الرئيسية » صفحات السياسة » صفحات سورية » المشهد من قلعة الفرسان

المشهد من قلعة الفرسان

null

ألكسندر كوكبرن

قبل ثلاثين عاما خلت حيث كان عمر “اسرائيل” لا يزيد على نصف عمرها الحالي، أجريت مقابلة مع الجنرال “الاسرائيلي” “ماتي بيليد” في نيويورك، وكان بيليد فظا واضح القسوة كمسؤول إداري للاراضي الفلسطينية المحتلة ولكنه أصبح من المعتدلين والحمائم بعد تقاعده، يحث “إسرائيل” على التفاوض جديا مع الفلسطينيين وإلغاء ما يصفه بالمستوطنات “غير الشرعية” والتخلي عنها والعودة الى خطوط عام ،1967 والعمل على حل جميع القضايا والمسائل الاخرى التي تعرقل التوصل الى سلام كامل ومناسب.

وسألت الجنرال السابق: “ما الذي سيحدث في اعتقادك إذا لم تأت أو تظهر حكومة “إسرائيلية” قوية بما يكفي لسلوك مثل هذا الطريق؟” فرد قائلا: “أظن أن الأمر سينتهي بنا كما انتهى بالصليبيين، قد يستغرق الأمر بعض الوقت ولكن سيحل بنا ما حل بهم، وسنختفي وننتهي في نهاية المطاف”.

في ذلك الوقت كان الأمر مفزعاً ومهماً أن يتحدث أحد في “إسرائيل” بهذه الطريقة وعن أمور كهذه أن تسمعها من اي “إسرائيلي” ولاسيما من رجل عسكري. ومن الطبيعي وكعادته دائما يحب اللوبي “الاسرائيلي” في الولايات المتحدة تصوير “إسرائيل” المحصنة والمدججة بالسلاح بأنها على بعد خطوة واحدة فقط من الإبادة من العرب المتعطشين للدماء، إلا إذا قدمت لها الولايات المتحدة دعماً دبلوماسياً وسياسياً غير مشروط ومساعدات مالية بلا حدود، لكن أحداً لم يصدق هذا. وبالعودة الى ذلك الوقت كان معظم الناس يظن أنه يمكن التقارب بين الاطراف المعنية نحو صفقة مقبولة او اتفاق معقول ضمن إطار العمل الذي توفره قرارات الامم المتحدة. صحيح أن مثل هذا الاتفاق لن يتضمن كل شيء يريده الفلسطينيون لكنهم سيقطعون من خلاله نصف الخطوات باتجاه الوضع شبه الرسمي والمناسب للدولة الفلسطينية، فالمستوطنات سوف تتوقف وربما يتم إخلاؤها أو تفكيكها.

وبحلول عام 2008 تبدو هذه الافكار والآراء قديمة غريبة في سحرها كبطاقة تهنئة قديمة بعيد الميلاد تعود إلى العصر الفيكتوري. ولا يزيد مفهوم الدولة الذي عرضه “الاسرائيليون” المتعجرفون عن كشكول أو مزيج من الجيوب المنفصلة والمتباعدة والمحاصرة بالمستوطنات وتخترقها طرق عسكرية لاستخدام اليهود وحدهم مع إذن محدود للوصول الى المياه. وقد سارعت الولايات المتحدة ودول الاتحاد الاوروبي الى وصف حركة حماس بالحركة الارهابية بعد فوزها كحزب سياسي في انتخابات ديمقراطية حرة نزيهة صوت فيها الفلسطينيون الذين يسيطر عليهم الاحباط واليأس.

وحينما استنكر الرئيس الأمريكي الاسبق جيمي كارتر – والذي كان في البيت الابيض وقت مقابلتي مع الجنرال بيليد – الحصار الذي تفرضه “اسرائيل” على قطاع غزة ووصفه بأنه جريمة مروعة ضد المدنيين قبل اسابيع قليلة، هوجم بشراسة وتم تعنيفه ووصفه بأنه شريك في الارهاب. ويتم طرح عدد متزايد من الاسئلة في الولايات المتحدة منذ اكثر من جيل عن دور اللوبي الصهيوني لكن هذه التساؤلات تبقى أمواجاً رقراقة في محيط عريض من الدعم المطلق والشامل من الكونجرس لكل ما يمكن أن يطلبه الصقور في “اسرائيل”. ففي هذا العام وكما في الاعوام السابقة فإن أياً من المرشحين الثلاثة لسباق الرئاسة نحو البيت الابيض لم يجرؤ على عمل اي شيء أكثر من مسايرة اللوبي والتسابق على تأييده. وربما تكون المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون قد أثارت اضطراباً ومارست تحريضاً باستخدامها مفردة “محو أو طمس” ضد ايران في حال هددت وجود “اسرائيل”، ولكن المتنافسين الآخرين سيقولان الشيء ذاته اذا ما تعرضا للضغط، وبالطبع فإن كلمة “تهديد” قد تعني غالبا كل شيء أو أي شيء.

وخلال رحلته الى “اسرائيل” الاسبوع الماضي (والتي لم تكن فقط لمشاركتها احتفالاتها بالذكرى الستين لقيامها وطرد الفلسطينيين وتهجيرهم عام 1948) أعرب بوش عن أمله في إنهاء رئاسته التي امتدت ثمانية اعوام بالضغط على الصقور والمتشددين “الاسرائيليين” لبلورة نسخة ثانية من اتفاقات اوسلو – اوسلو-2 ليضع بذلك حدا لمصادرة الاراضي الفلسطينية ووضع جميع اتفاقات الامم المتحدة برسم الامانة في سلة مهملات التاريخ، وقد زامن رحلة بوش ل “إسرائيل” سوء الحظ الناجم عن اتهامات خطيرة تم توجيهها الى رئيس الوزراء “الاسرائيلي” إيهود اولمرت بالفساد المالي. وتهدد علاقة اولمرت بمساهمات مالية كبيرة حصل عليها من رجل الاعمال الأمريكي موريس تالانسكي من جزيرة لونغ آيلاند بالاطاحة برآسته، وقد تعهد بالاستقالة اذا تمت ادانته ولكن واقع الحال يشير بقوة الى أن أيامه اصبحت معدودة. وسيكون تعايشه وعمله مع اي حكومة ائتلافية جديدة شأنا مطولا ويمكن أن يستغرق وقتاً.

ومع ما تحدثه موجات الصواريخ الفلسطينية التي تطلق من غزة على عسقلان من ضجة ورعب فإن احدا لن ينسى قدرة حزب الله على إطلاق موجات مماثلة. وفي وقت مبكر من هذا الاسبوع نظرت جنوباً على “إسرائيل” من قلعة الفرسان اعظم قلاع الصليبيين التي تمتد فوق الساحل السوري المنبسط والتي تبعد اربع ساعات بالسيارة عن دمشق. وقد وصفها “تي. إي. لورانس” بانها قد تكون افضل قلعة تحظى باعجاب كلي في العالم. ورغم جهود صلاح الدين الايوبي إلا انه لم يتم على الاطلاق اخراج “الاسبارتيين” الذين ينتمون الى فرق عسكرية دينية تم تشكيلها في بيت المقدس في القرن الثاني عشر من تلك القلعة بالقوة وقام السلطان المملوكي لمصر الظاهر بيبرس بإخراجهم بالمفاوضات عام 1271م بعد احتلال الصليبيين لها لمدة 162 عاما.

وأنا اقف على البرج الجنوبي العظيم للقلعة (الذي استكمل تشييده مهندسون فرنسيون خلال الثلاثينات من القرن الماضي) تذكرت ملاحظات الجنرال بيليد عن “اسرائيل” والصليبيين الذين احتفظوا بسيطرتهم على القلعة ما يزيد ثلاث مرات على عمر “إسرائيل”. والحدس امر خطير لكنها حقيقة أن الصقور امثال بيليد واعداد اخرى من الحمائم ممن كانوا في موقع المسؤولية في السنوات الاخيرة لم يساندوا أمن “إسرائيل”، وفي المدى المتوسط والبعيد ساوموا وفاوضوا عليه بشكل حساس وخطير. وقد تغير ميزان القوى في المنطقة بشكل كبير ضد السيطرة الأمريكية منذ جيل أو جيلين. وسيذهب بوش قريبا وربما يسبقه اولمرت. وكل من يزور “إسرائيل” لا بد له من زيارة او جولة الى نصب “ياد فاشيم” الذي يرمز الى ذكرى ضحايا الكارثة والمحرقة من اليهود، وربما كان جميع السياسيين يفكرون مليا في الامن ل “إسرائيل” والعدل للفلسطينيين وضرورة إعطائهما زيارة أو جولة اجبارية كتلك التي يقومون بها لقلعة الفرسان في حمص.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.