صفحات ثقافيةمها حسن

مع حنان الشيخ حول الكتابة والمنفى وأدب النساء

null
مها حسن
أول ما يشد أحدنا إلى وجه حنان الشيخ، وهو يلتقي بها، هو عيناها. فلحنان نظرة متشبثة بالمشهد الذي تراه. ثمة هدوء يصل إلى حد الفتور في جميع ملامح وجهها، لأن كل عالمها منصبّ في عينيها، كما لو أنها تنظر إلى كل ما حولها، متوثبة لاختزان المشاهد لتدوينها لاحقاً.
تنظر حنان بقوة، بعينين مفتوحتين لا تفوّتان أي تفصيل، بعينين متنبّهتين.
جاءت حنان الشيخ من لندن التي تقيم فيها، إلى باريس، مُحتفى بها، من قبل بعض الأكاديميين المهتمين بالأدب العربي، على مدار يومين، حيث دعيت تلك النشاطات، بأيام حنان الشيخ (اللغة الفرنسية لا تعرف المثنى).
تحدثت حنان عن تجربتها الروائية، منذ البدايات، منتهية بما يشغلها اليوم.
لا تتفلسف كثيراً، ولا تبدو مهتمة كثيراً بالنظريات والآراء التي يمكن وصفها بالتنظيرية أو المنهجية. تتحدث بتلقائية وانسيابية، في لغة واضحة، دقيقة، متصالحة معها، ومع تجربتها. فهي لا تُخضع كتابتها لأي مقاييس أو مواقف فكرية، يتدخل فيها الكاتب، بل تبدو وكأنها تلحق بأبطالها، أو ربما يجوز القول، ببطلاتها.
في سؤالي لها عن علاقتها بالشكل الروائي، أو التكنيك، والاعتناء باللغة، خاصة في رواية “مسك الغزال”، التي رأيت فيها أنا شخصياً مقاطع لغوية مهمة، كان سؤالي منفصلاً عن الموضوع الذي طرقته حنان، وأنا أظن أنها من أولى الكاتبات العربيات اللواتي تطرقن للمثلية الجنسية النسوية في الرواية. سألت حنان بدقة عن الشكل والتكنيك، فأصرت أن شخصياتها هن من يخترن اللغة التي يتحدثن بها، وفق البيئة التي جئن منها، وفق حجم ومستوى معاناتهن، فلغة ابنة الخليج تختلف عن لغة ابنة لبنان مثلاً في علاقتها بالمكان وبالتالي باللغة التي تستعملها للتعبير عن نفسها.
تركز الحوار كثيراً حول رواية “إنها لندن يا عزيزي”، ولا أظن أن ثمة ضرورة للتذكير بأن معظم روايات حنان الشيخ ترجمت إلى لغات أخرى، بدءاً من الانكليزية، لغة البلد الذي تقيم فيه، إلا أن تلك الرواية تحديداً، هي أول أعمال الشيخ التي تتطرق لحياة العرب في المهجر.
كيف جاءت “إنها لندن يا عزيزي”؟
قبل هذه الرواية، لم يكن قد خطر في بال حنان الكتابة عن لندن التي تقيم فيها، كان جل اهتماماتها منصب على العالم العربي: “أفكر بالعربية، أحلم بالعربية، أكتب بالعربية”. إلا أن دار نشر بريطانية اتصلت بها آنذاك، وطلبت منها كتابة قصة قصيرة عن لندن، كما فعلت الدار ذاتها مع عدة كتاب غير بريطانيين. من هنا تتنبه حنان للعرب المقيمين في الغرب، أو لندن تحديداً، الذين يأتون من بلاد وثقافات مختلفة، حيث يتركون كل شيء خلفهم، ويتحلّون بشجاعة تعلم لغة جديدة وحياة جديدة.
كتبت حنان آنذاك “أكنس الشمس عن السطوح”، إلا أنها رغبت في توسيع تجربتها في الكتابة عن العرب في المهجر.
“ثمة شارع في لندن اسمه أكسفورد ستريت، هناك تعرفتُ على شخص يشبه سمير، ومن خلال سمير سمعت عن صبية جزائرية مثل أميرة. كنت أذهب يومياً وأسأل عنها، كنت أريد أن ألتقي بها، كلما وصلت قالوا لي كانت هنا وغادرت منذ قليل، أو أنها ستأتي بعد قليل… أمضيت ستة أشهر على هذا النحو من دون أن ألتقي بالفتاة. فقلت لنفسي إن هذا أفضل، حيث أستطيع الكتابة عن أميرة وفقاً لمخيلتي، وهكذا جاءت شخصية أميرة في الرواية.
أما لميس، الفتاة العراقية في الرواية، فهي تشبه الصبية التي تنضد لي كتاباتي. والدها موسيقار يعيش في العراق، أرسل لها شريطاً موسيقياً ذات مرة، وحين استمعتُ إلى إليه، شعرت بأني أعرف هذا الرجل… وهكذا نشأت شخصية لميس”.
تضيف الشيخ حادثة مسلية، حيث قبضت السلطات على شخص كان يتصل بالأمير تشارلز ويدعي بأنه أمير، وحين سألوه كيف فعل هذا، حدّثهم عن أنّ ثمة فتاة مغربية كانت “تنصب” على الناس، وتدعي بأنها أميرة، وهو فعل مثلها… وأميرة هذه هي الشخصية التي جاءت في رواية الشيخ.
“أشتاق اليوم لشخصيات الكتاب، لأنه أول كتاب أكتبه وأنا أضحك، صار الناس يذهبون إلى أكسفورد ستريت للبحث عن شخصيات هذه الرواية”.
و”مسك الغزال”؟
“ما أن نزلت من الطائرة في السعودية، حتى شعرت أن ثمة رواية أمامي لأكتبها”. تشعر حنان أن ثمة غربة داخلية تحياها بعض الشخصيات، فتأخذها وتضمها في روايتها، سها اللبنانية التي تعاني اغتراباً في الخليج، الغريب أن سوزان الأميركية هي الوحيدة التي لم تشعر بالغربة، لأنها وقعت على أرض ألف ليلة وليلة، أرض الأحلام التي راودتها وحلمت بها طويلاً.
الكتابة عن المرأة والجنس
“أنا لا أتعمد مناصرة المرأة والكتابة عنها، لكن هذا حال المجتمع، وأنا أكتب عن المجتمع”، تبرر حنان تركيز رواياتها على المرأة، بدءاً من “حكاية زهرة”، وانتهاء بـ”حكايتي شرح يطول”. حيث لاقت “حكاية زهرة” نجاحاً كبيراً، وترجمت إلى لغات عدة. وفي الوقت الذي تعرضت فيه الشيخ إلى أحداث الحرب الأهلية في لبنان، توقفت طويلاً أمام زهرة، والعنف المزدوج الذي يقع على المرأة، بوصفها إنساناً أولاً، وبوصفها امرأة تالياً: “أنا امرأة، أستطيع تفسير وشرح عالم المرأة، والإحساس بها، ولكني لا أناصرها دوماً، وفي كتابتي عنها، لست صديقتها دوماً، فأنا أنتقدها، ولكني أكتب عنها لأني أعرف المجتمع الذي تعيش فيه المرأة العربية”.
أما في القول إن الشيخ تتناول المواضيع الجنسية كثيراً في رواياتها، بدءاً من المثلية الذكورية “سمير في إنها لندن”، أو المثلية النسوية في”مسك الغزال”، أو الدعارة “أميرة في إنها لندن”، أو الاغتصاب “حكاية زهرة”، فترد حنان بأن الجنس موجود في العالم العربي، كما في أي مكان، والجنس عند أجدادنا كان مطروقاً بطريقة أكثر بساطة، وقد عُرف التاريخ العربي بالجنس. وتروي حادثة تعرضت لها في طفولتها، حين رأت جارتها تغسل الثياب في “طست”، ولما مر بها زوجها، خلع بنطاله وطلب منها غسله، فقالت له: “لا لن أغسله، فأنت لا تخلع بنطالك إلا لأغسله”. لم تفهم الصغيرة عبارة جارتها، وحين استفسرت عن سبب رفض الجارة غسل بنطال زوجها، قوبلت بـ”عيب”. “أنا أفلاطونية، قياساً على ما تكتبه الكاتبات العربيات اليوم عن الجنس، نحن نشعر أمام زخم هذه الكتابة اليوم وكأننا في خضم ثورة جنسية”.
إلا أن حنان تتناول الجنس من زاوية إنسانية، هكذا تبرر الشيخ استخدامها للجنس في الرواية. فهي مثلاً تعرض لألم سمير “المثلي في إنها لندن”، الذي لم يكن يفهمه من حوله، وكان يخفي ميوله ويخجل منها. ولكنه ارتاح في لندن، لأنه لم يعد مضطراً لإخفاء مثليته.
تعترض حنان أيضاً على التركيز على الكاتبة المرأة حين تكتب عن الجنس، وعدم معاملة الكاتب الرجل بالمثل حين يكتب عن الجنس بدوره. وتورد مثلاً عن الطيب الصالح، الذي لم يركز النقاد والقراء كثيراً على الموضوع الجنسي في روايته، بل تناول غالبيتهم الرواية من باب اختلاف الثقافتين الغربية والشرقية، ومسائل الهجرة.
حنان مشغولة حالياً بإعادة مسرحة نصوص “ألف ليلة وليلة”، بالتعاون مع مخرج بريطاني يستعد لإطلاق عمل مسرحي سيدور به على معظم الدول العربية، وسوف يعرضه في الغرب أيضاً، ضمن شروط إنتاجية عالية. كما ذكرت الشيخ بأنها محاطة بعدة طبعات من ألف ليلة وليلة، بالعربية والانكليزية، لتحويل بعض القصص المنتقاة، إلى نصوص مسرحية.
السؤال الذي يبقى مفتوحاً، إلى أي حد تبقى المرأة الكاتبة أسيرة “هم المرأة”، باعتباره الموضع “الذي تفهم فيه أكثر”؟ إلى متى تبقى الكاتبة العربية مختصة بالهمّ النسوي، وإلى متى يبقى النقاد والمترجمون وجميع مشجعي هذه الكتابة يدفعون بالظهور بقوة بكاتبات مقتصرات على همّهن النسوي، تاركات الساحة الأكبر للكاتب الرجل، بوصفه المختص بما تبقى من مواضيع، يبقى على رأسها، ربما بوصفي روائية، التجريب الروائي، كوصفة ذكورية بحتة؟
هذا ليس حكماً على كتابات الشيخ أو غيرها من الكاتبات اللواتي حققن حضورهن في المشهد الروائي، عبر الطبعات المتكررة (حكاية زهرة مثلاً صدرت في أربع طبعات عن دار الآداب الفاخرة)، وعبر الترجمات، بل هو حكم ومساءلة لمروجي هذه الكتابة اللصيقة بالواقع والمجتمع، التي تقدم هذا النوع من الكتابة باعتباره الوصفة الأمثل، إذ يتم تكريس هذا النموذج باعتباره الأفضل والأكثر تقديراً. السؤال المهم أيضاً، وهو لا يمسّ تجربة حنان الشيخ التي تنتمي لمرحلتها، والتي ربما تطلبت هذا النوع من الكتابة آنذاك، أقول ربما… وأتابع سؤالي، إلى متى ستنجح المرأة التي لا تعتقد أن همها الروائي هو همّ اجتماعي واقعي، في التحليق بعيداً عن الكتابة عالموضة، أو موضة الرواية النسوية، التي صارت وصفة سريعة للنجاح والشهرة، بمعايير ليست دوماً فنية، إلى أن غدت الكاتبة غير النسوية متهمة بالخوض في ما لا يرغب القارئ أو الناقد به… كما لو أن جنس المرأة ونوعها، يثير لدى القارئ، كتابة من نوع ما، ترضيه وترضي ذكورته، ولا ينتظر منها سوى تلبية تلك الصورة المُرضية عن كتابة المرأة.
المستقبل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى