الرئيسية » صفحات السياسة » صفحات سورية » محور الصراع في إيران: ولاية الأمة… أم ولاية الفقيه ؟

محور الصراع في إيران: ولاية الأمة… أم ولاية الفقيه ؟

null


توفيق المديني

يتساءل المحللون ما هو محور الصراع الحقيقي بين التيار المحافظ والتيار الإصلاحي في ايران بعد فوز المحافظين في الانتخابات البرلمانية الأخيرة ؟

الثورة الإيرانية، في شكلها الخميني على الأقل، ككل الثورات الكبرى التي عرفها القرن العشرون عاشت فترة من الصراع بين حالة من النقاء الخالص والبسيط للإيديولوجية وبين السياسة الواقعية التي يكثر فيها الاختلاط والتعقيد حول مسائل داخلية، حيث يدور صراع شديد حول التحديث في بنية النظام السياسي، وموقع الإسلام وعلاقته بالسياسة، بين المحافظين والإصلاحيين.

مما لا شك فيه أن الصراع بين المحافظين والإصلاحيين يعود إلى بدايات الثورة الإيرانية، ويتمحور حول نظريّة “ولاية الفقيه” التي تقع في صلب الفكر الخميني. يقول الشيعة إن خلافة النبي محمّد (ص) تؤول إلى صهره عليّ (ر) وورثته، وآخرهم الإمام محمّد “المغيّب” عام 874 م، ليصبح الإمام المحتجب والذي سيعود لإقامة العدل. وفي انتظار هذه العودة، من يتولّى أمر المؤمنين؟ يعود الدور وفقاً لآية الله الخميني إلى الملاّ والفقيه، أي ممثّلي الإمام المهدي المنتظر. تمنح هذه العقيدة تالياً، رجال الدين سلطاتٍ كبيرة، وكان يعارضها العديد من آيات الله ولا يزالون.

فالإمام الخميني من خلال التنظير لولاية الفقيه أخرجها من حيز الفقه ومسائله العبادية العملية إلى حيز علم الكلام ووسائله الاعتقادية وجعل منها جزءاً من أصول الدين لا من فروعه، وهذا يعني أنه لا يوجد أي فرق بين ولاية الإمام المعصوم وولاية الفقيه، بل إن الخميني يذهب إلى المطابقة بين ولاية الفقيه وولاية الإمام المطابقة، وهو إنكار يتم داخل المجال الإيديولوجي للثورة الإيرانية نفسها.

وعلى نقيض ولاية الفقيه التي شكلت الأساس الإيديولوجي الذي يقوم عليه نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية طورت مراجع دينية عدة في إيران نظرية “ولاية الأمة على نفسها”، تعتمد خط الشورى في المسألة السياسية والتنظيمية المتعلقة بالمجتمع السياسي، باعتبارها دولة زمنية لا يجوز للفقهاء أي رجال الدين أن يتولوا السلطة فيها، أو أن يكون جميع جسمها ولاسيما جميع مفاصلها وقيادتها مكونة من رجال الدين. بل إن هذه الدولة يجب أن تدار بحكمة عالية، وأن يتولى قيادتها رجال سياسة مختصون، لأن رجال الدين عادة غير مختصين في حقول ممارسة الحكم في الدولة، والحال هذه تصبح الدولة من مناطق “الفراغ التشريعي” المحالة للأمة. فلا مجال لأن يسند بها شخص واحد إذا كان هو الفقيه العادل.

وتشكل نظرية “ولاية الأمة على نفسها” لمراجع دينية إيرانية عدة وللرئيس السابق محمد خاتمي نفسه امتداداً طبيعياً للخط الإصلاحي الديموقراطي الذي كرسه الإمام النائيني داخل المدرسة الشيعية الكلاسيكية في مطلع القرن العشرين والذي انطلق في تنظيره وتأويله لمفهوم الدولة الإسلامية، ليس من نظرية “ولاية الفقيه” بل من نظرية “ولاية الأمة على نفسها” التي ترى في الدولة مسألة شورية واختيارية وانتخابية ودستورية بين المسلمين أي مسألة فقهية من الفروع لا كلامية من الأصول.

وهكذا تتحدد خطوط التناقض بين نظرية “ولاية الأمة على نفسها” التي تؤكد أن الشريعة الإسلامية أوكلت أمر الأمة، إلى نفسها، ما دام منطق الإسلام هو منطق الشورى في المسألة السياسية والتنظيمية، ومنطق الإسلام الفقهي هو منطق كرامة الإنسان وحريته وولاية الإنسان على نفسه، وبين نظرية ولاية الفقيه، التي أولها الإمام الخميني وفق اجتهاده الفقهي، على أساس مناداته بالولاية المطلقة للفقيه بإقامة الدولة الإسلامية تحت قيادته وإمامته.

لذلك إن الولاية المطلقة للفقيه تعني قيادة الأمة المتمثلة في نائب الإمام الغائب، الذي اصطلح على تسميته موقتاً بالإمام، وهذا يفتح الباب واسعاً لاحتمالات الانزلاق نحو بناء دولة استبدادية تيوقراطية تقوم على نظرية الحق الإلهي للحكم، حيث ينفرد الإمام وحده وبإطلاقية بالرأي من دون منازع، باعتباره قائداً سياسياً، ومرشداً روحياً للأمة، وفارضاً ولايته عليها، الأمر التي يعود إلى احتكار السلطة من جانب رجال الإمام أي الفقهاء.

وكان الوجه الأبرز بين كبار رجال الدين في إيران آية الله منتظري قد أعاد النظر في الطابع الديني للجمهورية الإسلامية من خلال مؤسسة ولاية الفقيه، وهي أعلى مرتبة سياسية دينية في الدولة. وهو يعتبر أن “الفقيه” أو المرشد الأعلى للجمهورية لا يتمتع بشرعية إلهية ويجب تالياً تعيينه ديموقراطياً لمرحلة محدودة من الزمن على أن يكون قابلاً للعزل، وأن يكون دوره روحياً في الأساس.

كذلك يمكن أن يقع الخيار لهذا المنصب على شخص من غير رجال الدين يفرض احترامه بسبب معارفه الفقهية وصفاته الإنسانية. أما “جريمته الكبرى” فهي أنه نزع الأهلية عن “الفقيه” الحالي، خليفة الخميني، آية الله خامنئي إذ لا يرى فيه هذه الصفات. و كان الطلاب الذين انتفضوا في بداية صيف 1999، وجهوا نقداً مباشراً إلى مرشد الجمهورية، وطالبوه برفع يده عن قوى الأمن الداخلي وإناطة مسؤوليتها بوزير الداخلية، مما يعني كسر هيبة هذا المقام الذي بقي طوال العشرين عاماً من عمر الجمهورية الإسلامية بعيداً عن أي نقد.فالطلاب يستنكرون الطبيعة الثيوقراطية لولاية الفقيه، ويتهمون مرشد الثورة وأهل الحكم باستعادة الممارسة الثيوقراطية، و لاسيما بعد إرسال مسلحي “حزب الله” لمهاجمة الطلاب بطريقة غير قانونية .

ويشكل تنظيم “أنصار حزب الله” اليد الحديد للتيار المتشدد داخل جبهة المحافظين المتمسك بنظرية ولاية الفقيه، والذي يقود المواجهة بواسطة العنف في الشارع وفي الجامعات. وأخيرا ظهر تنظيم “فدائيان إسلام” منضماً في طرحه المتشدد ولجوئه إلى العنف إلى “أنصار حزب الله”. ويستمد التيار المحافظ المتشدد قوته أيضاً من سيطرته على المؤسسة القضائية التي تحتل حيزاً رئيسياً في المواجهة ضد التيار الإصلاحي، وهي إذ تخضع لسلطة الفقيه علي خامنئي فإنها خارج رقابة السلطتين التشريعية والتنظيمية. ويشكو محمد انزينفار مدير “همشري” (صحيفة اليمين التحديثي) التي تنشر نصوصاً وتصريحات للعلماء “التحريفيين” أو لرجال الدين المحافظين لكن المؤيدين للحريات، وهي أوسع الصحف اليومية انتشاراً، من هذا الوضع، فيقول بمرارة “أن سيف العدالة في أيدي اخصامنا”. وما يزيد من سطوة هذا السيف إن الله هو من يحركه، إذ يوضح أسد الله بادا مشيان أحد أوسع الزعماء المحافظين نفوذاً: “إن العدالة ذات جوهر ديني”، فيما يقول آية الله محمد يزدي الرئيس السابق للمؤسسة القضائية “لا تستمد العدالة شرعيتها من الشعب بل من الإسلام”. وبينما يطالب التيار الإصلاحي بإزالة “محكمة رجال الدين” و”المحاكم الثورية” باعتبارها أصبحت من الماضي، يعتقد التيار المحافظ أن الثورة، في حاجة الى هذه المحاكم من أجل متابعة المعركة، حيث يقول الدكتور حسن غفوريغارد عضو رئاسة البرلمان القريب من المحافظين “علينا واجب محاربة أعداء الجمهورية في الداخل والخارج وخصوصاً الغزو الثقافي الغربي“.

علينا أن نعترف ان جبهة اليمين المحافظ في إيران ليست متماسكة ولا هي موحدة في رؤاها، بل هي أيضاً تشقها تيارات ثلاثة. الأول متشدد، كنا أسلفنا في تحديد مواصفاته ورموزه، والثاني يمين تقليدي “ارثوذكسي” يمثل تحالف بورجوازية البازار ورجال الدين التقليديين، والثالث بين معتدل أو محافظ تقليدي.

الأمر المؤكد في إيران، أن التيار المحافظ المتشدد ما زال يتمسك بالمفاصل الأساسية للنظام ويعمل من مواقعه المحصنة على كبح أي إصلاح أو تغيير أو إطلاق حرية التعبير ولو من داخل النظام، نفسه، والقيم نفسها التي فصّلت من أجل الثورة الإسلامية. فالطلاب الذين كانوا رأس الحربة في إسقاط شاه إيران، يوم كان رمزاً للظلم والاستبداد، وناصروا الجمهورية الإسلامية، أصبحوا اليوم يطالبون بالتخلي عن نظرية ولاية الفقيه، التي باتت تفتقر إلى المساندة سواء وسط الطلاب أو بين أساتذتهم. وهذا بحد ذاته يعتبر تطوراً سياسياً مهماً وخطيراً، بل إنه أهم وأخطر تطور منذ استلام رجال الدين السلطة العام 1979. ويعتقد بعض المحللين الغربيين أن تبلور التيار الإصلاحي في إيران هو “بداية النهاية” لنظام حكم آيات الله الذي أنشأ عام 1979، وتذهب دومينيك برومبرجر، الخبيرة الفرنسية البارزة في الشؤون الدولية إلى الجزم بأن “الثورة الخمينية انتهت في طهران…” بعد أن كسر التيار الإصلاحي “المساكنة على الطريقة الإيرانية” المتميزة بانعدام التوازن البنيوي في المواجهة بين “الفقيه” المطلق والشرعية الشعبية.

مرة أخرى، يجد التيار الإصلاحي نفسه في صراع مع الزمن وأن المبادرة التي دخلها في سبيل تحديث النظام السياسي، وخوض معركة الحداثة في إيران، هي في غاية التعقيد، بعد أن ضيع الفرصة الأخيرة عندما كان خاتمي في السلطة، حيث أن هزيمته أدت إلى انحساره، ولو موقتا.

ولا شك في أن انحسار التيار الاصلاحي وفقدانه زمام المبادرة، يخدمان موضوعياً البيروقراطية المحافظة والمتشددة، التي انقضت على المكاسب التي حققها التيار الإصلاحي خلال السنوات القليلة الماضية. ذلك إن نجاح التيار المحافظ المتشدد كان له تأثير كبير في كل العالم الإسلامي.

– دمشق

(كاتب مغاربي)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.