صفحات مختارة

فوبيا حازم صاغيّة

حسان الزين
دعونا ونحن نتحدّث عن الكاتب حازم صاغيّة ننسَ حازم صاغيّة. هذا ممكن. ليس في الأمر أيّ محاولة لتنصيله من موقف اتخذه أو من كلمة قالها، فهذه وتلك أقوى وأوضح من أن تُحجبا، وكل ذلك للحوار. لكن في كل مرّة تُقرأ أفكاره، سواء أكان من خلال مقالاته أم كتبه، ويستحضر كشخص بدّل مواقعه في الملعب الفكري والسياسي يحصل الانقضاض على القراءة والفكر والحوار. وكأن لا قراءة ولا من يحزنون. فاستحضاره كشخص وزجّه في «معركة» القراءة، أو ادّعاء ذلك، هو من الجهاز الدفاعي والأسلحة الاستراتيجية التي يحتفظ بها الكثيرون ويستعملونها. وفي الوقت الذي يُفترض فيه أن يُقرأ ما يكتبه حازم صاغيّة كصوت سجالي مرتفع ومجرَّب وصريح يجري، مع استحضاره كشخص ومسيرة، التشويش عليه، وكأن من يفعل ذلك يضع يديه على أذنيه تارةً، وعلى فم حازم صاغية تارةً أخرى، كي لا يسمع حقائق مزعجة له، أو لا يريد أن يقرأ منطقاً مختلفاً عن مقولاته وشعاراته.
لست أدّعي أن منطق حازم صاغيّة ومقوله أقوى وأصح. لا مكان لهذا في الحوار مع حازم صاغيّة، لكن «استعمال السلاح» معه يكبح القراءة، بما هي حوار، ويكبح فكر القارئ من الرياضة.
أحسب أن الدافع وراء هذا ليس ما يقوله حازم صاغيّة، فما يقوله يفكر فيه كثيرون من العرب ممن خاضوا التجارب ذاتها وآخرون أيضاً. وبالرغم من أهمية دور آليات العقل العربي التي تبني نفسها على نحو أسطوري وتقوم على فكرة أن الثبات ركن أخلاقي، إلا أنها ليست الدافع الأول للاستنفار في وجه حازم صاغيّة. الدافع الأول هو أن حازم صاغيّة يكتب من تجربة تجعل النقد توثيقاً من الداخل وجدالاً في «الوحدة» وكشفاً للمستور. حازم صاغيّة يكتب من الداخل رغم استقالته، ويفكر من التجربة وفيها رغم تجاوزها أو انسحابه منها، ويساجل رغم رغبة الغالبيّة في الثبات والإيمان. وهذا بحد ذاته محرّم في معايير العقل العربي الأسطوري ومنه الأيديولوجي، قبل الحديث عن أي موقف اتخذه حازم صاغيّة، والدخول معه في الحوار حوله.
هذه قوّة حازم صاغيّة، فهو من «شياطين» العقل العربي المتأسس أصلاً على نبذ تلك الشياطين مخافة أن يضعف أمام دهائها وحنكتها ومعرفتها الإنسان والإله. أليس حازم صاغيّة مكفّراً من أبناء الجهات التي غادرها ويشرّحها ويساجلها؟! هنا يكمن «سرُّ» حازم صاغيّة وسرُّ المؤمنين الذين يشيطنونه حماية لبناهم العقلية.
مشكلة حازم صاغيّة التجريبي أنه اختبر الجهات العربية كلها تقريباً، من اليسار إلى اليمين، ومن القومي إلى الليبرالي مروراً بالخمينيّة، ما أكثر من «المؤمنين» المجهّزين ضد الشياطين… في وجهه تارة ومعه تارة أخرى. وبالرغم من ذلك يختصر حازم صاغيّة حقبات وتجارب وأشخاصاً كثيرين. وكأن هذا الإنسان والكاتب تطارده لعنة القلق والبحث، فتراه لا يصدّق إلا بالتجربة، ومتى جرّب واختبر اكتشف وعرف وانتقد وغادر أو استقال. هذه لعنة العقل الحر متى ارتبط بإنسان مهجوس بالمعرفة والحرية، ومنغمس بالتجارب الفكرية والسياسية والحزبية، وفي واقع كالواقع العربي المسدود. فهذا الباحث الكاتب الذي شهدت حياته تحوّلات صادمة، لم يفعل شيئاً من دون تفكير عميق، قبل «الانتماء» وبعده، إلى حد لا يمكن معه تجاوزه في قراءة التجارب التي اقتنع بها، بل في تقويم السياسات العربيّة والأنظمة عموماً (بما فيها التي يُتّهم بأنه يسكت عنها). فهذا الإنسان هو أحد التعبيرات الواضحة والشفّافة للقلق العربي الباحث عن النهضة والحريّة، والرافض لاستلاب العقل وتكبيله ضمن شعارات ولمصلحة أنظمة وجهات. حازم صاغيّة الذي يكون الاتفاق معه، وكذلك الاختلاف معه، امتيازاً ومتعة وثراءً، مسكون بالقلق، القلق المعرفي والقلق الحضاري.
وما غزارته الكتابيّة إلا تعبير عن ذاك القلق الذي يجعله يهضم التجارب التي يخوض فيها. وهضمه ليس اجتراراً أو أكلاً مجرّداً. هضمه الذي لا يخلو من الدرامية والمسؤولية هو اختبار وتنامٍ معرفي وحوار نقدي مبضعي. وهذا ما يجعله كطبيب سادي يجري جراحاته من دون تخدير وبنج، أو ربما هي الصورة عكسية، فمن ينتقدهم ويصدمهم بأفكاره هم مازوشيون لا ينفع معهم البنج، أو يستعملون مخدراً من نوع آخر لا يصلح مع العمليات الجراحية.
مقابل فوبيا حازم صاغيّة هذه، ثمة طقس لتطويبه أباً. وإن كنا لسنا في الصين الشعبية أُوثِر القراءة النقدية لتجربته. فكتابة حازم وسيرته كما لا تقرآن بالمفرق لا تؤخذان بالجملة، ولا سيما أننا لسنا في تجارة، بل إزاء فكر وإنسان، فتجربة من هذا النوع أوّل ما تستدعيه السجال، وقد بادر هو إلى ذلك في كتابة «هذه ليست سيرة». وكما لا تستقيم تجربة حازم صاغيّة ولا تأخذ مجالها بالغضب والرفض والتكفير، لا تنمو وتتفاعل بالتبنّي والتماهي والاستنساخ.
الأخبار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

+ 19 = 24

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى