوجيا على المواضيع التي تعالجها لكنه لا ينجح في إخفاء الحضور، الكثيف حتى، لهذه العناصر في خطابيهما. كان الأجدى فضح محاولة هذا التغييب، بدلاً من الاشارة الى غياب لا اثر له، وذلك عبر تبيان الدور السياسي والاقتصادي والايديولوجي الذي يلعبه هذا التغييب وخدمة لمصالح من.
الملاحظة الثالثة تخص البديل (لا يحب الكاتب كلمة “حل” وهو يدعونا الى الكف عن التفتيش عن الحلول) الذي يطرحه الحاج صالح لهذه الثقافوية بنوعيها. انه يتلخص بكلمة واحدة هي: الواقع، يرددها الكاتب في كل مكان تقريباً من مقالته ليعود في نهايتها لاختصار كل ما اراد قوله بالجملة التي اوردناها اعلاه: “المدرك الاساسي لهذا التناول هو الواقع. بالتقابل مع “التغيير” و”الهوية” خصوصاً”. الواقع العاري، بدون مزدوجين وكأن الكاتب يريد لنا في جسد الكلمات ان لا ننسى ان للواقع وجوداً محققاً خلافاً للتغيير والهوية. لكن ما هو الواقع؟ “انه واقع الدول والمجتمعات والاديان والعشائر والطوائف والمدن والأرياف والاقتصاد الريعي”. حسناً الواقع هو واقع الدول والمجتمعات… الخ، لكن ما هو واقع هذه الموجودات التي يتم تعدادها؟ مم يتشكل؟ من كل شيء؟ اذن من لا شيء. ما الذي يشكل لحمة هذه العناصر؟ ما هو دور كل منها في بنية الواقع او المجتمع حالياً؟ ايها تابع وايها مهيمن، ليس بشكل انطولوجي بل بشكل مرحلي قابل لفقدان موقعه هذا؟ من هي القوى المسيطرة، الطبقة او التحالف الطبقي الذي يقود العملية الاجتماعية في هذه المرحلة؟ هل تكفي السخرية، كما يفعل الكاتب، من مفاهيم مثل نمط الانتاج واستبدالها بمصطلح ضبابي كمصطلح الواقع لكي نخرج من ثقافوية الفكر العربي المعاصر؟ هل ان “واقعية” الكاتب اقل مثالية، بالمعنى الفلسفي، من مثالية الثقافوية التي ينقدها؟ هل حمت واقعية فيورباخ الفلسفية صاحبها من المثالية التي اراد تجاوزها؟
اذا كانت هذه حال “المدرك الاساسي” في مقالة السيد الحاج صالح فما عساه يكون التعامل الذي يدعونا اليه مع هذا المدرك، اي الواقع؟ لنقرأ معاً: “الاشتباك مع الواقع والتمرس بثقله وممانعته، والانخراط في صراعات اليوم”… (نذكّر القارىء بأن الكاتب من اكثر منتقدي مصطلح الممانعة بالمعنى السياسي الذي درج في السنوات الماضية). في مكان آخر: “هناك بديل لم يجربه [المثقف الانتلجنسي] ولا يستطيع تجريبه: الانضباط، ضبط الذات والخضوع للموضوع الواقعي (المجتمع، السياسة، الدين)”. ايضا: “اين نحن كواقع؟ كمنطلق لكل عمل ومرجع لكل تراث؟” وذلك في معرض نقد الكاتب للجابري. كذلك: “المسألة هي اختبار الواقع، معرفته وسياسته ومقاومته والتوجه فيه والتمكن منه. وقبل كل شيء احترامه والانضباط به”. واخيرا وليس آخرا: “السؤال: كيف يتكون تيار فكري سياسي مختلف “واقعي” مثل السلطات والاسلاميين، منخرط في صراعات اليوم ضدهما ويعي نفسه عبر العلوم الاجتماعية  والانسانية؟” كأن العلوم التي يريد الحاج صالح لهذا التيار أن يعي ذاته عبرها لم تكن هي اساس تشكل التيار الثقافوي ذاته. أوَ لم ينشأ التيار الثقافوي نتيجة استعمال مزدوج للانتروبولوجيا (التي حولها الاميركي فرانز بوس 1858 – 1942 انتروبولوجيا ثقافية) وعلم النفس والاتنولوجيا؟ ترى ما هي القيمة المعرفية لهذه العبارات الجميلة انشائيا المفعمة بالوعظ الاخلاقي والتي تحيلنا كلها الى مصطلح خاو لأنه لم يحدد معنى كل شيء دون ان يعني شيئا؟ هل تشكل بديلا جديا لخطابي “التغيير” و”الهوية” اللذين يرفضهما السيد الحاج صالح؟ ان مصطلح الواقع بشكله الميتافيزيقي هذا هو في احسن الحالات مجرد مؤشر على وجهة الا انه يرفض العبور الى الضفة الاخرى التي يشير اليها وهكذا نبقى معه على الارضية الفكرية نفسها التي يدعونا صاحبه لتجاوزها. ثم ان النقد الذي كاله الكاتب للثقافوية العربية الاسلامية والعلمانية هو تقريبا النقد نفسه الذي وجهه الكثيرون (حسين مروه، مهدي عمل، وضاح شراره، عزيز العظمة، طيب تيزيني وغيرهم الكثير) للتيار التراثي ولمقابله تيار التغريب، وذلك منذ ثمانينات القرن الماضي.
ان نقدا للثقافوية العربية لا يحدد البنية (الاقتصادية والاجتماعية والسياسية) التي على ارضها نشأت ولا يشير الى الطبقة او الطبقات المسيطرة في هذه البنية، ولا الى موقع ودور المثقفين الذين انتجوا هذه الثقافوية تعبيرا عن مصالحها (ليس فقط الاقتصادية) وخدمة لها، ولا الى القوى الخارجية التي تتبع لها هذه الطبقات ونظرتها الى مجتمعاتنا التي استبطنها مثقفونا وما انفكوا يرددونها، هذه القوى والطبقات التي لها كل المصلحة في ان نحصر كل شيء في حدود الثقافة وان نقلص الاخيرة الى الدين تغييبا لطبيعة هيمنتها السياسية والاقتصادية على مقدراتنا، ان نقدا كهذا يبقى نقدا ثقافويا للثقافوية التي يدّعي تجاوزها. انه يبقى اسير اطرها المعرفية ومصطلحاتها.
– أوتاوا
النهار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى