زين الشاميصفحات العالم

لا خير في الديموقراطية العراقية إذا لم تكن معدية

زين الشامي
كل من تابع الانتخابات البرلمانية الأخيرة في العراق لابد أنه شعر بالسعادة لحصول مثل هذه الانتخابات، لأن مجرد حصولها مع نسبة الاقبال الكثيف هو في حد ذاته أمر يبعث على الاطمئنان بسبب الظروف الأمنية الصعبة التي يعيشها العراق منذ نحو سبعة أعوام، وبسبب الإرث السياسي الطويل للنظام البعثي، حيث عاش العراقيون تحت وطأته نحو أربعة عقود.
صحيح أن تلك الانتخابات شابها الكثير من العيوب والسلبيات لعل أبرزها محاولة بعض المرشحين، أو ربما غالبية منهم، رشوة الناخب العراقي وشراء صوته، إلا أنها تعتبر انتخابات ضرورية لبلد مثل العراق مازال في مقتبل الطريق ومازال يتلمس تحقيق سبل بناء الدولة واستعادة العافية والمضي نحو تثبيت النظام الديموقراطي اسوة ببلدان وشعوب أخرى.
وما يدل على أهمية ما جرى في العراق وما يجري فيه، هو الاهتمام المنقطع النظير لكل الدول والأنظمة المجاورة للعراق بهذه الانتخابات لدرجة أن تقارير تحدثت عن محاولة بعض تلك المجاورة التدخل لصالح مرشحين، والدفع السخي للأموال لصالح تيار سياسي، أو قوى ما بغية التأثير على نتائج تلك الانتخابات، وبالتالي حجز حضور لها في البرلمان العراقي حتى يمكنها التأثير لاحقاً على القرار السياسي الداخلي والخارجي للعراق.
ونحن إذ نتحدث عن هذه الدول فنقصد كل الدول التي تملك حدوداً مع العراق، مع استثناء الكويت فقط لأننا لا نظن أن الكويتيين متضررون من أي ديموقراطية على حدودهم وبخاصة في العراق، بل على العكس تماماً فربما هم الكويتيون أكثر من يريد للعراق التعافي ونجاح التجربة الديموقراطية فيه لأنهم أكثر من اكتوى بنار النظام الاستبدادي فيه إبان حكم الرئيس السابق صدام حسين.
ان أكثر الدول والأنظمة التي تجد نفسها معنية في ما يجري في العراق وما سيجري فيه لاحقاً هما إيران وسورية، وبدرجة أقل تركيا والسعودية، رغم اختلاف البواعث وعوامل القلق وأسباب الاهتمام.
بالنسبة لإيران، هي أكثر الدول القلقة والخائفة من احتمال نجاح التجربة الديموقراطية في العراق نظراً للتأثير المتبادل بين الشعبين، ونظراً لقرب العراق من إيران، ونظراً لأن طهران تعتبر العراق اليوم مجالها الحيوي الذي من خلاله تحارب خصومها الدوليين والإقليميين، وأيضاً تخاف طهران من تأثير النجاح في العراق على وضعها الداخلي بحيث تعطي الديموقراطية الناشئة في العراق دفعاً للقوى الديموقراطية في إيران. ومن ناحية أخرى، تخشى طهران كثيراً من القرار العراقي المستقل ومن يوم تستطيع فيه بغداد أن تتخذ قرارات مستقلة مستمدة من مصلحة العراق وليس من خشية إيران أو حساباً لها.
من ناحيتها سورية، لا تريد أبداً للعراق أن ينجح في تجربته الديموقراطية لأن ذلك من شأنه أن يظهر فشل النظام الاستبدادي وانكشافه بين ديموقراطيتين واحدة في لبنان والأخرى في العراق رغم عثراتهما وسلبيتهما في بعض المناحي، أو بشكل أدق، رغم أنهما غير ناضجتين كفاية ولا تشكلان عامل جذب للشعب في سورية.
كلنا يعرف ماذا فعل النظام السوري في بداية الاحتلال الاميريكي للعراق، فرغم مخاوفه أن يلقى المصير نفسه الذي لقيه النظام البعثي في العراق، إلا أن النظام البعثي أدرك فيما بعد أن الولايات المتحدة لا تستطيع تغييره وليست في هذا الوارد نظراً لما تعانيه في العراق، لكن النظام كان يدرك تماماً أن العراق المقبل وفيما لو نجحت فيه التجرية الديموقراطية فإنه سيشكل الخطر الأكبر له في المستقبل.
من ناحيتهما تعتبر كل من تركيا والسعودية أنهما معنيتان في الانتخابات العراقية وما يجري في العراق لدوافع متشابهة، لتركيا مصلحة في الاهتمام ببعض الجماعات الاثنية العراقية مثل التركمان، وفوق ذلك هي معنية بما يجري لأنه من الطبيعي أن تهتم بدولة متاخمة وتراعي مصالحها خاصة وأن حجم الانخراط التركي في الشأن الإقليمي بات اليوم أكبر بكثير من السابق.
من ناحيتها فإن دولة مثل السعودية تجد نفسها معنية بما يجري في العراق نظراً لحجم التدخل الإيراني والإقليمي، وهي تجد نفسها منخرطة تماماً بغية إيجاد نوع من التوازن مع الحضور الإيراني وتثبيت ذلك خشية على الحضور العربي الذي بدأ يضمحل مقارنة مع الحضور الإيراني.
في عموم الأحوال، مهما قيل في وعن الانتخابات العراقية، كذلك وبغض النظر عن المخاوف الإقليمية من نجاح الديموقراطية في العراق، فإن ذلك يبقى مرهوناً بقدرة هذه الديموقراطية على التأثير في الدول التي حولها وفي مقدرتها على جذب ولفت أنظار الشعوب المجاورة، الشعوب التي تبحث عن نموذج إقليمي ومحلي للديموقراطية، إن التحدي الحقيقي لهذه التجربة يكمن هنا فقط، أي قدرتها على أن تكون تجربة معدية وملهمة للآخرين.

كاتب سوري
الراي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى