الرئيسية » كتاب الصفحات » بكر صدقي » لماذا تحتفل الأحزاب السياسية بذكرى تأسيسها عاماً بعد عام؟

لماذا تحتفل الأحزاب السياسية بذكرى تأسيسها عاماً بعد عام؟

null

بكر صدقي

احتفل الحزب السوري القومي الاجتماعي، في أواخر العام الماضي، بمرور 75 عاماً على تأسيسه، فوزع ملصقات بهذه المناسبة على شوارع المدن السورية. ومر على تأسيس الحزب الشيوعي السوري أكثر من ثمانين عاماً، والنضال مستمر «بنجاح منقطع النظير» كما يكتب على ملصقات الأفلام السينمائية في تمديد عروضها أسبوعاً بعد آخر..

يتضح من الإعلان الصاخب عن اليوبيل الذهبي أن الحزب المعني فخور بهذه الشيخوخة، أو «الشباب الدائم» كما سيسميه هو على الأرجح، في حين أنه يجدر بالمراقب المحايد أن يتساءل عن فضيلة استمرار حزب من الأحزاب السياسية لمدة تناهز ثلاثة أجيال من البشر. في المقابل يحق لمنتج صناعي أو مؤسسة اقتصادية أن تفخر بعمرها المديد الذي يخترق الزمان والأجيال والأصقاع، فذلك برهان على جودة المنتج أو مصداقية المؤسسة عند أجيال من المستهلكين.

يقوم المفهوم العقلاني للحزب السياسي بالمعنى الحديث على برنامجه السياسي. ويعني البرنامج وحدة الأهداف والوسائل المؤدية إلى تحقيقها. من غير الممكن على منظمة من الأفراد اجتمعت على برنامج سياسي معين أن تستمر متماسكة مع تغير المعطيات السياسية، وهذه سيالة بطبيعتها، من غير تغيير البرنامج السياسي نفسه. فإذا تمتع الحزب بالدينامية المأمولة وغيّر برنامجه مع تغيّر الظروف، حقّ له أن يغيّر اسمه أيضاً انسجاماً مع برنامجه الجديد، وغالباً ما يتطلب ذلك تغييراً جزئياً أو كلياً في كادره القيادي المقرر أيضاً، ذلك أن الأفراد قلما يغيرون قناعاتهم المكتسبة بمرونة.

لكن الصورة تختلف إلى حد كبير حين يقوم الحزب على عقيدة إيديولوجية بديلاً من البرنامج السياسي، وهذه حال الغالب الأعم من أحزابنا، فالعقائد أقل عرضةً للتغيير وغالباً ما تشكل هويةً لحامليها. من غير التعمق في سر جاذبية الإيديولوجيا، يمكن الحديث عن حاجة سيكولوجية إلى عقيدة تجمع الأفراد وتشعرهم بالأمان، مختلفة، في الوقت نفسه، عن الروابط الطبيعية أو الثقافية الأوسع (الأمة مثلاً)، تلبي حاجات من نوع الشعور بالتميز أو التفوق أو الاختلاف. إن الانتماء إلى قطيع صغير يمنح الشعور بـ«تفوق» موهوم على القطيع الأكبر. ففي هذا الانتماء مكسب مزدوج: كل فرد في الجماعة المخصوصة يشعر بتميزه عن وعلى الجماعة الأكبر، من غير أن يخسر شعوره بالانتماء الذي يمنحه الأمان.

بهذا المعنى لا يختلف الانتماء إلى عقيدة إيديولوجية عن الانتماء إلى دين أو طائفة، الأمر الذي نرى تجلياته في توريث الانتماء الإيديولوجي وفقاً لنسق عائلي، فبوسعك أن تصف عائلة ما بأنها شيوعية أو بعثية أو ناصرية، على سبيل المثال، واللافت أن العائلة المعنية لا تستاء من هذا التوصيف، بل تفخر به. «لقد ربيتُ أولادي تربية شيوعية» يقولها أب وهو ينتفخ زهواً! أو يقول آخر إنه ربى أولاده على مبادئ الدين الحنيف، ويتوقع منك أن تشكره على ذلك. يندر أن تجد أباً في بيئتنا الثقافية يفخر بأنه ربى أولاده على التفكير الحر والاستقلالية الفردية، ونادراً ما تجد ابناً علمانياً لأب إسلامي، أو ابناً شيوعياً لأب بعثي أو ناصري.

أميل إلى الاعتقاد بوجود علاقة عكسية بين وهن الرابطة الوطنية وقوة الرابطة الإيديولوجية. بعبارة أخرى يرتفع الطابع الإيديولوجي للأحزاب السياسية كلما انخفضت سوية الاندماج الوطني. وفي المشرق العربي خاصةً نلاحظ تقدم الانتماءات الطبيعية على الانتماء الوطني، فتبدو الأحزاب السياسية وكأنها انعكاس أمين لنقص الاندماج الوطني هذا، فنصبح أمام صورة للتفكك الوطني في صورة أديان وعشائر و»أحزاب» وطوائف متجاورة وغالباً متصارعة فيما بينها. وإذا كان للهويات الجزئية القائمة على الروابط العضوية أن تبرر ذاتها وفقاً للقيم التقليدية، وإذا كان للهويات الجزئية القائمة على الانتماء الديني أو المذهبي أن تبرر وجودها بقوة الأمر الواقع، فلا تملك الأحزاب السياسية ترفاً مماثلاً بسبب مرجعياتها الحديثة بصورة عامة (حتى الحركات الإسلامية مرجعياتها حديثة، عنيتُ تأويلات حديثة للإسلام: أبو الأعلى المودودي أو سيد قطب مثلاً مرجعان فكريان حديثان). وهكذا يفقد معناه وقيمته تعريض حزب إيديولوجي بآخر طائفي، ما دام للأول «طائفته» الخاصة أيضاً.

من هذا المنظور يمكن تفسير الانقسامات السياسية الحادة في معظم بلداننــا، فهي انقسامات وطنية حادة تبــدو بلا حل، سواء قامت على أسس أهلية واضحة أو أسس إيديولوجية تحاول التستر بستار سياسي. وهذه بيئة مثالية لتدخل الفاعلين الخارجيين، بما يحوّل الانقسامات الداخلية مجرد امتدادات لهم.

الحياة – 25/05/08

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.