صفحات الحوار

المترجم السوري رفعت عطفة: تاريخنا الأندلسي المشترك يجعل الإسبانية أقرب اللغات إلى العربية

null
أجرت الحوار: فاطمة عطفة
رفعت عطفة الكاتب المولود في مصياف سنة 1947، خطفته اللغة الإسبانية إلى أحضانها دراسة واختصاصا حتى صار معروفا بأنه مترجم أكثر مما هو معروف في كتاباته الشعرية والقصصية، وربما كانت شخصيته الكريمة المحببة لكل من عرفه هي التي جعلته صديقا لدائرة واسعة من الأدباء والمثقفين العرب والإسبان، سواء كانوا ضيوفا في بيته أو في المركز الثقافي في بلدته الجبلية المطلة على سهل الغاب، حيث استمر في إدارة ذلك المركز ما يزيد عن 26 سنة، ثم أوفد إلى مدريد ليعمل مديرا للمركز الثقافي (العربي) السوري هناك. ولعل صداقته المتميزة للفنان الفلسطيني الراحل مصطفى الحلاج جعلت من زياراته الموسمية لدمشق مناسبة ثقافية سارة وحافلة بالحوار مع العديد من المثقفين السوريين والعرب وتبادل الرؤى والآراء معهم.
وفي بيته في مصياف كان هذا اللقاء، قبل العدوان الصهيوني على غزة الباسلة، وهذا ما جعلني أتأخر في إرساله إلى القدس.

كيف كانت البداية ولماذا اللغة الإسبانية؟
البداية كانت في مصياف، من أيام الصبا كان عندي توجه أدبي، وفي الصف السادس بدأت بتكوين مكتبتي. الدراسة في إسبانيا كانت على أساس دراسة اللغة الإسبانية، ولكنني درست الأدب الإسباني إضافة إلى اللغة في الوقت نفسه. من خلال اطلاعي اكتشفت أن هذا العالم عالمي.
كان لي بداية كتابات في سورية، طبعا غير منشورة، كما أن المطالعة عززت عندي ذلك الجانب الإبداعي في الكتابة. حاولت أن أتركه في النصف الثاني من مسيرتي، لأن الأجواء العامة عندنا مغلقة، وهذه الأجواء لا تسمح أحيانا للإنسان بأن ينطلق مع الخيال أو يطلق هواجس الإبداع عنده. هناك دائما ربط ما بين الواقع والأدب، والإبداع يقوم على الواقع يستأنس به ويستفيد منه، ولكنه ليس نسخة من الواقع. بهذا الشكل بدأت الكتابة والترجمة، لكني عرفت مترجما أكثر مما عرفت كاتبا. ولقد تعلمت على أيدي مدرسين كبار يعتبرون خبراء من عظماء القرن العشرين في إسبانيا، مثل فِرناندو كارِّتِرْ ومانْوِلْ ألبارْ ومانزِلْ روثاس، وبالحقيقة هم وضعوني على سكة البحث، وعلى سكة التعمق في اللغة، وعلى طريق اكتشاف اللغة، بمعنى أنه عندما يريد أن يختار المرء مفردة موازية في اللغة المترجم إليها لمفردة في اللغة المترجم عنها يجدُ أحياناً أنّ الكلمة المترجَمة حاملة لأكثر من معنى، فيقع المرء بأنه لا يجد إلا كلمة حاملة لمعنى واحد من معاني هذه الكلمة، فيحدث إشكال في الترجمة، ذلك أن الكلمة في الأصل بمعانيها العديدة في اللغة الأصلية تفتح أفق القارئ على دلالات كثيرة، قد يُريدُها الكتبة، فتكون أنت كمترجم قد حددت سياقاً واحداً. هذه الدراسات جعلتني أفكر دائما كيف أستطيع أن أختار الكلمة الحاملة لمعنى واحد من المعاني التي حملتها الكلمة الإسبانية، من هنا بعد عودتي إلى سورية بدأت ترجمة الشعر أولا: فترجمت لشعراء مثل الإسباني ف. غارثيّا لوركا ومناوِل أغيرِّ، ولويس ثِرنودا، وإميليو برادو وفيثِنْتِ ألِكْساندرِ، وشعراء من أمريكا اللاتينية، مثل بابلو نيرودا كذلك شعراء آخرين مثل خوان رامزم خيمِنثْ. من ثم بدأت بترجمة المسرح لأني كنتُ أشعر أن المسرح لم يتأصل عندنا، ورأيت أن من مهامي أن أقدم المسرح الإسباني، فقدمت بعض الأعمال، أعتقد أنها كانت مهمةً ومناسبة للمرحلة، وبعضها مناسب أدبياً، بمعنى أنه يُشكِّلُ قمة في إسبانيا لكنّه غير معروف عندنا، مثل رامون دِل بالييه-إنكلان، الذي يعتبر بقناعتي، من أهم كتاب القرن العشرين في إسبانيا. ورغم أن هذه الأعمال نشرت، إلا أنها لم تأخذ بعدها الحقيقي عندنا، لأن مسرحه ينتمي إلى اللامعقول، هو يعتمد على نظرية ‘المرايا المقعرة’ مسرح المرايا المقعرة: الإنسان عندما ينظر إلى نفسه في مرآة مقعرة يصبح مثل واقعه مقعراً، عبثياً فارغا، كالواقع الذي وصل إليه الإنسان في البلدان التي لم تعثر بعد على طريقها في تلمس إنسانية الإنسان، وبالتالي إنتاج النظام الإنساني الذي يفتح شبابيك الحرّية على مصاريعها ولا يُغلق الأبواب، لأنّه لا يخاف، فقد وثق من نفسه ومن ناسه، إنّها الحّرية التي كثيراً ما نشتاقُ إلها اشتياقنا للعودة إلى دفء رحم أمّهاتنا، إلى الأمان الذي يخلقه النظام الحر الديمقراطي. هذا ما دفعني إلى ترجمة خمسة أعمال لهذا الكاتب: ‘ثلاثية الكوميديات البربرية’ وهي وجه الفضّة، والنسر ونشيد الذئاب، وأضواء بوهيمية و’كلمات مقدسة’.
بما أننا نتحدث عن الشعر والمسرح، لنقف عند ترجمة الشعر. إن بعض الشعراء والنقاد يرون أن الشعر يموت في الترجمة، لأن ترجمته من اللغة الأم إلى لغة أخرى يؤثر على نسيجه الفني والجمالي، ما رأيك بذلك؟
هذا يتعلق بنوع الشعر. وكنت قد كتبت بحثا بعنوان (الشعر والترجمة) أشرت فيه إلى المستوى الثقافي. فالترجمة بين اللغة العربية واللغة الإسبانية، من خلال تجربتي، تجعل النصين متقاربين في الدلالة وفي الشكل، من حيث أن هناك الماضي المشترك والتاريخ المشترك، وبالتالي هناك قواسم إنسانية مشتركة. أما في الوقت الحاضر، فأرى أن الهوة بين الأمم تكبر وتصبح أوسع وأعمق، هذا الشيء ناتج عن أن الغرب يتطور تطورا هائلا جداً وسريعا جداً، والعالم الآخر، أقصد غير الغربي، يتطور بمشية السلحفاة على المستوى الاقتصادي والعلمي والثقافي وعلى كل المستويات. هذا يؤدي إلى خلخلة ويجعل الصورة التي يمكن أن تنقل من إحدى اللغات، التي تطورت شعوبها جداً، إلى اللغات الأخرى غير مفهومة بالنسبة لعامة القراء. أما القارئ المطلع فهو قادر على أن يمسك بمفاتيح الأمور، وتصله دلالة الصورة. فالترجمة يجب ألا تكون تفسيرا، وإنما تكون نقلا للصورة بأدق معانيها وإيحاءاتها وشكلها. لأن التعبير بالصورة الأدبية يختلف بين شعب وآخر، فتصوراتنا تختلف عن تلك التي يكونها العقل الآخر. لذلك، بقدر ما يكون المرء واسع الاطلاع فإنه يكون قادرا على النقل، وقادرا على استقبال هذا الشعر الذي جاء من الطرف الآخر. فمثلا: في الوقت الحاضر، الشعر الذي يكتب ويترجم إلى اللغة الأفغانية أو بعض اللغات الافريقية، القارئ العادي لن يفهمها كما ينبغي وهذا ليس ذنبه.
لنعد إلى المسرح والمرايا المقعرة: برأيك، وبعد تجربة غنية في اسبانيا، ما هي أهم الأسباب في تراجع المسرح العربي؟ هل هي ثقافية فقط، أم اجتماعية، أم سياسية؟
للأسف، سواء كنا من دول محافظة أو من دول ثورية، نريد أن نصنع المجتمع على قياسنا وعلى صورتنا. إن الدول التي نسميها محافظة لم تهتم في يوم من الأيام بالأمور الثقافية، كان اهتمامها دائما منصبا على الأمور المادية، خاصة موضوع البترول والرفاهية، هنالك البلدان الثانية، مثل سورية، بدأت في (ثورة) تعليمية كبيرة جداً منذ عقود، وأردنا أن نمسك بكل شيء، بالمسرح، بالتعليم، بالسينما.. بكل شيء. أعطينا ما يمكن أن نسميه تعليميا أو أحادي الرؤية، حتى إننا صادرنا دور السينما. المشاهد السوري كان يؤم السينما، وأنا أعرف ذلك من خلال مصياف، وعندما كان يعرض فيلم سينمائي كان يستمر لمدة عشرة أو خمسة عشر يوماً، في الوقت الذي كان عدد سكان مصياف لا يتعدّى بحدوده القصوى خمسة آلاف إنسان، بينما في الوقت الحاضر لا توجد سينما في مصياف! دور السينما التي كان يؤمها الناس في دمشق كانت تعرض افلاما عالمية، أصبحت تعرض افلاما حسب وجهة نظر المدير العام لمؤسسة السينما، أو الذي يذهب لشراء الأفلام، فتقلص جمهور السينما وبدأ ينسحب. والشيء نفسه ينطبق على المسرح، أردنا أن نعمل مسرحا ثوريا، فأممنا المسرح، صار المسرح للدولة، لم تبق مبادرة للناس، بدأنا نوظف المسرحيين عندنا، أصبح الممثل والمخرج موظفين، وأصبح أيضا الإنتاج المسرحي والسينمائي وظيفة عند الدولة، وسواء أنتج أو لم ينتج فليس مهماً! وهذا كما أعتقد أثر كثيراً، وهو ما كان وما زال ينطبق على سورية وعلى العراق وليبيا، كما ينطبق هذا على الجزائر وحتى على مصر، التي بقي فيها شيء من الإنتاج السينمائي خارج الإطار الرسمي، وكذلك الإنتاج المسرحي،. لذلك، أعتقد أن الحركة المسرحية والسينمائية في الوطن العربي تأثرت كثيراً في هذا الجانب فكيف الحال في الدول المحافظة كالسعودية مثلاً.
اللغة الإنكليزية أصبحت أكثر انتشارا في العالم، وأنت تجيد اللغة الإسبانية، إضافة إلى الإنكليزية، السؤال ما هي المحصلة الثقافية الفكرية التي وصلت إليها من خلال تجربتك؟
هذا سؤال مهم جداً. الفارق بين اللغتين الإنكليزية والإسبانية، أن اللغة الإنكليزية استطاعت، من خلال الاستعمار وتمددها تحديداً في آسيا والعالم الجديد، أن تشكل ركيزة أساسية لها، وأصبحت لغة التجارة العالمية، والعالم اقتصاد، من هنا أخذت هذا البعد. لكن اللغة الإسبانية لا تقل أهمية إطلاقاً عن الإنكليزية من حيث عدد السكان الذين يتكلمون بها في العالم، فهي اللغة الثانية في امريكا الشمالية، وهناك 450 مليونا يتكلمون بها في العالم، منهم 40 مليونا في الولايات الامريكية، وتعتبر في القديم اللغة الأم. الإنتاج الأدبي الذي تقدمه اللغة الإسبانية في الوقت الحاضر من خلال كتاب أمريكا اللاتينية ومن خلال الكتاب الإسبان، أعتقد أنه يعادل وربما يتجاوز كل ما نعرفه من إنتاج أدبي في العالم. ونعلم أن ما يسمى بالانفجار الروائي (أو البوم) كما يسمونه، من غارثيا ماركيز، وألليندي، وماريو بارغاس ليوسا وكارلوس فونتِس، هذه اللغة في الوقت الحاضر هي اللغة الثانية، والمهمة بالنسبة إلينا كعرب، فهناك في امريكا اللاتينية أكثر من عشرين مليون متحدر من أصل عربي يتكلمون هذه اللغة ويشعرون بارتباط بتاريخهم وأرضهم وثقافتهم الأصلية ولو من بعيد. وهم يحملون نوعا من الحنين إلى هذه الثقافة التي سمعوا عنها من آبائهم وأجدادهم، وأنا أعتقد أن من المهم جدا أن نؤسس لعلاقات ثقافية مع هذه اللغة ومع البلدان التي تتكلم بهذه اللغة. إسبانيا بلد مهم بالنسبة لنا لأنّ جزءا مهماً من التاريخ الثقافي العربي موجود في إسبانيا، سواء كان هذا التاريخ على المستوى المعماري، أو المستوى الثقافي الفلسفي أو المستوى الشعري، والفقهي والتاريخي. على كل هذه المستويات، وحتى على مستوى التجديد في اللغة، فأول البدايات في التجديد الشعري واللغوي العربي كان في الأندلس، عندما كسرت الموشحات طوق القصيدة العمودية العربية، عندما كسر الزجل في إسبانيا القصيدة العربية وأدخل شيئا من المحكي، لذلك أعتقد أن هذه اللغة مهمة جداً، ولعلها أهم لغة أجنبية في العالم بالنسبة لنا.
بعد الحديث عن اللغة، أول شيء لفت نظري في هذا المنزل المتواضع لكاتب ومترجم مثل رفعت عطفة، لوحات وأجواء مصطفى الحلاج التي تأخذ مساحة كبيرة في هذه الصالة، كيف كان اهتمامك وأنت مقيم في إسبانيا بفن الحلاج، وهو من أهم الفنانين العرب والفلسطينيين؟ وما هو الشعور عند الإسبان نحو القضية الفلسطينية والمعاناة اليومية للشعب الفلسطيني؟
هذا البيت المتواضع بداية عمرته بيدي، وبالتالي أحب كلَّ ما فيه. وعلاقتي بلوحة الحلاج هي علاقة بالحقيقة الفلسطينية. الحلاج صديق تعرفت عليه منذ أن بدأت أكتب في عام 1976 وكنا نلتقي أنا والمرحوم سامي عطفة، وهو في ملحق الثورة الثقافي، فيه كتبنا وتعارفنا، وفيه تعرفت على ممدوح عدوان وعلي كنعان وخيري الذهبي وكلّ كتاب سورية، الذين خطوا طريقاً لهم، على أدونيس وعلى مجموعة من الكتاب المهمين في حياتي. وعندما ذهبت لتأسيس المركز الثقافي العربي السوري في مدريد احتجت إلى أعمال فنية سورية أو عربية لافتتاح المركز، كتبت إلى وزارة الثقافة كي يرسلوا لكنهم تأخروا ولم تصل أي لوحات!
هناك صديق مشترك بيني وبين الحلاج عرفته على الحلاج في يوم من الأيام، كان قد اقتنى عددا من أعمال الحلاج، كما أهداه الحلاج بعضا من أعماله، فتبرع بهذه الأعمال لافتتاح المركز الثقافي العربي في مدريد. وهكذا تم افتتاح المركز بلوحات الحلاج، وكان هذا فخراً واعتزازاً وتكريما، بنفس الوقت، لصديق عزيز وشخصية ثقافية وفنية، على مستوى الوطن العربي والعالم كما اعتقد. لوحات الحلاج الموجودة في البيت هي جميعها من إهداء الحلاج للبيت، لذلك أنا فخور بها وهي موجودة بكل زاوية من زوايا البيت، وفي كل غرفة توجد لوحة للحلاج تذكرني به. نحن في مدينة مصياف، وقبل أن أنتقل إلى إسبانيا، قمنا بتكريم كبير لهذا الفنان العظيم، اشتمل على محاضرات تحدّثت عن الحلاج انسانا وفنانا كما أقمنا معرضاً لعدد من أعماله، وكذلك أقمنا معارض لفنانين رسموا الحلاج واحتفوا به. وبالمناسبة أقمت معرضا لفنان أسترالي نحات ورسام كان عنوان المعرض ‘من دمشق إلى قرطبة: طريق الفنّ’، وقد كان في دمشق وفي قرطبة. وبالمصادفة كنت في المعرض ورأيت لوحة للحلاج فاقتنيت تلك اللوحة للمركز العربي السوري في مدريد.
أما بخصوص القضية الفلسطينية والعلاقة بين العرب وإسبانيا، فهي تنطوي على شيء من الإشكال، حيث ان نظرة إسبانيا كانت حتى وقت قريب لا تتغير، وذلك لأنّ جزءا من تاريخها هيمنت عليه النظرة الدينية والنظرة الاستعمارية وقضايا كثيرة أخرى. وهذه المسألة كانت توهم بأن الشعب الإسباني بعامة لا ينظر نظرة ودّ إلينا وهذا خطأ، لأنّنا تلقينا انعكاس الثقافة الرسمية الدينية وغير الديمقراطية، التي في مجملها لا تعتبر صديقة للعرب. لكن مع الانفتاح، في ظل الديمقراطيات في العالم، بدأ الناس يكتشفون أن التاريخَ العربي في إسبانيا، الذي اختصرته الحالةُ الرسمية سابقاً على أنّه كان مجرّد استعمار، هو أطول بكثير من كل تاريخ إسبانيا، بمعنى أن الملكية القائمة في الوقت الحاضر في إسبانيا أو الأسرة المالكة عمرها لا يساوي إلا نسبة قليلة من تاريخ الحكم العربي في الأندلس. إن ما يزيد عن 700 سنة من وجود العرب هناك كان له أثره الكبير في ذلك التاريخ، وبعد ذلك استثمروا في الصناعات وفي الزراعة ولم يستطيعوا أن يستغنوا عنهم، لذلك التهجير الأكبر والأخير إنما تم في القرن السابع عشر ولم يتم في القرن الخامس عشر مع سقوط الدولة العربية في الأندلس.
ينعكس هذا القول في إنتاج بعض شعراء ومسرحيي وروائيي القرن السابع عشر، حيث نجد أن العربيّ موجود في أعمال ثبانتس و لوبّ دِ لا بِغا وتيرسو مولينا وكثيرين آخرين، ومن أهمّهم الشاعران الصوفيان سان خوان دِ لا كروث، الذي عكس في شعره روح ابن عربي، وفراي لويس دِ ليون: الذي حين أراد أن يُمجّد عظمةَ الخالق في سمائه لم يخطر له أن يقول شيئا آخر غير: ‘وكأن يداً عربية صنعتها’ فقارن صناعة الله بصناعة العربي. كان حضوراً جليلاً، بقي في ذاكرة الإسبان، إذ ما إن أطلّ القرن التاسع عشر وجاءت المدرسة الرومانسية حتى عاد للموضوع العربي ألقه في كلّ الفنون تقريباً، في العمارة حيث مدرسة العمارة المدجّنة الجديدة، وفي الرسم والشعر أيضاً، حيث نشرت المعلّقات العشر باللغة الإسبانية. واستمرّ هذا في القرن العشرين، حيث لعبت مدرسة الاستعراب دوراً مهمّاً في الكشف عن الكنوز التراثية العربية ولقي الموضوع العربي اهتماماً كبيراً عند الشعراء الإسبان في بداية القرن العشرين من أمثال مانويل ماتشادو الذي يقول في قصيدة له بعنوان دفلى:
‘أنا مثل هؤلاء الذين جاؤوا إلى وطني،
من سلالةٍ عربيةْ،
رفيقةِ الشمس الأزلية،
هؤلاء الذين ربحوا كل شيء ثم فقدوه،
روحي من سنبلِ الطيبِ روحي، عربيةٌ إسبانيةْ’.
ولم ينقطع الخيط، بل على العكس فقد انتقلت مدرسة الاستعراب الإسبانية على يد الدكتور بِدرو مارتينِث مونتابث من التركيز على الماضي إلى التركيز على الفكر والأدب والقضايا العربية المعاصرة، سياسية وثقافية وأدبية، فنقل أبناء هذه المدرسة وعرّفوا بكثير من الكتاب العرب الحديثين بدءاً من نزار قباني ونجيب محفوظ وأدونيس، وأمل دنقل ومحمد الماغوط وعبد السلام العجيلي وسعد الله ونوس ومحمود درويش وشعراء آخرين كثيرين. وتابع بعضهم الاستمرار بمعالجة الموضوع العربي مثل أنطونيو غالا وخوان غويتيسولو وخِسوس ريوساليدو ووخوان فان هالن وأنطونيو بوربِتّا ورامون مايراتا وآخرين كثر.
كلّ هذه الحالات جاءت نتيجة الديمقراطية، التي من المؤسف أنّ الحركات التقليدية العربية وبعض الحديثة ما يزال يعتبر الديمقراطية رذيلة وشيئاً مستورداً، فقط لأنّهم لا يُريدون أن يخرجوا من التاريخ أو يخافون أن يفقدوا السلطة، التي جاءوها بالأصل للخلاص من الدكتاتوريات أو التبعيات السابقة.
بالإضافة إلى كلّ هذا هناك في الأندلس في الوقت الحاضر محاولة إلى جعل اللغة العربية إلزامية في مراحل التدريس الثانوية في إقليم ‘أندلوثيّا’ الأندلس. فحبذا لو ينتبه العرب إلى هذا الموضوع، فكيف نستطيع أن نساهم معهم في انطلاق هذا المشروع؟ كيف نستطيع أن نعمق هذا الارتباط ما بين ضفتي المتوسط؟ إن هناك علاقة تاريخية، علاقة ثقافية ورابطة دم أحياناً بيننا وبينهم، يجب أن نبحث عن تعزيز هذه العلاقة. وأنا أعتقد بأن دعم برنامج إدخال اللغة العربية إلى المرحلة الثانوية وإلى الجامعات في إسبانيا، وخاصة في الأندلس، مشروع مهم جداً ولا بد من دعمه. لقد استطعنا في المركز العربي السوري في مدريد بتواضع أن نلفت الانتباه وأن نجعل الناس يلتفون حوله في إسبانيا، فأقمنا المنتديات والندوات والمحاضرات والأمسيات الشعرية والمعارض، ليس في مدريد وحدها بل في مختلف أقاليم إسبانيا. واستطعنا أن نقيم بالتعاون مع مجلس مدينة المنكب، التي هي البلد الأول الذي نزل فيه عبد الرحمن الداخل، أقمنا أشهر الثقافة السورية، ومن ضمنها الحدائق النحتية السورية، والموسيقى العربية السورية والمطبخ السوري والصناعات اليدوية ومعارض الرسم والنحت، آمل أن يستمر هذا المشروع، حيث اتفقنا مع مجلس المدينة أن نجعل من هذه المدينة الجميلة مدينة النحت السوري. وبدأنا بنواة متحف للرسم والتصوير السوري، من خلال الأعمال التي يذهب الفنانون السوريون لينفذوها هناك على أرض الواقع، وهو غير مكلف، فقط يحتاج إلى جهد ومتابعة من مؤسسات تكون على تواصل مستمر مع الطرفين، الأندلس مهمة لنا ونحن مهمون للأندلس.
أما بالنسبة للقضية الفلسطينية فالحقيقة أنّ هناك اهتماما رسميا بهذه القضية، وإن كان هذا الرسمي مرتبطا بمجموع الموقف الأوروبي إلى حد ما. أما على المستوى الشعبي في الوقت الحاضر فإن اليسار الإسباني بعامة مؤيد ومناصر للقضية الفلسطينية وللحق الفلسطيني. اليمين الإسباني منقسم إلى شطرين: هناك اليمين الديني المتزمت، وأنا أسميه الجاهل، ويمين المحافظين الجدد التابع لبوش، وكلاهما ليس مع القضايا العربية بوجه عام، ولا مع الإسلام بشكلٍ خاص. وهذا ما نراه في موقف رئيس وزراء إسبانيا السابق السيّد خوسِه ماريّا آزنار عندما قال بأنّ الصراع مع العرب والمسلمين ليس جديداً وإنما يعود إلى عام 711م، وثقافته ثقافة يهودية مسيحية، بينما التاريخ يقول عكس ذلك تماماً، فأوّل صراع في إسبانيا إنما كان بين الكنيسة واليهودية وكان هذا قبل وصول العرب. لذلك أنا أسألهم: أين هي هذه الثقافة اليهودية التاريخية؟ إذا كانوا هم من لاحقوا اليهود على مدى التاريخ، وإذا كانت كل المجازر التي ارتكبت بحق اليهود إنما تمت في أوروبا… إذا كانت كل الأقلام اليهودية في ما قبل المرحلة الديمقراطية في أوروبا إنما خرجت في الوسط العربي، إذا كان هناك وزراء في الدولة العربية الإسلامية في المشرق أو المغرب ونعرف أن ابن ميمون كان وزيراً في الدولة الفاطمية، جاء من الأندلس وأصبح وزيراً فيها، اليهود لم يكونوا، ملاحقين في الوطن العربي، وإن لم يخل التاريخ من صراعات قليلة ولكن هذه الصراعات لم تؤد إلى إبادات. لم يتعرض اليهود ولا أي أقلية للإبادة في الوطن العربي، الإبادات تمت في أوروبا. لذلك هذا اليمين المتطرف بدأ يسقط وذلك من خلال سقوطه في العراق وأفغانستان، ومن خلال سقوطه في لبنان، وفي فلسطين أيضا. نحن نريد السلام، نعم. إنما نريد الحق أيضاً، والناس والشعوب مع هذا الحق إجمالاً. واليسار الأوروبي مع هذه القضية، الجاليات العربية للأسف رغم أنها أصبحت في الوقت الحاضر جاليات مهمة، إلاّ أنهم أوقعوها في الإرباك بعد الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر. فبدلا من أن تكون هي جزءا من هذه المجتمعات وأن تهتم بأمورها، أصبحت مهتمة بالدفاع عن نفسها، أخذوها من موقع الفعل الاجتماعي والفعل الاقتصادي إلى موقع الدفاع عن النفس، وأي مدافع عن نفسه هو في موقع الضعيف. لذلك يجب الخروج من حالة الدفاع عن النفس لأن 11/9 هو من صناعة هذا الغرب وليس من صناعة العرب ولا الإسلام. طالبان أفغانستان أوجدهم الغرب وليس الإسلام، أفغانستان أعطت جمال الدين الأفغاني رجل التنوير الشهير، أما الإرهاب، إرهاب القوى المسيطرة فأعطى التطرف الإسلامي. الجاليات العربية في كل العالم، هناك عشرون مليون متحدر من أصل عربي في أمريكا اللاتينية، وفي الولايات المتحدة هناك أكثر من سبعة ملايين. لماذا لم يكتشف الغرب أنهم مسلمون حتى الوقت الحاضر، وبدأ التركيز عليهم؟ لأن هناك صراعات اقتصادية، لأن هناك مشاريع جديدة للمنطقة، وهناك محاولات لتفتيت المنطقة. ومن المؤسف أن العرب رسمياً وقعوا في هذا الفخ، وبدأوا يتكلمون عن الأشياء التي يجب عدم التكلم عنها في القرن العشرين، أو الحادي والعشرين. كيف نسمح لأنفسنا أن نتكلم عن سنة وشيعة، أو عن مسيحيين عرب ومسلمين عرب، نحن كلنا عرب ونحن كلنا أبناء هذه المنطقة، الذي يريد تدمير هذه المنطقة، ويريد خيرات هذه المنطقة، هو هذا المعتدي الذي أقام دولة غربية استيطانية في فلسطين بعد أن اغتصب أرضها وشرد شعبها، فكيف نقول إن الصراع مع إيران وليس مع هذه الدولة؟
من الأهمية أن لا نقع في فخ ما يرسمونه لنا، يريدون أن يحملوا إلى تلك المعارك كما يحمل الثور إلى مصارعة الثيران، يضعوننا أمام عدو وهمي ليس هو العدو، فنحن يجب أن نخرج من هذه اللعبة. أليس من العار أن تكون عندنا عشرات الأقنية من البث التلفزيوني الهابط، ولا توجد قناة عربية واحدة جامعة للعرب تحكي بقضاياهم؟ تحكي بإسلامهم وبمسيحيتهم، تحكي بانتمائهم، بتاريخهم، تحكي بتاريخ المنطقة، تحكي بفن المنطقة وتراث المنطقة، تقدمنا كما نحن وكما نريد أن نكون.
نحن، العرب، لم نفعل حتى الآن أيّ شيء. هل يعقل أن تُنشئ إسبانيا البيت العربي والعرب لا يفكرون بإقامة مركز ثقافي عربي واحد في إسبانيا أو في أيّ مكان من العالم؟ مثلا، بدل أن يكون هناك مركز ثقافي سوري، ومركز ثقافي مصري، على العرب ان يفكروا بإقامة مركز ثقافي عربي واحد! أن نظهر كدولة واحدة بدل ان نظهر كدويلات صغيرة، لا بد أن نكون جزءا من أمة، وهذه الأمة لا بد أن تتوحد، ليس بالطريقة العسكرية التي أراد أن يوحدنا بها صدام أو غيره، بل بالطريقة الديمقراطية، كيف يمكن لأوروبا التي عاشت صراعات دينية ومذهبية وقبائلية لمئات السنين، أن تتوحد بالاقتصاد وتتوحد بالثقافة، ونحن الذين نملك الموحِّدات والثقافة المشتركة، لا نستطيع أن نبني ولا حتى اقتصاداً موحداً؟ لماذا العربي لا يسمح له بالدخول إلا بتأشيرة دخول، الحصول عليها أصعب من الحصول على لبن العصفور في كثير من الأحيان للدخول إلى معظم البلدان العربية؟ والأوربي يسمح له بالدخول إلى كثير من هذه البلدان من دون تأشيرة دخول، هذا ما يجب أن نعيد النظر فيه ونصححه، ما يجب أن نشرع به، لنضع أقدامنا على الطريق الصحيح.
ـ لنعد إلى الترجمة. ترجمت العديد من روائع المكتبة الإسبانية، أي كتاب أو أي كاتب ترك أثرا كبيرا فيك؟
هناك أكثر من كاتب، تكلمت عن رامون دِل بالييه-إنكلان، من الأدباء الذين لهم أثر كبير في نفسي أدبياً، هناك ثِربانتِس هذا الكاتب العظيم الذي لم يصل إلينا إلا أواسط القرن الماضي، وهو صديق حميم للعرب الأندلسيين، في روايته لا يتكلم عن سجنه في الجزائر، الذي استمر خمس سنوات بأي إشارة سيئة، ويتكلم بكثير من السوء عن كيف عومل لمرة واحدة ولشهر واحد في إشبيليا، يعزو كتابه لسيدي حامد بننجيلي ويعزو ترجمة كتابه لمورسكي آخر والمورسكي هو العربي الذي بقي في الأندلس ولم يخرج، وأهم ما ورد في هذه الرواية يتعلق بالعرب المورسكيين العرب المسلمين الذي حافظوا على عاداتهم ودينهم بطريقة أو أخرى، تبنى مواقفهم خاصة فيما يُسمى بالكتب الرصاصية وهو موضوع مهم جدا وعندي محاضرة في هذا الموضوع في المكسيك في شهر كانون الثاني 2008. طبعا هناك (أنطونيو غالا) الذي كتب مرثية من أجمل المرثيات ‘لأبي عبد الله الصغير’ عنوانها ‘انتحاب أبي عبد الله الصغير على ضياع غرناطة’ كتب قصائد سورية، معظم أعمال أنطونيو غالا فيها إشارات للتاريخ العربي وهو لا يقبل أن يقال إنه ولد خارج قرطبة، وهو ولد خارج قرطبة، فهو يريد أن يكون أندلسيا، وأثناء أمسية له في المركز العربي السوري في مدريد 2007 تألق بشكل رائع جداً وقال كلاما مهما وهو مع قضايانا. إن كتاباته مهمة جداً شعراً ومسرحاً ورواية. ترجمت له ونشرتُ عملين العمل الأول هو (المخطوط القرمزي) عن أبي عبد الله الصغير، الثاني هو (الوله التركي) وتدور أحداثه الأساسية في تركيا المعاصرة وفيه إشارة إلى سورية وبالتحديد دمشق وحلب. وكتاب آخر عنوانه (غرناطة بني نصر) غرناطة هي البطل الذي يتحدث عن نفسه في هذا الكتاب، وهناك (خوان كنتيسلو) هو أيضا من الكتاب المهمين، في الوقت الحاضر هناك عدد كبير من الكتاب الإسبان يجب أن يترجموا، لكن المسألة المعيقة في كثير من الأحيان أننا حتى الآن لم ندخل في ما يسمى حقوق المؤلف، والمؤلف يريد حقه، هناك أعمال مهمة يجب أن تترجم إلى العربية، لكن يجب أن نفكر على مستوى أن ندفع لهؤلاء حقوقهم.
ـ أنت ترجمت من اللغة الأم مباشرة، ولكن هناك ترجمات لـ ‘دون كيشوت’ مثل ترجمة عبد الرحمن بدوي في المجمع الثقافي عن اللغة الألمانية، السؤال؟ ألا يفتقد العمل الإبداعي شيئاً من روحه عندما يترجم من لغة وسيطة؟
طبعاً اللغة الوسيطة تبعد المترجم عن النص الأصلي، أي عندما يتم النقل من لغة منقول إليها إلى لغة أخرى يفقد النص الكثير من خصائصه، لأننا سنكون أمام مترجمين ومؤلف، ولكل لغة خصوصيتها. عندما ينقل كتاب عبر لغة وسيطة إنما ينقل ذهنية وعقل اللغة الوسيطة، طبعاً هذا يؤثر بلا شك، لذلك أهم مسألة هي كيف ينقل المترجم من لغة المؤلف مباشرة إلى لغته الأم. عبد الرحمن بدوي بقناعتي من أهم الفلاسفة العرب المعاصرين، وقد هُضم حقه كفيلسوف، لكنه أراد أن يكون موسوعياً فترجم أشياء كثيرة أدبية كما ترجم دون كيشوت، وترجمته فيها جفاف اللغة الألمانية وجفاف الفلسفة أيضاً، لكن هذا الرجل لا أستطيع إلا أن أقول إنه رجل عظيم، ومفكر جليل أراد أن يخدم ثقافة وطنه العربي فعمل على نقل أمهات الكتب إلى هذه اللغة، فهو مشكور على جهده، مع أني لا أفضل أن تتم الترجمة عبر لغات وسيطة.
ـ هل ترجمت عن لغة وسيطة، الإنكليزية مثلا؟
لا، لم يحدث ذلك.
ـ أول كتاب ترجمته رواية دون كيشوت، لو أعدت ترجمتها الآن ماذا تضيف إلى هذه الرواية ؟
طبعا هناك القليل مما أعيد النظر فيه، سأصحح بعض الأخطاء التي يقع فيها المرء والتي يمكن أن يكتشفها في مكان ما من الرواية، هناك خلط بسيط بين الجمع والمثنى وقعت فيه، هنات بسيطة لا بد من ملاحظتها وتدقيقها في المرة الثانية. عندما ترجمت (دون كيشوت) حاولت أن أقترب من لغة المؤلف، كذلك حاولت أن أقترب من لغة المرحلة الكتابية للغة العربية في ذلك الزمن، حيث أن المؤلف نفسه يقول إنما هو يترجم كتابه عن اللغة العربية، فكان لا بد من الإحاطة بلغة ‘ألف ليلة وليلة’ والسيرة العربية مثل سيرة بني هلال، سيرة عنترة، لكي يستطيع المرء أن يمسك إلى حد ما بلغة المرحلة، أو بتركيبها، وهذا ممكن في اللغة العربية لأن اللغة العربية لغة روائية من زمن بعيد، بينما اللغة الإسبانية كانت عندما كتب ثِربانتس ‘دون كيشوت’ لغة قيدَ التشكيل، قيدَ البناء والتطور وتثبيت الذات، لم تكن قد تأسست تماماً، لا على مستوى الصوتيات، ولا على مستوى القواعد أيضا، فهناك من الإسبان عندما يقرأ الكيشوت في الوقت الحاضر يحتاج إلى قاموس، يحتاج إلى أن يكون مطلعا على تطور اللغة الاسبانية، لأن لغة الرواية مختلفة عن اللغة الإسبانية في الوقت الحاضر، بينما أي عربي متوسط الثقافة يستطيع أن يقرأ ألف ليلة وليلة بكل سهولة، هذه ميزة مهمة بالنسبة للغة العربية، وعملت على أن أجسدها في ترجمة دون كيشوت.
ـ ترجمت مذكرات ماركيز، هل يمكن ترجمة خريف البطريرك في المرحلة الحالية، وفي هذا الزمن الذي يشغل العالم العربي شخصيات مثل بطل رواية خريف البطريرك؟ وكيف ستترجم هذه الرواية من جديد؟
خريف البطريرك بالتأكيد صدرت في عدة ترجمات للغة العربية، وهي عمل أدبي رائع، لكن الأدب يستمد من الواقع ويعمل عليه. لو كان السؤال هل يمكن كتابة خريف بطريرك جديد؟ أعتقد يمكن كتابة خريف بطريرك جديد لكنه سيكون آخر مختلفا تماما لأن الدكتاتورية في الوقت الحاضر ليست فرداً بل مؤسسات وإمبراطوريات، الولايات المتحدة في الوقت الحاضر هي بطريرك، هناك بطريركيات صغيرة في وطننا العربي وفي العالم كله، البطريرك اختلف مضمونا ومعنى، جبروته واحد على كل المستويات المحلية والعالمية
ـ في اللغة الإسبانية، ومن خلال معايشة أبنائها ومنهم في أوروبا وأمريكا الجنوبية، أين تجد نفسك أكثر، وأي البلدين أحب إليك؟
لا بديل عن الوطن الأم، وإسبانيا، كما قيل وقت تكريمي هناك، هي بمنزلة وطني الثاني، عندي من الأصدقاء في إسبانيا وعلى امتداد الساحة الإسبانية ما يوازي أصدقائي لا أقول في سورية فقط وإنما ما يوازي عددهم في الوطن العربي. عندما كنت مع هؤلاء، وهم ساعدوني كثيراً في العمل على إطلاق المركز الثقافي هناك، لم أكن أشعر بنفسي أنني غريب. كنت أشعر بنفسي مع أخوة في الدم والروح والثقافة والإنسانية. من هنا حبي لبلادي يوازيه حبي لهذه الـ ‘إسبانيا’ التي فيها هؤلاء الأصدقاء، لهذا البلد الذي يضم جزءا من تاريخنا، لهؤلاء الناس الذين يناصروننا، نحن يجب أن نعرف جميعاً أن أكبر مظاهرات في العالم إنّما جرت في إسبانيا أثناء الحرب على العراق، وأن مشاركة الحكومة الإسبانية السابقة في العدوان على العراق كانت سببا في إسقاط تلك الحكومة، وجاء الشعب بالاشتراكيين من جديد، وهذا شيء مهم. فمن هنا علاقتي بإسبانيا هي علاقة الأصدقاء، علاقة المحب، علاقة الذي كيفما نظر يجد صديقاً يجد مرتعاً، يجد بيتاً.
ـ رفعت عطفة عرف مترجما، أين أعماله الإبداعية في الرواية أو القصة ومتى يفصح عنها؟
الحقيقة أنا لست كاتبا مكرساً بمعنى المؤلف، الكتابة عندي هي حالة، وعندما تأتي الحالة أكتب وما أكتبه في كثير من الأحيان صادم على أكثر من مستوى، ولأننا أحيانا نخلط بين الواقع والأدب، كنت أرسل بعض أعمالي للنشر فترفض وهذا شيء مؤسف، لأن الأدب تعبير عن حالة في الواقع وليس الواقع. لو كان الواقع لما كتب الإنسان. أذكر صديقا يكبرني عمراً كان يكتب شعراً بشكل رائع جداً، يكتب إلى حبيبته أو مشروع حبيبته، فعندما تحقق المشروع وعدت إلى مصياف مديرا للمركز الثقافي فيها، أول من خطر لي أن أدعوه من أجل أن يقيم أمسية شعرية، كان هو، فذهبت إلى بيته وقلت له إنني أدعوك إلى أمسية في المركز، فضحك من كل قلبه، لاحظت من ضحكته وكأنه يقول: ماذا يقول هذا الرجل؟ فقلت له لماذا تضحك قال لي لم أعد أكتب الشعر، قلت له هل تستطيع أن تقول لي لماذا فقال لي لأنني أصبحت أعيشه!
لذلك أقول عندما يعيش الإنسان الشعر لا يحتاج إلى كتابته، لكننا نحن نريد أن نعيش الشعر وأن نكتبه، أن نعيش الرواية وأن نكتبها، لكن الرواية دائما تتخطى الواقع، وفوق الواقع، نحن دائما نخلط بين الأمرين، نُحيل الأدب إلى الواقع وكأنّه سورة طبق الأصل. كتبت قصة ذات يوم فاعتبروها قصتي وطلقوني من زوجتي، وأنني أعتدي على الأماكن المقدسة، لأن القصة فيها مشهد جميل بين رجل وامرأة يتوحدان في الطبيعة، والطبيعة فيها مزار، فكانت قصة أحدثت إرباكا كبيراً لي شخصياً، لأنني لا أبحث عن إثارة أحد. إنني أكتب الأدب، لكن أريد أن أشير إلى المكان، لأنَّ المكان في العمل مهم جداً، وهو نقطة ارتكاز بالنسبة لي وليس نقطة حقيقية. نشرت مجموعتين شعريتين في إسبانيا، واحدة بعنوان (إغفاءات على حلم متكرر 1999) والثانية (قصائد الحب والأمل 2006). في القصة القصيرة نشرتُ في الوقت الحاضر مجموعة بعنوان (الرجل الذي لم يمت نشرت في مدريد 2008) ورواية أنهيتها في عام 1992 بعنوان (قربان) وقد أجلت نشر هذه الرواية لأنني فقدت فصلاً منها، ولأني أكتب وجدانيا بمعنى أن الكتابة تأتي دفقا فلا أكاد أغير في ما أكتب، إنما أصحح الأخطاء فقط، ولم أستطع أن أعثر على هذا الفصل فقد رحتُ أؤجّل نشرها إلى أن صدرت عام 2008 في مدريد أيضاً.
القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى