صفحات ثقافية

نص الاستتباع

null


نديم جرجورة

لم يسقط النصّ الثقافي اللبناني وحده إلى أسفل الدرك الأخلاقي، بسبب حدّة النزاع المذهبيّ والسياسي الطائفي، لأن تعليقات سياسية مكتوبة ومرئية بلغت حدّاً لا يُطاق من الشتم والتناحر والتحريض المذهبيّ والسياسي الطائفي المبطّن والمباشر. لم ينحدر المستوى الأدبي للنصّ الثقافي هذا وحده إلى مرتبة التسطيح والغوغائية لارتباط أصحابه بفئة طائفية أو تيار مالي أو جماعة مذهبيّة، لأن المنطق السائد لا يزال يسعى إلى نهش الآخر وإلغائه.

هناك تأثير سلبي فظيع للأحداث الأخيرة على هذين النصّين، اللذين توغّلا أكثر فأكثر في عمق الجراح النازفة بدلاً من العمل على تضميدها بلغة المنطق والموضوعية السوية. هناك بشاعة حصلت في الأزقّة والمدن أفضت إلى إعادة انتشار جغرافي خطر في أوساط ثقافية وصحافية وإعلامية، يستحيل معها قراءة الآنيّ بهدوء نقدي وسجالي. هذا صحيح. لكن ما جرى مؤخّراً نتاجٌ واضحٌ لحدّة الاستقطاب السياسي المذهبيّ العنيف الذي شقّ المجتمع اللبناني منذ اغتيال رفيق الحريري، وهي حدّة اشتغل فيها مثقفون وصحافيون، فأصابت النصّ المكتوب بتأثيراتها العنفية القاتلة، محوّلة إياه إلى بوق إعلاميّ لهذا الطرف أو ذاك، بدلاً من أن يحافظ كاتبه على حيوية الكتابة السجالية الخالية من قذارة السياسة ومن الوحول اللبنانية التي أغرقت الغالبية الساحقة من اللبنانيين في التبعية العمياء لزعيم محلي أو لفئة لبنانية أو لجماعة مرتبطة بأجندة خارجية.

فَقَد النصّ الثقافي قيمته النقدية عندما بزّ الخطاب السياسي في استخدام التعابير النابية والمفردات البذيئة. وفَقَد التعليق الصحافي أهميته السجالية عندما باتت غالبية كتّاب التعليقات والتحاليل الصحافية منسحقة أمام وطأة ارتهانها لزعامات وجماعات، على الرغم من أن هؤلاء جميعهم يتباهون بدفاع شرس عن «قضية» و«شعب». يزداد الوضوح القاتل لهذا الفقدان المزدوج عشية الذكرى الثالثة لاستشهاد الزميل سمير قصير (2 حزيران 2005)، لأن الرجل حافظ على معنى الكتابة وجمالها وقدرتها على التأثير الفعلي والمهمّ، مع أنها بلغت معه مرتبة عالية من الحدّة النقدية في مواجهة التنين ومقارعة الشخص، من دون أن تسقط في الفجاجة والرندحة والشتم العشوائي. ذلك أن النصّ الثقافي والتعليق الصحافي اللذين وضعهما قصير في سيرته النضالية الحقيقية بلغا مرتبة رفيعة المستوى في الشكل والمضمون، وقدّما صورة راقية عن معنى الكتابة النقدية التي تستلهم من الثقافة الواسعة والمتشعّبة أدوات تعبيرها، والتي تُسخِّر المعرفة والوعي لحساب قضايا إنسانية وأخلاقية عادلة. عشية الذكرى الثالثة، يفتقد المشهد اللبناني أسلوباً صدامياً مشوّقاً في الكتابة ضد السلطان، وفي البحث المعمّق في دهاليز التاريخ والآنيّ اللبنانيين والعربيين، وفي آلية السجال النقديّ المرتكز على براعة في تشريح الواقع وتفنيد برنامج الآخر بالمحافظة على رونق النقاش وحيويته، وبالابتعاد قدر المستطاع عن الابتذال.

لم يكن سمير قصير وحيداً في هذا. لكنه انتمى إلى قلّة تزداد انكماشاً وسط انفلاش عنيف للعماء الثقافي القاتل.



مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى