صفحات مختارة

النظام الطائفي الهش يفتقد الهيمنة الطائفية

null

عمار ديوب

لا نضيف جديداً إذا قلنا أن لبنان يحكمه نظام طائفي توافقي،تساهم القوى الحزبية السياسية الطائفية في ديمومة فعاليته،وتأبيد سيطرته على الأغلبية الفقيرة.وهو ما يحجز المجتمع في ديمومة صراع الطوائف أو توازناتها. وبالتالي المصادرة على إمكانية تشكيل نظام سياسي علماني.مما يفرض توزيعاً طائفياً لمؤسسات الدولة.فلا توجد مؤسسة في الدولة،ربما باستثناء الجيش جزئياً تخرج عن هيمنة الطائفية السياسية.

المشكلة الآن هي أن القوى السياسية الطائفية اختلفت في مشروعها المستقبلي واصطفت واقعياً بين قوتين،حيث أن بعضها ينسق مع المشروع الأمريكي والبعض الآخر مستمر في تنسيقه مع المشروع الإيراني.وفي المحصلة ، كلا المشروعين ضد المشروع العربي الديمقراطي.دون أن نتجاهل أن أصل المشكلات في المنطقة العربية الآن هو محاولة هيمنة المشروع الأمريكي عليها واحتلاله العراق بعد احتلال الدولة الصهيونية فلسطين وتأييد الأنظمة العربية التابعة لهذه الهيمنة،وصدام هذا المشروع مع إيران وتأييده لإسرائيل المطلق.

مشكلة لبنان الأخيرة هي بسبب تهميش جزء من القوى الطائفية،وحدوث اختلال في التوازن الطائفي ،وهذا ما أدى إلى الخروج من الحكومة.وبالتالي أصبحت حكومة ساقطة وفاقدة للشرعية،لأنها بالأصل طائفية توافقية.وكي تعود كذلك لا بد أن تتمثل الشيعة بها.ولذلك لا مناص أمامها –إذا أرادت حلّ المشكلة طائفياً- إلا استعادت الفريق الذي خرج وبقي كذلك قرابة سنتين خارجها.حتى تكتمل أدوات الدولة الطائفية ،وهو ما جرى مؤخراً في الدوحة.

القرارات التي اتخذت بخصوص شبكة الاتصالات أو العميد شقير في المطار قرارات لا يمكن أن تؤخذ إلّا بالتوافق الطائفي. وبغياب التوافق أسهمت في إشعال فتيل شبح الحرب الأهلية،وهكذا سيتم دائماً حين تغبن طائفة ما.وباعتبار المعركة الداخلية محسومة لصالح قوى المعارضة نظراً للقدرة العسكرية التي تمتلكها فإن أثار القرارات أحدثت معركة داخلية،أسهمت في تطويق تلك الآثار، ولاحقاً التخلي عن تلك هذه القرارات من قبل الوزارة ذاتها.بعد أن رفضت قيادة الجيش بذكاء الصدام مع المقاومة ومع القوى المهمشة من تلك الوزارة.

هذا التخلي ليس دليل سياسة ديمقراطية كما يؤكد إعلام الموالاة أو حكمة رسولية رأفة بالخليقة ورئاسة الحكومة لا تمت لها بصلة.بل هو أتى بعد واقع أليم وبداية حرب قضت على أكثر من ثمانين لبناني.وربما بسبب التخلي الأمريكي عن 14 آذار في هذه الآونة، والخشية من أن تتطور الأوضاع نحو متغيرات قد تطيح بالوزارة ذاتها وربما باللعبة الطائفية الراهنة،نحو توازن طائفي جديد!.

إذن ، الكتل الطائفية المتصارعة ستعود مجدداً لبناء نظامها الطائفي .وسيكون ذلك النظام على حساب الأغلبية الشعبية وقد أفشلوا العصيان المدني والتظاهرات العمالية التي ستستأنف نضالاتها ضد السلطة والمعارضة معاً لاتفاقهما على المشروع الليبرالي ذو الشكل الطائفي في لبنان .وحين تُلبى الطوائف السياسية الحاجات الملحة للمواطنين –إن لبتها- يتم ذلك طائفياً وعبر المؤسسات الطائفية الخاصة لا عبر الدولة كمؤسسة عامة طائفية.

الدولة الطائفية تبنى بقوى طائفية.ولذلك لبنان لا تقوم قائمته طائفياً ما لم تتمثل جميع القوى الطائفية وخاصةً الرئيسية منها.ولكن القيامة تعنى أن لبنان محكوم لمجموعة زعماء ولا يستطيع أحدهم الهيمنة على الآخر وهذا شيء جديد،فإذ كانت هيمنة المارونية السائدة قد انتهت مع اندلاع الحرب الأهلية سنة 1976 فإن هيمنة جديدة أخرى لم تستطع السيطرة –السنيّة- ولذلك تتعمق الخلافات ويتفتت لبنان.وهو دليل على غياب الديمقراطية المواطنية .وبالتالي لا يمكن إقامة هيمنة جديدة واستقرار جديد على أساس تشكيل مركز مالي مهيمن ويدير شؤون الدولة اللبنانية- وهو كان مسعى الحريري الأب ورغبة الابن- إذ لمّ تُحل طلبات قوى المعارضة ولا سيما حزب الله وتمثيل الطوائف السياسية.

العبث عينه والكلام الفارغ من المعنى –لجهة الحداثة-الذي تتصدره مقالات كثير من المثقفين الليبراليين حين يفاضلون بين فريق طائفي وفريق طائفي آخر.فما أظهرته المشكلة الأخيرة يوضح حجم التداخل بين الإشكالية الطائفية في لبنان والخلاف السياسي على مستقبله.والذي يكاد يدمر تاريخ لبنان وحاضره ومستقبله.وأيضاً يظهر حجم الهيمنة الدولية والإقليمية عليه. وهذا بما يخص السلطة والمعارضة معاً. ونضيف بأنه لا يمكن للنظام الطائفي اللبناني إلا أن يقضي على أية نويات نحو نظام ديمقراطي علماني.وذلك لان الطائفية تنتقل من مجال السياسة إلى الاجتماع والثقافة والإعلام والاقتصاد وتخلق قوى خاضعة لها تفكك وتمنع تشكيل وعي مضاد لها وهو ما يؤبد سيطرة الأثرياء وإخضاع الفقراء بحجة الدفاع عنهم وتمثيلهم.

ضعف الدولة وتبني السياسات الليبرالية رفع أعداد اللبنانيين الفقراء إلى مستويات تتجاوز نصف السكان وأصبح لبنان وكأنه بلد بلا تاريخ وبلا موقع أساسي في المنطقة العربية وبلا إمكانيات اقتصادية.وهو بالضبط ما سمح للأحزاب الطائفية كتيار المستقبل أو حزب الله أو غيره بتأمين مجموعة من الخدمات للمواطنين .وبالتالي السيطرة على الفقراء وتطويعهم طائفياً ضد الوعي بمصالحهم وبمستقبلهم .وإذ كان تيار المستقبل يستفيد من الخصخصة واللبرلة والاقتصاد الحر على حساب الدولة والشعب اللبناني ومن هو متحالف معه من البرجوازية اللبنانية.فإن حزب الله يستند إلى إيران والهبات المالية في تمويل مشاريعه .وهنا مركز الخطورة.و لا يخفف من الخطورة استثمارها في تأمين الخدمات للمواطنين وللفقراء الشيعة لان ذلك يجعل الشعب طائفيا بالمعنى السياسي ومرتبطاً بشكل أو بأخر بإيران ولا سيما بالإيديولوجية الشيعية والمشروع الإيراني.عكس ذلك لدى تيار المستقبل حيث الارتباط بالسعودية وخلف ذلك بالمشروع الأمريكي.وهو ذاته الذي يدفع بعض القوى الطائفية المسيحية إلى ارتباطات أخرى.

لذلك نعتقد أن النظام الطائفي اللبناني مهما تعثرت مسيرته سيعود إلى التوازن والتوافق ما الخلاف بين القوى الطائفية.وسيكون ذلك على حساب الأغلبية الفقيرة التي لا بد لها أن تعي دورها بما يتوافق مع الأحزاب العلمانية وتشكيل ذاتها في تشكيلات حديثة تكون بوادر المجتمع الحديث والعلماني.بغير ذلك سيتجدد النظام الطائفي ذاته وستتراكم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وسيكون الفقراء من كل الطوائف هم المتضررون الوحيدون من هذه الطائفية ومن السياسات النيوليبرالية والخصخصة والاقتصاد الحر.

هناك فارق جوهري أزّم التناقضات بين الطوائف السياسية.وهو رغبة الحريري والسعودية بعد الطائف في فرض هيمنة سنيّة على لبنان.وبقاء حزب الله المالك الوحيد للسلاح والقرار 1701 الذي يؤكد على سحب هذا السلاح ووجود تحالف استراتيجي لحزب الله مع المارونية الجديدة الممثلة بالجنرال عون وتياره.وتأزم العلاقات بين إيران وأمريكا في السياسات الخاصة بالسيطرة على المنطقة بدءاً من العراق إلى الخليج إلى لبنان إلى أسيا الوسطى.هذا الفارق يدفعنا للحذر من الحل القطري والقول بأن نيران الحرب الأمريكية على إيران قد تكون بوابة الحرب اللبنانية مجدداً – رغم الحديث عن صفقة إيرانية أمريكية سهّلت تسوية الدوحة- نظراً لاختلاف المشروع السياسي كما أشرنا وعمق التشابك بين الأطراف الداخلية والأطراف الدولية والإقليمية.

واقعياً ، وبغض النظر عن حربٍ لها أرجحية ممكنة في المنطقة ضد إيران خاصةً، فإن الاتفاق القطري قد يعيد للنظام الطائفي توازناته ولكن بدون هيمنة سنيّة هذه المرّة ولكن أيضاً بدون تجاوز لها.وبالتالي هناك توازن طوائفي لا هيمنة فيه لطائفة على أخرى نسبياً وهو ما قد يؤدي كما أشرت لعودة التأزم في لبنان.ولكن وإذ ما دامت استقرت الأوضاع ، فإن الموالاة والمعارضة ستزداد شراسة في الدفاع عن مشروعها الليبرالي ضد الأغلبية الفقيرة.ورد فعل الأخيرة هو فقط الذي يحسم المشكلة اللبنانية نحو مجتمع جديد يستلزم بالضرورة من القوى السياسية العلمانية أن تستفيد من الأوضاع الخطيرة التي ألمت بلبنان والتي ستتضاعف والعمل على تغيير هذا الواقع .وبالتالي إما تغيير ديمقراطي علماني وإما نظام طائفي يجدد نفسه عبر السلم أو الحرب الأهلية.وفي الحالة الأخيرة ضمانة أكيدة لبقاء لبنان ضعيفاً وهشاً على جميع المستويات.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى