الرئيسية » صفحات السياسة » صفحات سورية » حزب الله مقاوماً في بيروت

حزب الله مقاوماً في بيروت

null

ياسين الحاج صالح

لو أجري استطلاع للرأي العام اللبناني متضمنا سؤالا عما إذا كان اللبنانيون يحبون إسرائيل أو يثقون بها، لكان من المرجح أن تجيب أكثرية ساحقة بالنفي. غير أن من المستبعد أن تجيب أكثرية الأكثرية هذه بأنها مستعدة لبناء الحياة السياسية اللبنانية حول مواجهة نشطة مع إسرائيل، أو “المقاومة”، على نحو ما يبدو أن حزب الله وحلفاء إقليميين له يفضلون. وظاهر أنه ثمة حلفاء محليين لحزب الله لا يشاركونه إرادة محورة السياسة اللبنانية حول “المقاومة” أو اعتبار هذه مصدر الشرعية العليا. ومن هؤلاء بلا شك العماد عون، ومنهم بالتأكيد أيضا حركة أمل.

والأرجح أن ما يصح على أكثرية اللبنانيين يصح كذلك على أكثرية السوريين. وإذا استشهدنا عليه بسياسته العملية، لا ببلاغته الإعلامية، فالحكم السوري أكثر من يدرك ذلك.

وهذا بعدُ مسلك عقلاني. فعموم الناس يدركون أن الحرب ليست تعبيرا عن مشاعر العداوة بل هي شأن متصل بموازين القوى والكسب والخسارة والبدائل المحتملة وشروط البيئة الإقليمية والدولية…

وليس إلا تطويقا لهذا الإدراك الحصيف ومزايدة عليه تحويل “المقاومة” إلى “أمر مطلق” أو قضية مقدسة ومرفوعة فوق النقد والتحفظ. أما دوافع التطويق والمزايدة فهي “سياسية”، تتصل بالصراع على السلطة والمكانة والهيبة والنفوذ، مما هو شائع ومعروف.

لكن حتى لو أغفلنا أن معاداة أكثرية اللبنانيين لإسرائيل لا تعني ترحيبهم ببناء السياسة اللبنانية حول المقاومة، فلا يمكن أن نغفل عن أن حزب الله يثابر على نقل رساميل سياسية ورمزية تحصلت له من مواجهة إسرائيل إلى الميدان السياسي الداخلي. أي من مجال ما يفترض أنه سيادي وإجماعي إلى ميدان ما هو سياسي وخلافي تعريفا. مكّنه من ذلك شيئان. أولا، معادلة متناقضة ذاتيا تقرر أن الحزب هو المقاومة (الوطنية اللبنانية)؛ الخاص هو العام. هذا متناقض منطقيا، لكن تاريخ ربع القرن الأخير تكفل بالحيلولة دون ضبط الواقع بالمنطق، أي عقلنته. ومن هذا التاريخ ضعف تأسيس للدولة اللبنانية في بيئة إقليمية بالغة القسوة، ومنه قوة الأطراف التي يلبي مصالحها صون التكافؤ بين طرف مخصوص ووظيفة وطنية عامة. وثانيا، جسر كلامي أقامه زعيم الحزب، حسن نصر الله، بين “مقاتلة من يريد نزع سلاح حزب الله لمصلحة عدو” وبين “القتال على الجبهة” الذي “لا يعتبر قتالا في الداخل”. وعبارتا “من يريد نزع سلاح حزب الله” و”لمصلحة عدو” دعامتان إيديولوجيتان لا يقف الجسر من دونهما.

والواقع أنه مما يتعارض مع طبائع الأمور أن يمتنع طرف سياسي، أهلي فوق ذلك، وفي بلد مثل لبنان متعدد الأطراف ويكاد يكون بلا مركز، عن توظيف مكاسب حققها من القيام بوظيفة عامة في معركة سياسية، خاصة تعريفا، موجهة ضد أطراف لبنانية أخرى، إن لم نقل ضد حكومة البلد. لكن إن قام بذلك، كان وفيا لطبائع الأمور هذه التي بنى هويته على التحفظ عليها والترفع عنها، فانخرط في السياسة، وهي مجال الخلاف والتنازع.

والحال، ليس حزب الله ملوما إلى انجراره إلى معمعان السياسة. إنه حزب سياسي، وهو مدعو إلى تعهد صفته السياسية بصورة متسقة، وأن يكف عن الجمع بين المقاومة والمعارضة، بين المشاركة في السيادة وفي السياسة معا. فإن أصر على المقاومة كان عليه أن يمتنع عن المعارضة. وهذا أصل منع الجيش من الاشتغال بالسياسة في أكثر بلدان العالم. فوظيفته الوطنية السيادية تتعارض مع الانغماس طرفا مثل غيره في صراعات سياسية. فإن ولج حزب الله ميدان السياسية، على ما يدعوه مفهومه وتدفعه غريزته، تعين عليه أن يتخلى عن الوظيفة العامة والسيادية. وهذا أيضا أصل من أصول الديمقراطية. ويتصل به أن أول ما يحرص رئيس الجمهورية في بلد ديمقراطي على إعلانه هو أنه رئيس لمواطني بلاده كلهم، مخفضا من صفته الحزبية.

ومعلوم أن الخلط بين السيادي والسياسي سمة بلدان يجري فيها تسييس الجيوش (“الجيش العقائدي”)، وتسييد السياسيين وتحزيب الدولة على نحو ما هو الحال في سورية منذ 45 عاما. وقبل أن يكون هذا بابا لإفساد السياسة العملية فإنه يقوض فرص عقلنتها. وهذا أدهى وأمر لأنه يفسد العقل ذاته، فيجعل الإصلاح مستحيلا. والإصلاح المستحيل لا ينقلب ممكنا دون المرور بخراب عظيم.

يستمد حزب الله شرعيته من اضطلاعه بوظيفة المقاومة، كما قلنا. لكن فوق أن اضطلاع حزب ما بوظيفة عامة غير عقلاني، فإنه غير عادل. فما يتعين على عموم اللبنانيين النهوض به (مقاومة عدو) لا يجوز أن يتحمله طرف بعينه. فإما أن ينهضوا به جميعا، ممثلين بالجيش النظامي، والأرجح أنهم لا يرغبون بذلك على نحو ما ذكرنا في مطلع هذه المقالة؛ أو أن يرفع الطرف المعني العبء عن كاهله، فيتحرر ويرتاح. وهذا عين الإنصاف والعدل. لكن كل المظاهر تدل على أن الطرف المعني سعيد بهذا “العبء”، لا يرغب في إلقائه عن عاتقه ولا في إشراك آخرين في حمله. ينبغي أن يكون هذا غريبا، أليس كذلك؟ لكنه ليس غريبا إلا إن كنا نحتكم إلى المنطق، أو إلى تصور للعدالة منزه عن الغرض. وليس هذا واقع الحال في لبنان.

وما نريد أن نبنيه على هذا الكلام هو أن عبء حزب الله الوطني، الذي يضمن “طهارة سلاحه” و”شرف قضيته”، هو العبء الذي ينهض به مختارا، فلا يحق له أن ينقل “الشرف” المتحقق من النهوض به من الجنوب إلى بيروت. إن السياسة لا تعرف فضيلة “أشرف” من العقلانية والاتساق والمسؤولية العامة. أما إدخال “الطهارة” و”الشرف” إلى ميدان السياسة النسبي فهو تخريب لهما معا. وهو نذير بقيام سلطة شمولية ترى في كل اعتراض عليها مساسا بشرفها، وتطالب مواطنيها بإثبات شرفهم أمامها بدلا من العكس.

ثمة مخرج واحد من التناقض المتجسد في حزب الله والمرشح للتفجر بين حين وآخر: أن يستولي حزب الله على الحكم في لبنان ويمد سلطته في أرجاء البلد جميعا، معلنا من نفسه وحلفائه شرعية ثورية. قد تميز الشرعية هذه بعد حين بين مقامي السيادة والسياسة أو لا تميز، لكنها تلغي شرعية التمييز القديم. وككل ثورة، فإنها وعد مبدئي بعقلانية مختلفة، أرقى.

حزب الله لم يفعل ذلك. هو يدرك كم أنه طرف لبناني بين أطراف. كم أن السياسة مصيره. إلا أنه يفضل النهوض بوظيفة سيادية لأنها الطريق “الأشرف” إلى موقع امتيازي في السياسة. لكن هذا غش.

ليس حل التناقضات المفهومية حلا للصراعات الواقعية، لكن لا يستقيم حل لصراع واقعي دون أساس مفهومي متين. ولا “يضاين”.

خاص – صفحات سورية –

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.