صفحات سورية

الرقص مع الذئاب في الشرق الأوسط

null


حسن نافعة

شهدت منطقة الشرق الأوسط خلال الأسبوعين الماضيين سلسلة من الأحداث تفصح جميعها عن وجود حالة من عدم اليقين وسيادة شعور يختلط فيه الأمل بالقلق والخوف من المجهول. من هذه الأحداث: 1- تصاعد الأزمة في لبنان وانفجار العنف هناك على نحو هدد باندلاع حرب أهلية. 2- قيام الرئيس الأميركي جورج بوش بجولة في المنطقة شابت سلوكه خلالها مظاهر كثيرة من عدم اللياقة والاستفزاز والإحراج حتى لحلفائه الأقربين. 3- نجاح قطر, بالتعاون مع جامعة الدول العربية, في جمع أطراف الأزمة اللبنانية حول طاولة حوار في الدوحة أثمر اتفاقا أوقف حالة التصعيد ووضع الأزمة على طريق التسوية أو الحل. 4- نجاح تركيا في تنظيم واستضافة جولة من المفاوضات غير المباشرة بين سورية وإسرائيل كسرت الجمود على المسار السوري الإسرائيلي وهيأت الأجواء لبدء مرحلة جديدة من المفاوضات المباشرة بين الطرفين. 5- تكثيف الجهود المصرية الرامية للتوصل إلى تهدئة على المسار الفلسطيني الإسرائيلي تسمح برفع الحصار عن قطاع غزة وتنامي الأمل في التوصل إلى مثل هذه التهدئة.

ولأن الأسباب والدوافع المحركة لمجمل هذه الأحداث تبدو متناقضة ولا يجمعها خيط واحد أو تصب بالضرورة في مجرى مشترك, تصبح محاولة العثور على إطار عام يجمعها أمرا بالغ الصعوبة إن لم يكن ضربا من المستحيل. ومع ذلك فإن إمعان النظر في هذه الأحداث لا بد أن يكشف لنا عن وجود عامل مشترك يبدو حاضرا ومؤثرا على نحو مباشر أو غير مباشر على شكل وطبيعة التفاعلات الجارية، بالتالي يتعين إدخاله في الاعتبار إذا ما أردنا فهم ما يدور حولنا في هذه المرحلة. ويتمحور هذا العامل المشترك, في تقديري, حول صلف الإدارة الأميركية وعجزها في الوقت نفسه عن الإمساك بزمام الأمور والسيطرة على التفاعلات الجارية في المنطقة، مما يجعل الولايات المتحدة تبدو سادرة في غيّها لا تحسن شيئا سوى كل ما من شأنه تعقيد الأمور وإرباك الجميع.

من الواضح أن جورج بوش ما زال يسعى باستماتة لتحقيق إنجاز ما قبل رحيله عن البيت الأبيض، حتى ولو بارتكاب حماقة أو مقامرة جديدة غير مأمونة العواقب، مثل ضرب إيران. غير أن أطرافا كثيرة في المنطقة وخارجها، بما في ذلك بعض أقرب أصدقاء وحلفاء الولايات المتحدة, باتت تخشى على نفسها وعلى بلادها من الآثار الارتدادية لهذا النوع من الحماقات، وتحاول الابتعاد بحذر وعدم ربط أمرها أو مصيرها بالسياسات الأميركية الراهنة. صحيح أن بعض هؤلاء الحلفاء يبدو سعيدا بما يقوم به بوش بل يسعى لدفعه الى مزيد من التصعيد، غير أن غالبيتهم تبدو غير راضية عن سياساته أو مطمئنة إليها وتعمل جاهدة للحد من اندفاعه إدراكا منها لخطورة ربط مصيرها بإدارة يبدو أن زمانها قد ولّى وانتهى.

وفي تقديري أنه بعد التطورات التي عاشها لبنان خلال الأسبوعين الماضين، والتي بدأت بتصعيد حاد حمل معه مخاطر انفجار حرب أهلية شاملة وانتهى باتفاق على أسس للتسوية، فان الادارة الاميركية لم ترحب أو تسعد كثيراً بهذا الاتفاق, وربما كان ذلك خير شاهد على الحالة العجيبة التي تمر بها المنطقة حاليا! فقد بدأ التصعيد بقرارات حكومية مفاجئة، يعترف الجميع الآن بأنها كانت غير مدروسة. وعلى الرغم من أنه ليس واضحا تماما ما إذا كان فريق الموالاة قد تشاور بشأن هذه القرارات مسبقا مع حلفائه الدوليين والإقليميين أم لا، إلا أن هذا الفريق لم يتوقع على أي حال أن يأتي رد فعل فريق المعارضة عليها بهذه القوة والسرعة والعنف، ربما بسبب رهانه على أمرين، الأول: أن «حزب الله» لن يلجأ مطلقا إلى استخدام السلاح في مواجهة الداخل تحت أي ظرف من الظروف، حفاظا على «طهارة» سلاح المقاومة واتساقا مع مبادئ الحزب ومواقفه السابقة، والثاني: الاعتقاد بأن حلفاءه الإقليميين والدوليين سيهبون لنجدته وتقديم العون له إذا سارت الرياح على غير ما تشتهي سفنه. ومن الواضح أن فريق الموالاة أخطأ في الرهانين معا. فمن ناحية، استحال على «حزب الله» قبول قرارات تستهدف اختراق البنية الأمنية للمقاومة وبالتالي تعامل معها باعتبارها «إعلان حرب» يستوجب ردا فوريا حاسما. من ناحية أخرى, أدرك فريق الموالاة بسرعة أن موازين القوى على الأرض لا تسمح لحلفاء الخارج بالمغامرة بتدخل عسكري مشكوك في نتائجه، وليس له ما يبرره أصلا. ولأن «حزب الله» بدا حريصاً في الوقت نفسه على أن لا يؤدي تحركه المضاد والعنيف إلى حالة من الاستقطاب أو الفرز الطائفي، وهو ما نجح فيه بامتياز حين تبيّن أن حلفاءه السياسيين على اختلاف مشاربهم يتفهمون دوافع تحركه ويساندونه، خصوصا أنه سارع الى تسليم المناطق التي سيطر عليها للجيش، فقد راحت تتوافر رويدا رويدا على الأرض، ومن قلب الدخان المتصاعد والدماء التي تسيل، كل الشروط الموضوعية اللازمة لتسوية متوازنة. وهكذا ظهرت إلى حيز الوجود مبادرة قطر والتي تضافرت عوامل ثلاثة لإنجاحها:

العامل الأول: إدراك فريق الموالاة أنه خسر معركته السياسية والعسكرية التي تسببت فيها قراراته الاستفزازية، وبأن موازين القوى الإقليمية والدولية لا تضمن إعادة تصحيح الخلل الذي طرأ على مفردات معادلة السياسة الداخلية في لبنان.

العامل الثاني: إدراك فريق المعارضة استحالة حل الأزمة بوسائل الحسم العسكري وحده، وأن التسوية على اساس صيغة «لا غالب ولا مغلوب» هي البديل الوحيد الممكن والمتاح.

العامل الثالث: ظهور فراغ سياسي نجم عن عجز القوى الإقليمية والدولية المنحازة صراحة الى أطراف الصراع الداخلي في لبنان، وهو ما لمحته والتقطته بسرعة ديبلوماسية قطرية ذكية ونشطة بدت مستعدة للتحرك لملئه على الفور.

والواقع أنه لم يكن أمام كل القوى المحلية والإقليمية والدولية العاجزة سوى إفساح الطريق أمام القادم الجديد وعدم القيام بأي شيء قد يفسر بأنه محاولة للعرقلة، حتى ولو لم تكن هذه القوى مرحبة به أو متحمسة له. ويكفي أن نراجع ردود الفعل الأميركية الرسمية وبعض ما كتب أو قيل في الصحافة وفي بعض وسائل الإعلام العربية حول الدور القطري في الأزمة البنانية لندرك بوضوح تام هذه الحقيقة.

فإذا انتقلنا الآن من المسرح اللبناني إلى مسرح العلاقات السورية – الإسرائيلية فسوف نرى العجب أيضا. صحيح أن الجميع كان يعلم بوجود مساع تركية حثيثة للتوسط من أجل استئناف المفاوضات المتجمدة منذ سنوات على المسار السوري – الإسرائيلي والعمل على التوصل إلى تسوية سياسية على هذا المسار. ومع ذلك شكل إعلان تركيا عن نجاحها في استضافة جولة من المفاوضات غير المباشرة بين سورية وإسرائيل، وعن نية الطرفين عقد جولة أخرى مماثلة قريبا, مفاجأة من العيار الثقيل، خصوصا أنه جاء عقب اتفاق الدوحة مباشرة. و يلاحظ هنا أيضا أن ردود الفعل الأميركية تجاه هذا التطور كانت فاترة وتوحي بأن الولايات المتحدة ليست متحمسة لما يجري على هذا المسار أيضا وأنه يجري من دون مباركتها أو رضاها وربما من دون علمها. ومع ذلك يبدو واضحا أن الولايات المتحدة لم تعد تملك شيئا في مواجهة هذه التطورات وهي غير قادرة على التأثير في مسارها، ولا تستطيع أن تعلن صراحة عن رفضها لها أو الإقدام على إجراءات عملية لعرقلتها أو تخريبها. ويشكل هذا التطور في حد ذاته دليلا على أن حلفاء رئيسيين للولايات المتحدة في المنطقة، على رأسهم إسرائيل وتركيا ومن قبلهم قطر، لا يشاطرونها وجهة نظرها ورؤاها ولا ينسقون معها في تحركاتهم. فأولمرت يسعى لاستئناف المفاوضات مع سورية لأسباب كثيرة، قد يكون من بينها صرف الأنظار عن الفضائح الشخصية التي يواجهها والتي تهدده بالتنحي عن منصبه، وتركيا تسعى للهدف نفسه لأسباب كثيرة أيضا, قد يكون من بينها العمل على موازنة دور إيران الإقليمي في المنطقة.

لكن ماذا عن سورية؟ هنا تبدو الأمور غامضة أو مختلطة وباعثة على الحيرة ومدعاة لتفسيرات متباينة إلى حد التناقض. فسورية تدرك يقينا أن إسرائيل ليست مستعدة للتخلي عن الجولان والعودة إلى حدود 1967، خصوصا في ظل أوضاعها الداخلية المأزومة في الوقت الراهن، وذلك لأسباب كثيرة أهمها أنها تريد أن تكون لها سيطرة كاملة على مياه بحيرة طبرية، وهو ما ترفضه سورية بالمطلق. فحدود 1967 تضع سورية على شاطئ بحيرة طبرية، وبالتالي تعطيها حقاً واضحاً في مياهها، ناهيك عن حقوق السيادة على التراب الوطني. ولو كانت إسرائيل جاهزة لتسوية من هذا النوع لأمكن التوصل إليها منذ سنوات طويلة أيام اسحق رابين. غير أن سورية تدرك في الوقت نفسه أن أولمرت ضعيف داخليا، وأنه ربما يكون في أمسّ الحاجة للإيحاء بأن لديه خيارات بديلة أو مكملة لخيار التسوية على المسار الفلسطيني، والذي يبدو متعثرا وشائكا وأكثر صعوبة من المسار السوري نفسه. وتدرك سورية ايضا أن إسرائيل تراودها أحلام حول مقايضة الجولان مقابل فك تحالفها بإيران و «حزب الله» وفصائل المقاومة المسلحة في فلسطين. غير أنها مقتنعة تمام الاقتناع بأن إسرائيل ليست جادة فيما تقول، وأن أطروحاتها حول هذا الموضوع تتسم بتناقضات بنيوية. فإذا كانت إسرائيل تنظر حقا إلى إيران باعتبارها مصدر التهديد الرئيسي لها، فلماذا ترفض التوصل إلى تسوية شاملة للصراع العربي الإسرائيلي، والذي يعطي ايران المبرر لاستخدامه كوسيلة لمد وتوسيع نفوذها داخل العالم العربي؟ وإذا كانت إسرائيل تعتقد حقا أن المنظمات الإسلامية الأصولية هي التي تعرقل عملية التسوية فلماذا لم تتمكن من إبرام تسوية مع ياسر عرفات من قبل أو مع أبو مازن اليوم، بل لماذا لم تتمكن من التوصل مع سورية نفسها إلى اتفاقية للتسوية مع أنها كانت جاهزة ومستعدة لها تماما منذ أيام الرئيس حافظ الأسد؟

سورية تدرك إذن أن إسرائيل تناور، وهي تريد أن تؤكد أنها أيضا مستعدة للمناورة وجاهزة لها وقادرة على مجاراة إسرائيل فيها وربما التفوق عليها. فسورية لن تسارع الى فك تحالفها مع إيران أو «حزب الله» أو فصائل المقاومة الفلسطينية بمجرد منحها ورقة مكتوبة تعد بالانسحاب من الجولان والعودة الى حدود 1967، والأرجح أنها ستشترط أن يتم هذا الانسحاب فعلا وأن تتسلم الجولان كاملة, بما فيها الشواطئ المحاذية لبحيرة طبرية، قبل أن يبدأ بحث معنى وسبل وإجراءات ومظاهر وربما عواقب وآثار فك تحالفاتها الدولية والإقليمية، بل ربما يشترط الرئيس بشار الاسد الاستحمام في مياه البحيرة أولا كما اشترط والده الرئيس الراحل حافظ الأسد. وحتى على افتراض أن إسرائيل جاهزة ومستعدة بالفعل لصفقة من هذا النوع، وهو أمر ليس بالمؤكد، فلا جدال أن عملية إتمام الانسحاب الإسرائيلي من الجولان ستستغرق وقتا غير قصير وليس من المتصور أن يتم هذا الانسحاب فعلا، وفي جميع الأحوال، قبل رحيل بوش عن البيت الأبيض. فإذا كان المطلوب أو المقصود من فك التحالف مع إيران توجيه ضربة لهذه الأخيرة، فمن الطبيعي أن توجه هذه الضربة قبل رحيل بوش عن البيت الأبيض وإلا فلا معنى لها مطلقا. وأظن أنه من السذاجة الاعتقاد بأن التحالف السوري الإيراني سينهار بمجرد الاعلان عن وجود مفاوضات سورية – إسرائيلية غير مباشرة، أو حتى مباشرة، فقد سبق للعلاقات الإيرانية السورية أن خاضت مثل هذا الاختبار ونجحت فيه وصمدت.

في سياق كهذا يبدو واضحا أن المأزق الذي وصلت إليه السياسات الأميركية في المنطقة، والتي تلقت لطمة جديدة وكبيرة بعد أحداث لبنان الأخيرة، لا يصيب الإدارة الأميركية وحدها بالحيرة والارتباك والتخبط، وإنما يصيب حلفاءها أيضا. وأياً كان الأمر, فمن الواضح أن مصير المنطقة معلق كله في النهاية على قرار بوش. فإذا قام بضرب إيران، وهو أمر ليس مستبعدا، فستختلط كل الأوراق وستعود تفاعلات المنطقة إلى نقطة الصفر من جديد. أما إذا لم تتم الضربة فسوف يتعين إعادة تقييم الموقف في المنطقة برمته. وحتى ذلك الحين فسيظل الرقص مع الذئب الأميركي في المنطقة مستمراً.

كاتب مصري
الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى