صفحات مختارة

من يخترق الحائط؟

بقلم فوزي يمّين
بين صفير الرياح الافريقية الحارّة، وانبساط غاباتها البرّية المستريبة، تحطّ كأس المونديال رحالها جنوب القارّة السوداء هذه السنة. مرّة أخرى تشرئبّ أعناق البشرية وتصطفق أعلامها المتلوّنة لتكرّس بطلاً جديداً للعالم وتقدّسه! قد يقول البعض إن تجوال الكأس تاريخياً من أميركا اللاتينية الى أوروبا الى آسيا فأفريقيا (غداً الى دولة من دول الخليج ربما)، قد أفقد اللعبة شيئاً من احترافيتها، غير أن في هذا القول نفسه بعضاً من الشوفينية والتعالي دلالة أن أصحابه يعتبرون أنفسهم من أهل الحضارة أكثر من سواهم. لا، إمّا يكون المونديال فولكلوراً شعبياً عالمياً، بكلّ زخرفاته وتلاوينه، وإما لا يكون. من أتعس حذاء في أفقر حارة الى أحدث مدرسة احترافية لكرة القدم في أكبر حيّ بورجوازي. من كلّ الحضارات والأعراق والأجناس. فسيفساء غنيّة قلّ نظيرها في أيّ مسابقة رياضية عالمية أخرى. اليوم في زمن العولمة والانفتاح وتفكّك الهويّات، أصبح كلّ نوع من هذا الكلام ضرباً من النوستالجيا. فالأمجاد القديمة انتهت أو هي باقية في الأرشيف وقوالب الواجهات الزجاجية وقلوب المشجّعين. فمجد فرنسا الحديث صنعه الجزائري زيدان، وألمانيا تجنّس أتراكاً، وأوروبا أفارقة. تقريباً أصبحت كلّ المنتخبات بمسوى متقارب واحد. صحيح تنقص أحياناً الخبرة والعراقة والصلابة والثبات وخوض المباريات الحاسمة والتطوّر العلمي والغذائي و…، غير أن مسائل كهذه تسقط فجأةً في الملعب ولا تعود كثيراً في الحسبان. منتخبات عريقة تنهزم أمام منتخبات هزيلة أو تفوز عليها بشقّ النفس أحياناً.
***

أحياناً تنقص أيضاً قدرة المدرّب التي يُعلَّق عليها اليوم أكبر الآمال في تحقيق الانتصارات (كابيلو الايطالي يدرّب المنتخب الانكليزي)، وهذه مسألة في غاية الأهمّية في عصرنا الحالي. فقد بات المدرّب يأتي في قائمة مشروع كلّ فريق، لما يتقنه من أسلوب فنّي في اللعب ولأنه يقيم علاقة ترابطية مع اللاعبين. فمن الناحية الاستراتيجية عليه المحافظة على أسلوبه، وترجمته بطريقة في اللعب عبر تعليمات دقيقة، وشفافية في اتخاذ القرارات التكتيكية. من الناحية النفسية، عليه قراءة شخصية اللاعبين، بعث الثقة في نفوسهم، مدّهم بالحوافز، تقوية روح المجموعة لديهم ومراقبة تطوّرهم. فالعلاقة القديمة، العمودية جداً والتوجيهية جداً، بين المدرّب ولاعبيه، لم تعد دارجة في اللعبة المعاصرة. في القديم كان يزكي الحماسة ويحرّض، بينما اليوم نراه يتأمّل ويكتب. في كلّ حال، عليه دائماً أن يطوّر حركة السهم الرابط بين تعليماته الحازمة ومسؤوليّة لاعبيه في تطبيقها. وأن يتحلّى بالجزم القاطع، السريع والواضح، وإلاّ تضعضع اللاعبون واعتبروا أن المسؤولية غائبة. وأن يسبر سريعاً غور شخصيات كلّ لاعب، ما يحفّزه وما هي الرافعة التي تساهم في تقدّمه (مورينيو بارع في هذا المجال).
***
إجمالاً يتشكّل مقعد الاحتياط من حارس مرمى، مدافعَين، لاعبَي وسط، ومهاجمَين. لكن أحياناً، ولأسباب تكتيكية، تتغيّر هذه اللوحة بلاعب أو اثنين. نفسياً، على لاعبي الاحتياط أن يكونوا مندمجين بروحية الفريق، وجاهزين للدخول الى أرض الملعب في كل لحظة. يجب ألاّ يكونوا عبئاً على فريقهم. فبعضهم لا يضطلع بهذا الدور ويفشل، بينما البعض الآخر ينجح في ذلك. إذ عليهم تسجيل ما بين 5 و10 في المئة من أهداف فريقهم خلال الموسم. تكتيكياً، يجب أن يكون لديهم القدرة على الاستيعاب، وخصوصاً التأقلم مع أسلوب التبديل. ثمّ جسدياً، عليهم أن يكونوا مشحوذين بدنياً ليُحدثوا الفرق فور دخولهم. حتى أنهم يخضعون لحصّة تدريبية إضافية صبيحة اليوم التالي للمباراة، للمحافظة على لياقتهم البدنية. يهتمّ المدرّب بهم بقدر ما يهتمّ باللاعبين الأساسيّين، بل أكثر. ولكلّ تبديل مدلوله التكتيكي في المباريات: لاعب وسط بمهاجم، أو مهاجم بوسط، أو وسط بمدافع، بحسب الظروف. وقد أصبحت التبديلات التكتيكية ظاهرة شائعة في اللعبة الحديثة. لزيادة قوّة الفريق من خلال التأقلم مع لعب الخصم. مثلاً، إدخال لاعب جديد الى منطقة في أرض الخصم عاين فيها المدرّب نقطة ضعف ما. بشكل عام، وبين الدقائق الـ65 والـ75 من المباراة، يقوم المدرّب بتبديلاته التي غالباً ما تكون فاعلة ومفيدة.
***
ممّا لا شكّ فيه، أن لعبة كرة القدم تطورت بشكل هائل. حتى أنك عندما تشاهد مباراة ليست قديمة (في الثمانينات أو التسعينات) تلاحظ الفرق فوراً. من الملابس الى الملاعب الى التكتيك الى التكنيك، الى الكثير من المسائل والأمور. حتى في بعض القوانين التي جعلت اللعبة أكثر هجومية، وحافظت على سلامة اللاعبين من ناحية البطاقة الصفراء والحمراء، وضبط التسلّل قدر المستطاع. لكن على الرغم من ذلك كله بقيت الأخطاء التحكيميّة سيّدة الملعب، والتي قد تتسبّب بإخراج أكبر منتخب، ظلماً، من مباريات كأس العالم.
تطوّرت اللعبة، وما من جديد. تبدو اليوم كأنها أمام حائط مسدود. لعبة مقفلة، بمعنى من المعاني. فإذا كانت هولندا جاءت باللعبة الشاملة، وألمانيا بالصلابة الحديدية، والبرازيل بالرقص بالكرة والتكتيك الاوروبي، وايطاليا بالجري من دون الكرة، فما الجديد إذاً؟ ومن يفوز على من؟  لا أحد يدري.
إلاّ إذا أتى لاعب مجنّح كمارادونا واخترق الحائط! ¶
النهار الثقافي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى