أبي حسنصفحات الناس

أضغاث أحلام راودتني فوق حيفا

null


أبي حسن

كانت الطائرة التي تقلنا والتابعة للخطوط الجوية المصرية، متجهة من مطار القاهرة إلى مطار دمشق. وكان أمام مقاعد الركاب شاشة تُظهر خط الرحلة والمكان الذي تطير الطائرة فوقه.

من خلال الشاشة كان يبدو لنا أن الطائرة ستمر فوق فلسطين، وتحديداً فوق مدينة حيفا. قبيل وصولنا إلى أجواء حيفا توقفت شاشة العرض عن بث خط الرحلة والمكان الذي نطير فوقه لتعرض عوضاً عنه إعلانات تدور حول أهمية الحجاب والدعوة إليه وما دار في هذا الفلك.

على ما يبدو أن طاقم الطائرة احترم مشاعر الركّاب السوريين، لذلك أوقف بث خط الرحلة فوق حيفا. وحتى الآن لا أدري ما الحكمة من وضع إعلان عن الحجاب و”أهميته” في تلك اللحظة وذلك المكان بالذات! هل أراد المعنيون بالأمر تذكير “المؤمنين” من الركّاب أن “تحرير” حيفا يبدأ من الحجاب والالتزام به؟

أياً يكن الأمر، افترضت أن خللاً فنياً حدث في الطائرة اضطر معه الكابتن للهبوط في حيفا أو أي مكان في إسرائيل، ترى ماذا كنت سأعمل؟ حقاً أفكار عدة، مؤلمة، راودتني؛ لاسيّما أني مشبع، ومنذ الطفولة، بحكم التربيتين المجتمعية والمدرسية، ببغض إسرائيل وحب فلسطين، لكن بالرغم من ذلك انتابتني أفكار شيطانية لم يكن بمقدوري مقاومة إغرائها على الرغم من فجاجتها!

بالتأكيد كنت، حال هبطنا في إسرائيل، سأحاول التجول في شوارع مدنها وأحيائها، لا بقصد تعقب وتفقد “ذاكرة المغلوبين” والمتعبين التي رصدها أستاذنا فيصل دراج، بل لأتأكد إن كان يوجد في إحدى مدن إسرائيل أحياء كحي بولاق أو إمبابة الكائنين في قاهرة المعز، أو إن كان ثمة سكان إسرائيليون يسكنون المقابر كما هي الحال في قاهرة محمد حسني مبارك(يقدر الباحثون عدد سكان المقابر في القاهرة بنحو خمسمائة ألف شخص!)

لا أدري إن كنت سأشهد في حيفا أحياء بؤس كتلك التي تطوق العاصمة السورية دمشق، من قبيل حي تشرين وعش الورور والقابون ودف الشوك الخ

نعم، تمنيت الهبوط في حيفا، لأرى إن كنت سأصطدم ببوليس ديني على شاكلة البوليس السعودي الوهابي/الإرهابي سيء الذكر والصيت المُسمى “هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”. وكم كان المشهد سيغدو جميلاً حال صادفت حاخاماً لأسأله إن كان يؤمن بكروية الأرض أم لا. إذ المعروف أن مفتي السعودية الراحل عبد العزيز بن باز، مات وهو يكفّر كل من يقول بكروية الأرض!

الهبوط في حيفا، كان مغرياً من دون شك، فعسى أن أصادف عربياً من عرب 1948، لا لأسأله إن كان يفضّل الإقامة في الضفة الغربية وغزة على الإقامة ضمن دولة “الكيان” المصطنع، بل لأسأله إن كان يفضّل العيش في مكة أو قُم على حيفا بما فيها وبمن فيها.

نعم، كان من الجميل الهبوط في حيفا، فربما كنت أصادف هناك قانوناً للطوارئ كتلك القوانين (الدائمة) التي تعوق النمو الطبيعي للمجتمعات البشرية في معظم البلاد التي تنطق بالعربية. وكم أكون محظوظاً لو صادفت سياسياً إسرائيلياً بغية سؤاله عن السر في كون دولتهم –عفواً، قصدي كيانهم المصطنع- هو الوحيد الذي تجري فيه انتخابات حرة ونزيهة وتداول سلمي للسلطة، فضلاً عن إمكان خضوع أي مسؤول لديهم للمحاسبة وذلك كله على نقيض أبناء عمومتهم العرب!

من جانب آخر، من المعروف أن الداعية الإسلامي الشهير الشيخ الراحل متولي شعراوي، كان قد سجد ركعتين شكراً لله لأن جمال عبد الناصر خسر حرب 1967، وعندما سأله ابنه عن السبب في شكره لله وسروره لهزيمة العرب وعبد الناصر، كان جواب “الفقيه” شعراوي لولده: “أفضل من أن يصل الروس والشيوعية إلى ديار الإسلام”! طبعاً كان الشيخ شعراوي يقصد أن النصر لو كان حليف العرب في تلك الهزيمة النكراء التي بنى ذلك الداعية وأمثاله “أمجادهم” على أنقاضها، فإن الشيوعية ستصل إلى البلاد العربية/الإسلامية وهي، كما يبدو من وجهة نظره، أخطر من الصهيونية! لا ندري لماذا تجاهل الداعية شعراوي إنذار بولغانين بسحق إسرائيل حال لم يقف العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، لكن من المؤكد أنه سنتذاك لم يشكر الله ولا بولغانين الذي كان يشغل رئيس وزراء الاتحاد السوفييتي سنتذاك.

كان من الطريف أن تصادف حاخاماً إسرائيلياً لمجرد إجراء مقارنة بسيطة بينه وبين الشيخ متولي شعراوي! ولم يكن من الخطأ أن يتأكد أحدنا، من ذلك الحاخام المفترض، إن كان الحاخامات عندهم يتدّخلون في وضع المناهج الدراسية كما يتدّخل بطاركة الإسلام في عدد غير قليل من الدول العربية والإسلامية الذين يضعون من خلال تدخلّهم في المناهج التعليمية سداً منيعاً بين العقل والطلبة لا لشيء، اللهم فقط مخافة من الله! هل تذكرون تلك الرسالة “الجميلة” التي أرسلها عدد من مشايخ دمشق إلى الرئيس السوري ذات يوم من عام 2006 يستنكرون فيها محاولة إقدام وزارة التربية السورية جعل التعليم الشرعي يبدأ من المرحلة الثانوية عوضاً عن الإعدادية؟ لقد كان من ضمن ما قاله أولئك “الأفاضل” في رسالتهم تلك: “وقد كانت تلك الأُسر المحافظة المقيمة في تلك الأماكن تفرّ بأولادها من آفات الاختلاط وآثاره الشائنة إلى الثانويات والمعاهد الشرعية بدءا من المرحلة الإعدادية، ولكن الخطة التآمرية ترمي إلى سد هذا السبيل في وجوه الأُسر… وكم وكم جرى التآمر بهذا الهدف وراء الكواليس، وهكذا تجبر هذه الأُسر على زج أولادها في بؤر الفساد الأخلاقي والجنوح إلى الموبقات ولعل واقع المخدرات من أهونها”، قاصدين بذلك التعليم المختلط.. هل ثمة حاجة للتعليق؟

كان بودي الهبوط في حيفا، لأقف على رأي رجال الكهنوت اليهودي وموقفهم من احتقار العالم الكبير اينشتاين لنصوص التوراة، ولماذا لم يهبوا هبة الرجل الواحد للعن اينشتاين من على منابرهم كما هي الحال عندنا؟. وقد كان من المغري معرفة رأيهم بعالم الآثار اليهودي/الإسرائيلي الذي صرح منذ فترة قصيرة بأنه يعتقد أن موسى كان حشاشاً.

وأخيراً، كان من الغريب حقاً، أنه لم تراودني أية أفكار تدور في فلك زوال الدولة العبرية أو الكيان الصهيوني كما يحب البعض أن يسميه! ولم أفكّر مطلقاً برمي هذا الجار، الذي يطلب العرب ودّه سراً وعلانية، في البحر كما كانت شعارات القومجيين والإسلاميين تنادي في زمن مضى. وكثيراً ما استغربت أني لم أتذكر أياً من تصريحات الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد التي تعد إسرائيل بالزوال!

أضغاث أحلام كثيرة راودتني فوق حيفا، أوقفها فجأة هبوط الطائرة في مطار دمشق، عندها علمت أنه بات لأحلامي حدود حتى ولو كانت مجرد أضغاث.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى