الرئيسية » صفحات البلد » صفحات الناس » سورية أمنا…جميعا

سورية أمنا…جميعا

null
غسان المفلح:
إلى
A-N
أطيح بكل ولاءتي…ولكن لماذا؟
بلا ولاءات، ولا عناء أيديولوجيا، ولا شغف بالذات يصل حد الفرادة المرضية، ولا قراءة تخلو منها ذاتيتنا وفق الموقع الذي نكتب منه وفيه، وفق شرطي المكان والزمان،
سورية حنين أكتبه يوميا عندما أفتح عيني في صباحات أوروبا الباردة، أو الدافئة، أفتح عيني مرة على صورة ساحة جامع البشير قرب بيتي في دمشق، أو مدخل جديدة عرطوز حيث سكنت مع رفيقة عمر..قبل أن تأخذ أية صفة أخرى، وأحيانا أستيقظ وأنا أشتم رائحة غبار المخيم، بشقيه فلسطين واليرموك، ثم أنظر إلى شوارع مدينتي السويسرية التي تقبع في منتصف جبال الألب، أرى أنها في عالم لا تنتمي سورية إليه، عالم يستطيع أن ينسيك حتى أسمك، لجماله ولنظافته ودقة تنظيمه، وخدماته، كثيرة هي المرات التي أدمعت عيناي فيها، لماذا لا تكون الشيخ مسكين- مدينتي الصغيرة في درعا كما هي Wattwil مدينتي السويسرية الصغيرة الآن؟
مدينتي السويسرية هذه لا يوجد فيها سوى جبال وأبقار وبعض من زراعة مكلفة، ومناطق قليلة للتزلج، بينما الشيخ مسكين فيها زراعة وفيها أراض يمكن أن يعيش منها بلد بحاله، فيها مناطق جميلة، وفيها مفارز مخابرات” أمن دولة وأمن عسكري وأمن سياسي وشرطة عسكرية إضافة إلى قسم الشرطة، وسمعت أنهم أضافوا مفرزة أمن جوي، رغم ان قريتي ليس فيها أي مطار” أذكر شجرة الليمون التي زرعتها أمي” ونبت فيها فرعان الأول يعطي ليمون، والثاني يعطي كرمنتينا، شيء يدعو للعجب، وبقيت أمي على مدار عشر سنوات، تقطف الليمون والكرمنتينا من هذه الشجرة وتحضرها لي كل زيارة إلى سجن صيدنايا العسكري، وتقول لأخوتي معنفة أحيانا” لا تقتربوا من ثمر الشجرة، فهذه لغسان لأنه كان يحب أن يشرب المتة صباحا تحتها، وخاصة في الربيع عندما يأتي من دمشق، فهي له” قلبي الآن موجوع ودام، ليس لأنني نادم على ما أقوم به، وليس لأنني اعتبر أن ما أقوم به هو واجب شبه مقدس تجاه خيمتي التي هاجرت منها” سورية” بل لأنني فقط” لازلت مؤمنا بأن الحب ساهم ويساهم جديا في صنع التاريخ في محطات كثيرة ومهمة. ولهذا عندما تتعرض للخيانة في حبك، فأنك تيأس من هذا العالم كله، ومع ذلك لا تيأس من سورية.
لو سالني أحد ما، ما الذي تكتبه وأنت منغمس في لغة السياسة الجافة والحقيرة أحيانا؟ سأجيبه بلا تردد” لا أعرف!! كنت في السجن أمارس كتابة الرواية، وكتبت عدة روايات نالت إعجاب بعض رفاقي، وخاصة شاعرنا الجميل فرج بيرقدار- يعني ليس جميلا كثيرا!! لا تزعل فرج… ولم تنل إعجاب بعضهم، وخاصة تجربتي الأولى في كتابة الرواية، قد تعرضت لتعنيف شديد من رفيقي وصديقي مشروع الروائي مالك داغستاني الذي توقف! ولا أعرف لماذا توقف بعد ان أصدر روايته الدوار كما أسماها، عنفني بشدة، ولا أذكر لماذا؟ ربما أذكر ولا أريد ان أشغل القارئ بهذا التفصيل الممل. كتبت في السجن سبع روايات كانت سورية بطلتها، هكذا الأمر باختصار، سواء كانت سيرة ذاتية لأحد ما، أو رواية فيها من الخيال الكثير، كلها كانت تكثف سورية كما كنت أعيشها في السجن، ولا أعرف لماذا لم أستطع الاقتراب من هذه المسودات بعد خروجي من السجن رغم مرور عشر سنوات. كان عقلي لا يهدأ… جموح من السؤال..جموح من عدم الركون لأية مقولة جاهزة، وكنت أبحث عن سورية، في الشمع والورد الذي كانت ترسله لي” د” إلى السجن، وحتى عندما كانت ترسل لي ثيابا داخلية أبحث فيها عن إجابة لسؤال” كيف هي الآن سورية خارج أسوار سجن صيدنايا العسكري مفخرة السجون السورية، مكيف بالبرد وبساطير العسكر، ومليء بالأطعمة التي تسرق قبل أن تصل إلينا، ومع ذلك كانت معاملة مدير السجن لنا” الضابط محي الدين محمد معاملة عموما معقولة. وهذه من باب الأمانة، صحيح عندما يتعكر مزاجه يصبح عدوانيا لكنه سرعان ما يهدأ.
سورية كما عشتها وكما اعيشها هي كهذا البوح مبعثرة في مناحي جسدي، وفي أثير روحي كذرات لا ترى وإنما تعاش.
لا أعرف أيضا كتبت هذا المقال وأنا أستمع لفايزة أحمد، وصديقتي مشغولة بأعمال تحبها النساء، جاءت إلي ورأتني مسترسلا وقرأت قليلا ما كتبت، وقالت لي” ألا تريد ان ترتاح من هذا الشقاء..فقلت لها” وهل يستطيع المرء أن يرتاح من نفسه، إلا بالموت؟
هذه سورية، التي أكتب فيها ولها، ولا أعرف إلى متى سنبقى نكتب، شكائين بكائين، ولا نعرف أين سنجد حرية دمشق، أهي في واشنطن أم باريس؟ في موسكو أم في تل أبيب؟ أهي في الرياض أم في طهران، في أنقرة أم في لندن؟ أم لدى شعبنا المنهك برغيف الخبز وما يحدث في غزة والعراق والآن اليمن أدخلوه على الخط!؟
كثيرة هي المرات التي قررت فيها هكذا وبلا سابق إنذار أن أنزل إلى سورية، ولكنني كنت ولازلت، وسأبقى مرعوبا من فكرة الزنزانة، أو من فكرة ضابط يستقبلني بقوله” ابن القحبة ..أو ابن الش…الخ المعزوفة…وكان آخر مرة قررت فيها وتراجعت في اللحظة الأخيرة منذ شهرين تقريبا..كنت يائسا من عالم يتواطأ مع ظروف نظامنا على شعبنا. ونظام لا يحمل الحد الأدنى من الإحساس بشعبنا، أبدا، نظام أحيانا أشعر أن صديقي الدكتور عبد الرزاق عيد يملك كل الحق في الكتابة عنه في هذه اللغة التي عقليا أختلف معها أحيانا. ما الذي بقي من سورية” غير آل الأسد وآل مخلوف وآل العلمانية وآل إسلاميي تعليق المعارضة من أجل غزة؟
مع احترامنا الشخصي للجميع.
قولوا لنا: ما الذي بقي من سورية في الإعلام العالمي والعربي، هل بقيت ذكرى زيارة سعد الحريري، أم ستبقى ذكرى زيارة وليد بك جنبلاط القادمة إلى سورية؟
أم ستبقى مرتعا لمراسلي الجزيرة والعربية؟
يتبع……

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.